السقوط المبين يتجلى بكسر حاجز الخوف وانتقال اللعبة بكل أدواتها وشروطها إلى الشباب العربي

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2011. 03:49 صباحاً
  • فتاة ليبية في تركيا تحتفل أمس بسقوط مدينة طرابلس في أيدي الثوار-(ا ف ب)

زياد العناني

عمان - كل العالم يعرف ما هي تفاحة نيوتن، وكيف سقطت حينَ داهمها العفن والعطن، وساهمت في اكتشاف قانون الجاذبية الأرضية، إلاَّ بعض الزعماء العرب الذين كانوا يحسبون أنها لم تسقط، وإنَّما ارتفعت إلى عل، مفضلين قلب الهرم العلمي في الفيزياء والرياضيات وتسخيره في ديمومة حكمهم.
ها قد سقط زين العابدين بن علي، ومحمد حسني مبارك وها هو العقيد معمر القذافي يترنَّحُ ذات اليمين وذات الشمال، في حالةٍ تكشِفُ عن سقوط مرحلة لم تطل الزعماء فقط، إنَّما طالت حتى بعض الأحزاب والايديولوجيات التي استكانت واستهانت، وشكَّلَت مع السلطات حالة من الاستعصاء السياسي، امتدَّت منذ بداية القرن الماضي إلى الآن.
كل شيء يتداعى، الحكام والأحزاب والأفكار والمشاهد الثابتة، وكل شيء يدلُّ على أنَّ التغيير سوف يغلق كل صفحة كان فيها الزعيم يتألَّه على الناس، وكل صفحة كانت فيها الماركسية والشيوعية والناصرية والإسلام السياسي وغيرها من الحركات تعبَثُ بالمشهد السياسي، خصوصا بعدَ أنْ ظهر الزعيم الذي يطل ولا يطال وهو يهرب ويحاكم ويبحث عن ممر آمن له ولأسرته، وظهرت الأحزاب العربية عارية في فضيحة أنَّها مجرد حواضن سياسية غاطسة في أزماتها، ولا تتحرك إلا ضمن مشاريع مفكَّكَة تدرج في فكرة القطيع وفي رأس رعايته، من غير أنْ تنتجَ لحظة ممانعة أو تغيير سياسي.
ها هو السقوط المبين يتجلى بعد أنْ كسَرَ حاجز الصمت والخوف، وانتقلت اللعبة بكل أدواتها وشروطها لتكونَ تحت تصرف الشباب العربي الذي صمَّمَ على الإطاحة بالأنظمة أو تطويعها مرحليا للتفكير بإصلاحات موجعة في مجال الحريات والديمقراطية، وصمَّمَ على إسقاط الزعامات الدموية بعد أنْ طفَحَ الكيل وملَّوا من تسلط السلطة وعدم تداولها.
بعد زين العابدين رؤوس كثيرة سوف تسقط، ولن تكون هناك جهة تمنع هذا السقوط، لأنَّه يتمثَّلُ في عزم شباب اخترقوا قاعدة مهمة كانت تتعلق بضرورة وجود التماثل الفكري والسياسي على قضية ما واجتمعوا من اليمين إلى اليسار على النزعة التطهيرية وتوحيد نطقهم بالهتاف الدائم لمفردة الإصلاح التي بدأت تعرف دربها.
ها هي ساعة بعض رموز الاستبداد قد دنت، وها صنم آخر اسمه القذافي يسقط أو يهرب الى فنزويلا أو الصحراء الكبرى، وها هي هتافات الفرح تنطلق في المدن الليبية والعربية وها هي فكرة القبضة الحديدية باتت مغلولة في ليبيا وارتخت في مناطق عربية أخرى، وها هي التنازلات تتابع في كل مكان وها هي عقارب الساعة ايضا ترفض العودة إلى الوراء.
إن جوهر التغيير الذي حدث وسوف يحدث، يكمنُ في جيل درج على استبعاد هيمنة الأفكار الإلزامية، وجعل المطالبة في مفردة الحرية مسألة حياة أو موت سوف يدفع قيمتها كل الأفراد بغض النظر عن حزبهم وقبيلتهم وديانتهم في الساحات، ذلك لأنَّهم توحدوا على نبذ الاختلاف وكرسوا الوقت لإنتاج بعض المتفق عليه في أدبياتهم وكرسوه كخيار ممثل في الحامل الاجتماعي الذي ينتمون إليه.
السقوط حدث وسيظلُّ يحدث كل يوم وفي كل ساعة، حتى نساير النهوض والتمدن ونتخلص من إشكالية الاستبداد وتركيبة الأنظمة البيرقراطية المتعبة التي لم تعرف بعد أنَّها كانت السيناريو الأسوأ في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأنَّها كانت السبب الأكيد في كل هزامنا منذ بداية القرن الماضي إلى الآن، وها هم حراس الاستبداد قد انكشفوا، ومراحلهم تنكفئ في سوادها بعد أن تهشمت كليانية الزعيم، ولم تعد تؤكِّدُ لنا أو لنفسها بأنَّ الجاذبية التي تستقرُّ بالناس والأشياء على الأرض قد تركت وظيفتها الأزلية، لترفَعَ بعض الزعماء إلى مكانة الغيم أو رؤس الجبال، كما تؤكد أنَّهم ضعفاء لا يملكون صفات لا تتوفر إلا فيهم وليست لهم هيئة كائنات طهرانية تسبح في فضاء خاص وتطل لكي نراها في القمر أو تطير متبوعة بمحفات كونة.
انتصر ربيع الشعوب العربية، وسينتصر لاحقا ويرسم لوحته بأجمل الألوان في الوقت الذي سوف يرسم صورة هؤلاء القادة بالفحم وحده.
وبناء على الفحم وسواده أيضا، لم يعد هناك مكان لأي ذريعة قد تحصن الأنظمة أو تقفز بها لكي تتجاوز التاريخ والجغرافيا، ولم يعد هناك من يخاف من الذئب ومآسيه وإكراهاته التي تؤشِّرُ نحوَ الأنياب لأنَّ الشعوب العربية تماثلت للصحو، واكشفت أنَّ الذئبَ أدرد، وأنها كانت ضحية لسوء الحظ، وأنَّ الخسارة الكبرى كانت تكمنُ في الصمت وفي الذل، وأنَّ الحرية أكبر من القاتل ومن شرعيته ومن جيشه وأمنه، وأن الرقص معها على الحواف أفضل من الرقص مع الخوف وأنها وبين هذا وذاك لا تحب ولن تحب الرؤوس العربية التي لا تجيد سوى  الطأطأة .
وأخيرا ها هي الأفراح تعلن أن الشعوب العربية لن تدحر في بؤرة الاحتقان الشعبي أو سايكولوجية المقهور وأن الأنظمة المستبدة لم تعد تستطيع الاعتداء على الحق ولم تعد تصيبنا في كل مقتل وتقذف بتقيأتها علينا لأن الوقت كله قد حان  لإسقاط  هذه الزعامات المبتسمة والمتسامحة  في الأغاني الوطنية واسقاط ثقافة الأقنعة وكذلك حالة الضعف التي كانت تخدم في بيت الطغيان.

zeyad.anany@alghad.jo

التعليق