في الصومال، مجاعة جديدة تولد من الإخفاقات القديمة

تم نشره في الثلاثاء 16 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً
  • صبيّ صومالي في مخيّم مرتجل للاجئين في أطراف العاصمة مقديشو - (أرشيفية)

نور الدين فرح* - (الواشنطن بوست) 30/7/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
إذا كان الماضي شيئاً ينبغي التعلم منه، فسوف تظهر شبكات التلفزة في شتى أنحاء العالم صوراً تتفطر لها القلوب لأطفال صوماليين يعانون من سوء في التغذية، بطونهم منتفخة بسبب إصابتهم بـ"الكواشيوركور" (الاسم المحلي في غانا لنوع من أنواع سوء التغذية الناجم عن نقص حاد في البروتين والطاقة)؛ أو لذباب يتغذى على عيونهم؛ ولأفواه ترضع من أثداء ناضبة. وسيشهد الخبراء البيئيون على حالات الجفاف المتكررة في الصومال. وستتصل منظمات المساعدات بأثرياء العالم في محاولة لجمع أموال تسد رمق الجوعى. وستقطع حكومات وعوداً لا تستطيع الوفاء بها. وفي الأثناء، سيتحول جدول اللاجئين الذين يغادرون الصومال ويدخلون إلى الجارة كينيا فيضاناً. وسيتحول كل هذا إلى مخيمات اللجوء التي ستطفح بأنهار من التعاسة البشرية.
قبل عامين، كنت أزور صديقي الطيّب، عبد الله محمد شيروا، الريادي في النشاط المجتمعي المدني الذي يتخذ من مقديشو مركزاً له. وقد تساءل بصوت عالٍ عما إذا كان البلد سيستطيع الصمود في الوجود على ضوء الظروف السائدة. وقبل أسبوع، تلقيت مكالمة هاتفية منه، وصف فيها الحالة بأنها "كارثية، عصية تقريباً على التصحيح". ثم تساءل مستنكراً: "لماذا يترك الناس ليموتوا وهم يتضورون جوعاً -عقداً في إثر عقد؟".
وكان نحو 170.000 شخص صومالي قد وصلوا إلى مخيمات اللاجئين منذ شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، وفق أرقام الأمم المتحدة. ولكن المعاناة البشرية الهاربة من المجاعة تقف بمثابة مؤشر يومئ إلى الكارثة التي تنتظر الأضعاف المضاعفة من الصوماليين. وأنا أتحدث عن أولئك الذين تخلفوا وراءً.. أولئك الذين يتوزع حصاد موتهم يومياً. وبعد كل شيء، فهم في أمسّ الحاجة متلهفون للمساعدة التي من غير المرجح أن يتلقوها. هذا لأن الوكالات الإنسانية لا يسمح لها بالوصول إلى هؤلاء سيئي الحظ. والوصول إليهم تحظره حركة "الشباب" الإسلاموية المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي تضم متدينين متشددين ممن يدعون بأن ثمة عقاباً إلهياً، وممن يحكمون بالموت على الجموع المحرومة.
بطريقة ما، أصبحت الحالة الراهنة في الصومال أسوأ بكثير من تلك التي سجلت في العام 1992. فخلال المجاعة التي حلت في البلاد آنذاك، كان أمراء الحرب يحتجزون الأمة كرهينة. وعلق ملايين الصوماليين بين الحابل والنابل، بينما مات الآلاف بسبب التضور جوعاً. ورداً على الأزمة، أرسلت الولايات المتحدة قوات البحرية "المارينز" للقيام بما أسماه الرئيس الأميركي الأسبق جورج اتش دبليو بوش في ذلك الوقت "عمل الله". لكن ذلك التدخل كان إجراء ناقصاً، فأسفرت المهمة غير المكتملة عن التبعات التي نعيشها راهناً.
أفضى العمل العسكري الأميركي في الصومال إلى وفاة 18 جندياً أميركياً في العام 1993، حيث سحل أشرار تابعون لأمير الحرب الذي كان يتعقبه الأميركيون الجثث في أزقة مقديشو المغبرة. وقررت الولايات المتحدة التي شعرت بالمذلة الانسحاب من الصومال نتيجة لذلك. وأعلنت منظمة القاعدة تبني الهجوم، ومضت قدماً في تجنيد إرهابيين بدون التنغيص عليها تقريباً. وكانت قادرة على شن هجمات على السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا بعد خمسة أعوام.
وبانسحابهم، وقع الأميركيون في أيدي مفسدي السلام، ما صب في نهاية المطاف في صالح الإرهابيين. وكافأت الأمم المتحدة، في حينه، أمراء الحرب بشرف غير مستحق، واصفة إياهم بالزعماء بدل المجرمين. ودعي أمراء الحرب إلى سلسلة من مؤتمرات المصالحة لتشكيل حكومة، فيما ساوى الصوماليون هذا التطور الغرائبي للأحداث بفكرة تسليم المسؤولية عن رعاية قطيع من الماعز إلى ضباع.. والأبله فقط هو من يعتقد بأن ضرراً لن يلحق بالماعز.
وفي أعقاب مغادرة الولايات المتحدة للصومال، وقف باقي العالم متفرجاً، تاركاً أمراء الحرب ليستفيدوا من نزعتهم الإجرامية، فقوّى تنظيم القاعدة من تواجده في البلد. ودخلت مراكب أجنبية المياه الصومالية وانخرطت في صيد غير قانوني، ما سمح للقرصنة بأن تنتفخ وتتحول إلى واقع بشع.. وعاشت الصومال زمن ارتهان، وأصبحت مؤجرة لمجرمين من نوع أو آخر، وشكلت عالماً مثالياً يزدهر فيه الإرهابيون.
ولو كان لدينا استشراف، لكنا عملنا بمقتضاه. ولو قامت قوات المارينز بنزع أسلحة أمراء الحرب؛ ولو أصدر مجلس الأمن الدولي مذكرات توقيف بحق أمراء الحرب في وقت مبكر وأوقفهم عن إطالة أمد فشل الدولة؛ ولو تصدى مجلس الأمن لأمراء الحرب -الذين كانوا قد حرموا ملايين الجوعى من الوصول إلى الغذاء- بطريقة حاسمة كما فعل مع أنظمة الإبادة الجمعية في صربيا ورواندا وسيراليون والسودان، لو حصل ذلك لما استطاعت القاعدة تأسيس قاعدة آمنة تخطط انطلاقاً منها لشن هجمات إرهابية. ولما كان بلدنا قد عجز عن مقارعة ضخامة مشكلتنا، ولما أصبح يعاني من أسوأ كارثة إنسانية في العالم.
على مدار عقدين، تعاونت العديد من التحالفات من مختلف الأسماء التي تنتمي إلى مجموعات مصالح مختلفة، كلها مؤذية للصومال، لزعزعة استقرار البلد. وتقول الفائزة بجائزة نوبل للسلام أمارتيا سن إنه من السهل منع وقوع المجاعات، والتي غالباً ما تندثر مع تأسيس ديمقراطية متعددة الأحزاب، وصحافة حرة، ومعارضة سياسية فعالة. ويمكن لهذه العناصر من المجتمع الديمقراطي أن تحمي الناس من تغول المجاعة أو أن تخفف من تداعياتها الكارثية.
ولا يوجد لدينا أي شيء من ذلك الصومال. وبدلاً من ذلك، فإننا نعرف أن تكرار حالات الجفاف ينجم عن الانهيار السياسي -فشل الطبقة الحاكمة في التعامل مع الكوارث المقبلة التي تستغرق أعواماً حتى تتجسد على أرض الواقع.
ولكن، ومع الوقت الذي داهمنا فيه الجفاف، فإن الأمر أصبح متأخراً جداً في الغالب. وخلال زيارتي الأخيرة للصومال في شباط (فبراير) وآذار (مارس) الماضيين، كان باستطاعتي أن أستشرف قدوم أوقات رهيبة وكان موسم انحباس الأمطار يلوح في الأفق. وكان الناس يتأملون رياح الصحراء القاحلة، لعل وعسى أن يكون بين ثناياها بشائر. ولم يشأ العديد من الناس الذين تحدثت معهم أن يستشرفوا وقوع مجاعة، لكن الكلمة كانت على شفتي كل إنسان في غالكايو التي تقع في وسط البلاد. هناك، نضبت الآبار فيما كانت الحروب تشن حول حق الناس البدائيين أو البدو في سقي أنعامهم.
وحتى الآن، لم يفعل العالم أي شيء سوى السير خطوات بسيطة على طريق البت في ورطة ومأزق الشعب الصومالي. وإلى الآن، لم تنفع أي من هذه الخطوات. وقد حان الوقت لأن يحيل مجلس الأمن الدولي مسألة الصومال إلى محكمة الجنايات الدولية لإجراء تحقيق معمق في الأسباب والمتسببين، كما حدث مع كوارث إنسانية أخرى في السودان وليبيا، على سبيل المثال. ومن شأن الطبيعة الرفيعة لهذه المحاكمة فقط أن تضمن إرساء العدالة بحيث يستطيع الصومال أن يصبح بلداً قابلاً للحكم.
والبديل أمام المجتمع الدولي هو الاستعداد للعودة إلى الصومال في عشرة أعوام أو في عشرين عاماً. وعندها ستجد الوكالات الإنسانية نفسها مضطرة للتفاوض مع بعض مجموعات المجرمين الجديدة العازمة على القضاء الفسيولوجي على أبناء جلدتها، مع علمها أنها تستطيع، كما في السابق، أن تنجز هدفها هذا بينما تتمتع بالحصانة، وذلك من أجل الوصول إلى الملايين من الجوعى الصوماليين.
*روائي صومالي المولد، يقضي وقته بين كيب تاون في جنوب أفريقيا ومينابوليس، حيث يحتفظ بكرسي وينتون للآداب الليبرالية في جامعة مينيسوتا. وستصدر روايته المقبلة "كروس بونز" في أيلول (سبتمبر) المقبل.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: In Somalia, new famine born of out of old failures.

التعليق