"مرافئ الذاكرة": حوارات مع بهجت أبو غربية تؤرِّخ للحالة الوطنية في الأردن وفلسطين

تم نشره في الثلاثاء 2 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً
  • غلاف الكتاب-(الغد)

زياد العناني

عمان - ربَّما يجبُ أنْ تكونَ هناك مرافئ، كي تكونَ لنا ذاكرة يمكنُ أنْ تُجمَعَ بين دفتي كتاب يتحدث عن شخصية المناضل بهجت أبو غربية التي أرَّخت للحالة الوطنية في الأردن وفلسطين، إضافة للعالم العربي، وانطوت على تاريخ خاص عايَنَ القضية الفلسطينية منذ بدايات النكبة حتى الآن.
في كتابه "مرافئ الذاكرة" الصادر عن دار ينابيع للنشر والتوزيع، يُطلُّ الناقد الصحافي سليم النجار على ذكريات أبو غربية، متناولاً مكوِّناتِ شخصيَّتِه الوطنية العربية، ووقوفها الصلد في وجة الاستعمار أولا، ثمَّ الاحتلال الصهيوني ثانيا.
ويلفتُ النجار إلى أنَّ أبو غربية وضَعَ يده على مآزق، منها تأجيل الآمال وتعجيل المخاوف، بدلاً من العمل على الخروج من هذه الأزمة، ومنها تسرب الجهودِ في قنوات جانبية لا تفيد ولا تنفع.
ويتوقف النجار عند دور المثقف كما يراه هذا المناضل الذي ما انفك يؤكِّدُ أنَّ على المثقف العربي استحقاقات كثيرة، منها أن لا يزيد من مخاوفنا التاريخية وظنوننا المتراكمة وشكوكنا المزمنة، ولا يجعلها أداة تعطيل وتأجيل لأحلامنا الإنسانية المؤجلة أصلا.
وفي عموم حواراته يؤكد بهجت أبو غربية على بواعث الأمل، وعلى أنَّ الحياة تستحق منا أنْ نناضِلَ من أجلها، مهما تكاثرت المؤمرات والهزائم على أمتنا العربية.
ويقول النجار إنَّه يأخذ على العرب عدم وعيهم حقيقة أن الوطنية والقومية ترتبان عليهم، الى جانب نيل الاستقلال، إنشاء الدولة الوطنية، وإقامة الحكم الصالح، ورفع مستوى الجماهير.
ويضيف أنَّ الهدف المزدوج هو في صميمه هدف أخلاقي، حيثُ يرى بهجت أبو غربية أنَّ طريق العرب للخروج من الأزمة يمرُّ عبر تنمية القدرة الذاتية العربية، ومضمونِها الحضاري، وهو يتطلَّبُ تغيرا أساسيا وجذريا في المجتمعات العربية، على مستوى الفكر والسلوك.
 ويبيِّنُ أنَّ العرب لن ينجحوا بتقديره في تجميع أسباب التحرر والتقدم إلا بالاستناد إلى قدرتين أساسيتين مترابطتين هما: العقلانية التي ترتكز إلى الموضوعية والخضوع للنقد، والخلفية التي تقوم على مبدأ اولي هو الاهتمام بالذات. أما وسيلة الانماء العقلانية الخلقية فهي التربية الصالحة التي تتعدى المدرسة، ولا تقتصر على مرحلة محددة من مراحل الحياة.
ويشير النجار إلى وجة نظر أبو غربية في شأن الإصلاح، وكيف أنَّه أكَّد على ضرورته وأهميته في الدور الذي يؤديه الفرد، معتبرا أنَّه مفتوح لكل إنسان مؤهل، حتى لو اقتصر على إصلاح نفسه. ومن هذا المنطلق لا يعود العمل التحرري التحضري في حاجة إلى انتظار (اكتمال خطة معينة)، أو انتظار (أن يفوز بالسلطة فريق أو حزب أو قائد أعلى للقيام بالواجب).
وتلخص حوارات يهجت أبو غربية رؤيته الناقدة في عالم يتفكك داخل حروب أهلية مصطنعة، وأزمات اقتصادية خانقة، أنتجتها أو فبركتها قوى سياسية عالمية، عرفها العالم العربي منذ مطلع القرن الماضي، بأسماء مختلفة، فمن إمبراطورية بريطانيا، التي لا تغيب عنها الشمس، والتي غيبت فلسطين عن الخريطة الدولية، لحسابات سياسية دقيقة، قائمة على رافعة الاستعمار، وبالكيفية التي انتهجتها من أجل تنفيذ هذه المهمة غير الأخلاقية وغير الإنسانية، حيث جعلت الانسان الفلسطيني يدفع وبشكل مباشر (فاتورة) تطور الاستعمار وتمدده في عالمنا العربي وتحت مسميات مختلفة، إلى إمبراطورية أميركية زحفت على العالم العربي بعد أفول امبراطورية بريطانيا.
ويلفت النجار إلى أنَّ الواقع العربي المرير هو من جعَلَ بهجت أبو غربية يصرُّ على مقاومة ومحاربة كل الأوهام التي تنتشر في وعينا السياسي والثقافي، كما يصر على أن نفرق جيدا بين رؤية المتغيرات المعاصرة، والانخراط فيها بشكل أعمى.
وكذلك يفرق هو بين ضرورة معرفة المتغيرات السياسية تحديدا، وتغييب تلك المتغيرات؛ فالأولى تدفعنا إلى رؤية ذواتنا بشكل حقيقي، أما الثانية فتجعلنا هامشيين نتلقى الصدمات فحسب، وبالتالي نتعاطى معها كردة فعل.
ويشير النجار الى ما حذر منه بهجت ابو غربية في سعيه الى الوصول الى  المنهجية العلمية في المقاومة، والتأسيس لرؤية معرفية منتجة لا تقع في فخ الطوباوية، بل تظلُّ بعيدَةً عن التقليد والتطبيل والتزمير لكل ما هو قادم من الغرب.
ويرى النجار أنَّ دراسة آراء أبو غربية تسهم  في زحزحة مشاكل الإنسان العربي، وإنزاله إلى الأرض التي نعيش عليها، لا أرض الأوهام والأحلام والطوباويات المستحيلة، مبيِّناً أنَّهُ أراد تأكيد خلق توازن نفسي وعقلي وواقعي، بين وجداننا العاطفي والواقع الذي تتجلى دلالاته في حضور فلسطين على الجغرافيا السياسية.
ويقول النجار إنَّ الحوارات مع أبو غربية أثارت خطورة الاستيطان اليهودي، وعدم الاكتفاء بالتنديد به، وكيفية طرح سبل جسر الهوة الواسعة بين إمكانات المستوطنين اليهود، والوضع المزري للفلسطينيين، مبيِّناً أنَّها حذرت الحوادث من الخطأ التاريخي الذي وقعه به الحركة الوطنية الفلسطينية، حين أغفلت عوامل الضعف الذاتي/ وكذلك سبل التغلغل في النفسية الاجتماعية، والتعرف عليها، من أجل توجيهها ومساعدتها على التغيير.
ويضيف أنَّ أكثر الإشكالات التي واجهت الحوار مع أبو غربية، تكمنُ في غياب دور المتنورين الفلسطينيين الذين لعبوا دوراً كبيراً في الكشف عن أطماع الحركة الصهيونية منذ وقت مبكر جدا، معتبراً أنَّ المناضل كشَفَ عن الخلل الكبير والجوهري.

zeyad.anany@alghad.jo

التعليق