سيد حجاب: لا أحد يستطيع القول إنه شاعر الثورة

تم نشره في السبت 13 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

سليم النجار

عمان - يرى الشاعر العربي المصري سيد حجاب أنَّ الحكومات السابقة لـ "ثورة 25 يناير"، كانت تتبع سياسيات اقتصادية وثقافية أدَّت إلى إفقار الشعب المصري، مبينا في المقابل أنَّ "الثورة الناصرية" سعت إلى جعل الثقافة متاحة للجميع، وقامت بإقامة بنية تحتية للثقافة، عبر إنشاء أكاديميات فنية ومسارح وما شابه.
وفي حوار مع "الغد"، يؤكِّدُ حجاب أنَّ في زمن الناصرية كانت الثقافة تنتشر في جميع قرى ونجوع مصر، موضحاً أنَّه بعد الحقبة الناصرية "انقلب الحال، وتحولت الثقافة سلعة، وأصبحت وزارة الثقافة قائمة على تسليع الثقافة". وبيَّنَ أنَّ ذلك جاء من خلال ممارسات "غير الثقافية تجلت أبشع صورها، في إقامة مهرجانات في الشكل تبدو ثقافية، لكن في حقيقة الأمر مهرجانات إعلانية".
ويذهبُ إلى أنَّ تلك الممارسات، أدَّت إلى خلق جوائز دولة، تسمَّى باسم الرئيس السابق محمد حسني مبارك، التي تغيرت الآن، وأصبحت جائزة النيل.
وثمة ملاحظة يوردها حجاب، إلى أنَّ الجوائز كانت تعطي لمن يرضى عنهم النظام السابق، والوزير السابق، وعادة هؤلاء يكونون من "المحاسيب والأزلام"، مستدركاً أنَّه بعد ثورة 25 يناير تغيَّرَ الحال تماماً، واستطاع المصريون، نبذ ورفض ثقافة الخوف والخنوع والعبودية، وأسسوا في ميدان التحرير ثقافة جديدة تنويرية ونقدية.
ويضيف أنَّ المصريين عززوا تلك الثقافة بـ "الروح الاستشهادية"، التي انتشرت في روح المجتمع المصري، مشيراً إلى أنَّ حماية الثورة، تحتاجُ إلى تأسس ثقافة إبداعية تخاطب الحس الوطني، وتعبِّرُ عن الضمير الجمعي للمصريين، وتأخذ في عين الاعتبار وضع خطط وبرامج طويلة المدى، من أجل تحقيق ثقافة عقلانية ونقدية، لمحاربة ثقافة الخرافة والجهل، في مقبل الأيام.
ويذكر حجاب أنَّهُ في ميدان التحرير ولدت روح فنية جديدة، ربَّما غلب عليها العفوية على البناء والصيغة، لكن اكتشف المصريين قدرة هائلة على الإبداع الثوري، في نمط اللافتات التي شاعت في الميدان، والغناء والشعر، والموسيقى. ويقول "استنفر المصريون قدرتهم المذهلة على السخرية والمسخرة، كان في الميدان وتعتقد جلسات الزار، تستحضر الزار للتعبير عن الشخصيات الحاكمة، التي يرفضها الشعب المصري، كما انتشرت لافتة معبرة، مثل (إرحل إيدى وجعتني)، كما انتشر الشعر، لبعض الشعراء الراسخين، والشباب، ولا أحد يستطيع يقول إنه شاعر الثورة".
ويتابع حجاب "الشعر يحتاج إلى وقت غير قليل، للتعبير عن ثورة 25 يناير، خاصة أن هذا اللون الإبداعي، يحتاج لفترات زمنية من اجل ان يختمر، ويستطيع رصد هذه الثورة السلمية، التي مثلت في عمقها، حضارة الإنسان العربي المصري، المتكئة على ضخامة الحضارة العربية، بمعنى أن الإنسان العربي، إذا ما توفرت له الظروف الموضوعية، والرؤية الواضحة، يستطيع التعبير عن هويته الحضارية بأرقى الصور الإنسانية".
وعن الشعر "الحمنتشي"، يوضح سيد حجاب أنَّ ذلك اللون الشعري، انتَشَرَ في مصر أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، وارتبط بأسماء كبيرة، مثل الشاعر سيد حسين شفيق المصري، الذي كان صاحب ثقافة عربية رصينة وجادة، وروح حكيمة، واستطاعَ إبداع شعر عُرف بـ "المشحلقات" مثل المعلقات التي كانت موجودة في تراثنا العربي، ولعبت دوراً كبيراً في إثِراء المشهد الشعري العربي.
ويضيف حجاب أنَّ ذلك الشاعر استطاعَ دمج الهزل بالجد من خلال قصائده التي أبدعها، متابعاً أنَّ العديد من المجلات التي صدرت في ذاك الزمان، للتعبير عن ذلك اللون الإبداعي، مثل "البعكوك، والكشكول"، والعديد من المجلات التي واكتبه.
 وفي السياق ذاته يؤكِّدُ حجاب أنَّ المصريين كانوا على خلاف حول اللغة التي يجبُ توظيفها في الإبداع، وكان من كبار الأدباء في تلك الحقبة عبد الله النديم، وسامي الباردوي، وكلاهما كانا في الحركة الوطنية، في مواجهة الاحتلال البريطاني الذي كان جاثم على مصر في تلك الحقبة الزمنية في تاريخ مصر.
 ويتابع "أظن أن عبد الله النديم، استطاع ترسيخ فن الزجل، القائم منذ ابن حزمان، حتى زماننا هذا، كان النديم صاحب ثقافة أدبية عربية كلاسيكية، واستمر هذا الاتجاه، حتى بيرم التونسي، وحسين شفيق المصري، لكنهم يحملون روحاً إبداعية، استطاعوا مس الذائقة المصرية، وأظن أن هذا اللون من الشعر خرج من معطف بيرم التونسي والباوردي، وجاء بعدهما صلاح جاهين".
"الشعر لعب في السنوات الأخيرة، دوراً كبيراً في إيقاظ النيام، وإلقاء الحجارة في المياه الراكدة، من أجل إيقاظ الهمم"، كما يقول حجاب.
ويلفت إلى أنَّ هناك إشكالية كبرى في الثقافة العربية، مفادها أنَّ كل موجة أدبية جديدة تأتي، وتقطع علاقتها بالموجة السابقة، بمعنى خلق ثقافة القطيعة، على عكس ما حصل على سبيل المثال، في الشعر الفرنسي، عندما كتب الشاعر فينو، والشاعر أرغون، كتبا كلاسيكية، وكان إلى جوارهم العديد من الشعراء الفرنسيين الذين عبروا عن روح الحصر.
أما في العالم العربي، كما يضيف حجاب، فقد جاء الشعر الحر، لمحاربة القصيدة العامودية، والزجل الأندلسي، والشعر الحديث كله يمكن أن يعبر عن عصرنا ويثرى لغتنا، دون اصطناع القطيعة، أو الاشتباك مع الموجات الأدبية السابقة، وبهذا المعنى نستطيع التعبير عن روح حضارتنا العربية.
ويرى أنَّهُ في الفترة الأخيرة انتشرت موجة شعرية، يمكن توصيفها، بالشعر النخبوي، غير نابع من الذائقة الوطنية، إذا صح التعبير، وكان سبب انتشار تلك الموجة، كما كان يُردِّدُ أصحابها أنَّها دعوة للقطيعة مع الماضي، الذي حسب رأيهم "ماض سلبي". وقال "أعتقد أنَّ تلك القفزة عن الماضي، لم يؤدِّ إلا القفز إلى المجهول، وبالمناسبة، هذا الشعر لا يهم إلا من يكتبه".
ويتذكَّرُ حجاب أنَّ هناك تجارب شعرية شبابية، جميلة ومحترمة، تنتظر بعض الوقت، لتعبِّرَ عن نفسها، وهي في سياق إبداعها، تقومُ بتلك التجارب على استجلاء صيغ قديمة للتعبير عن رؤى جديدة. ويذهب إلى أنَّ الشعر لا يكون شعراً إذا كان خارج دائرة الحياة.
ويخلصُ إلى القول "أحلم بشعر لا يكون فيه المتلقي حجراً، ولا يتفاعل مع النص الشعري، وعلى الشعر إثارة الرغبة عند المتلقي المشاركة، وهذا ما فعلته في أغنية فيلم الأرجوز، وجربته في قصيدة، منذ زمن، وفي الأيام المقبلة سنشهد المزيد من التجارب في الأشكال الأدبية، من أجل إيقاظ ثقافة جديدة".

التعليق