رائد الخزف الأردني يؤكد أهمية الخلفية الثقافية والمعرفية في تطوير العمل الفني

محمود طه: الفخّار أهم منتج إنساني وهو مقياس حضارات الأمم

تم نشره في الثلاثاء 2 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً
  • طه: الفخار يمثّل مقياسا حضاريا للأمم- (تصوير: أسامة الرفاعي)

غسان مفاضلة

عمان- بعين طائر يُبْصر المسافة المشدودة بين ذاكرة الطين وسرّ النار. ومن المسافة ذاتها، ظلّ يرصد "مقامات" الوطن وهي تتقاطر بين يديه، من تفاصيل التغريبة الفلسطينية منذ النكبة الأولى، وحتى آخر جملة في الدّرس الفلسطيني المفتوح على سبات الضمير وليله الطويل.
ومع جاذبية امتزاج التراب مع الماء منذ سرديات الطين الأولى، ومنذ بدأت رؤوس أصابعه تتلمّس أسرار الإعجاز في خَلْق الإنسان من "صَلْصَالٍ من حَمأ مَسْنُون"، وحتى اللحظة الراهنة، يواصل رائد الخزف في الأردن الفنان محمود طه، انحيازَهُ إلى مفرداته التعبيرية التي وقف على أسرارها وهي تختزل بثقة واقتدار، في تشكّلاتها واستشرافاتها، الطريق إلى وطن لم يفلح الاحتلال في نسخه من الذاكرة، أو نفيه من الوجدان.
أكدت تجربة الفنان المولود في يافا العام 1942، وعلى مدار نحو نصف قرن، على ترسيخ القيم الجمالية الخاصة بهوية منجزه الفني وروحيته التعبيرية.
لم يكتف طه، الحاصل على بكالوريوس الفنون الجميلة في تخصص الخزف من أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد العام 1968، والباحث دوماً عن العناصر والصياغات الفنية الجديدة، طوال مسيرته الفنية، بالوقوف عند تعزيز القيمة الجمالية التي أكدتها تجربته الإبداعية مع السيراميك، بل راح من خلالها يطلّ على تجارب جديدة  مفتوحة على التمازج الشفيف بين ماديّة التشكيل وروحيّة التعبير.
ومن تلك الإطلالات، توظيف الفنان اللافت لمفردات لغوية بعينها تستخدم عادة في الخطاب السياسي، بخاصة "الضمائر المنفصلة" ومنها (هو، هم، أنتم...)، والتي لامست عبر دلالاتها وإشاراتها، بؤس الخطاب السياسي العربي الذي لم يبارح طيلة عقود منبريته اللغوية.
 وأيضا منجزاته الفنية التي اتخذت من الطباعة الورقية مجالا تعبيريا مفتوحا على الأصالة والتجديد. وهي الطباعة التي جاءت عند الفنان "نتيجة دراسة مستفيضة رفدتها خبرتي في تصميم الشعارات والملصقات، وهي التجربة التي أحاول من خلالها إعادة الاعتبار لأسلوب الطباعة القديمة، وفقَ ما يذهب إليه الفنان في حديثه إلى "الغد".
وعدّ طه، الذي درس الخط العربي على يد الخطاط العراقي الشهير هاشم البغدادي العام 1964، أن تطوير العناصر الفنية التي منحت أعماله الخزفية خصوصيتها الجمالية والتعبيرية، "يكون نتيجة للبحث وتراكم الخبرة، إضافة إلى أهمية الخلفية الثقافية والمعرفية في تطوير العمل الفني عامة".
ويرى طه الحاصل على جائزة الدولة التقديرية العام 1990، أن الفخّار يعدّ من أقدم المنتجات في التاريخ البشري، وأهم منتج إنساني وثقافي، لافتا إلى أن الفخار يمثّل مقياسا حضاريا للأمم.
وبيّن الفنان، الحاصل أيضا على ميدالية الحسين للتفوق العام 2002، أنه كان في السبعينيات ينفّذ أعمالا ذات صبغة نفعية، "حيث كنت الجأ إليها من أجل تنفيذ اعمال جمالية وتعبيرية"، مؤكدا على ضرورة أن يمرّ الخزاف بمرحلة التشكيل على الدولاب.
تتسم الأعمال الجديدة التي يعكف الفنان على تنفيذها الآن، بالتخفّف من العناصر المميِّزة لعمله الخزفي واختزالها لصالح الملمس وطبقات السطح. وهو الاختزال الذي يلتقي في أعماله مع مفهوم المقامة في الأدب العربي، التي تعتمد بدورها على التكثيف والإيجاز.
يلتقي التخفّف والتكثيف والاختزال في أعمال الفنان، أحد مؤسسي رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، والاتحاد العام للفنانين التشكيليين العرب، مع روحيّة "المقامة" في العديد من معارضه، وهو إلتقاء رسّخه الفنان عِبر اقتصاده في توظيف مفرداته الفنية، مثل الخط العربي الذي تحرك معه على سطح العمل الفني وفي ثناياه، بوصفه مفردة بصرية دالة في محتواها وواضحة في حضورها وارتباطها مع غيرها من المفردات الأخرى، مثل قبة الصخرة والمآذن، والحضور التعبيري للإنسان، وملامس السطوح والمساحات اللونية.
ظلّت القضية الفلسطينية محور اهتمامات الفنان وانشغالاته التعبيرية منذ بداية مرحلته الثانوية، التي أنتج فيها العشرات من المجسّمات الإيضاحية  التي تتعلق بتحويل مجرى نهر الأردن إلى النقب.
واصل الفنان، عضو جمعية الخزافين البريطانيين، بعد تخرجه الجامعي في أواخر ستينيات القرن الماضي، انتاج العديد من أعمال المنحوتات الحديدية، التي جمع أجزاءها "من شظايا الصواريخ والقذائف الإسرائيلية التي كانت تلقى على التجمعات السكانية في الأردن، خاصة في مناطق الشمال والسلط والأغوار" بحسب طه، الذي راح ينتج في تلك المرحلة أعمالاً فخارية تتمحور مواضيعها حول القضية الفلسطينية والمقاومة.
بدأت أعماله في تلك المرحلة تنهل من مخزون طفولته المبكرة مع ذاكرة الطين، التي لم تفارقه لزوجة ترسباتها الناجمة عن امتزاج الماء مع التراب، والذي عايشه في دروب قريته "يازور" التي سقطت في أيدي العصابات الصهيونية العام 1948.
أخذت أواصر جديدة من العلاقة تتشكل بين الفنان ومادة الطين، منذ  تعرفه على أسراره وحميميته بشكل ابداعي منهجي في اكاديمية الفنون ببغداد العام 1963، ناسجا معها أفاقا جديدة في الفن والحياة على السواء، ليبقى الطين "جزءا فاعلا يحتل موقعا في قلب الذاكرة، سواء في دروب الوطن، او في المنافي والشتات"، بحسب تعبير الفنان.
تؤكد تجربة الفنان، الذي أقام العديد من المعارض المحلية والدولية منذ العام 1968 حتى الآن، على سعيه الدؤوب نحو الكشف عن القيم الجمالية التي يكتنزها فن الخزف.   
وبدءاً من معرضه "تواقيع على هوامش العهدة العمرية" في نهاية سبعينيات القرن الماضي، مرورا بتجربته مع قصيدة د.وليد سيف "البحث عن عبد الله البري" بعد انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وهي القصيدة التي يعتبرها بمثابة لقاح أو سماد اختلط مع الصلصال لتولد منه "مسافات للوطن والذاكرة" العام 1990، وكذلك معارضه "مسافات للوطن والذاكرة" و"مقامات الوطن والذاكرة" و"المقامة العاشرة: ورق وطين وذاكرة"، وصولاً إلى منجزاته التي يعكف عليها الآن، لم يغادر طه طيلة مسيرته الفنية، منطقة التجريب والتطوير على المفهوم الجمالي للعمل الخزفي، الذي ظلّ يتحرك معه ضمن أفق مفتوح على مصهر الجاذبية بين الطين وسرّ النار.
وحين يؤكد الفنان، الذي أوفد في بعثة فنية إلى كلية  كارديف للفنون الجميلة في ويلز- بريطانيا العام 1975،  أن التجربة الفنية "إذا لم تتقاطع فيها الحرفة مع الرؤية تبقى بلا معنى"، فإنه يدرك الجوهر  الإبداعي للفن بوصفه خبرة جمالية وتعبيرية تنصهر فيها المهارة مع الرؤية في بوتقة واحدة.
فمن تكويناته الخزفية "المفتوحة والمغلقة، النافرة والغائرة، التي تؤثث مشهدها البصري من الموروث الفلسطيني والتراث العربي والإسلامي، بمعماره وزخرفته وخطوطه، إلى مجموعات الصحون الخزفية التي نأى بها عن الوظيفة المنفعية لصالح القيم الجمالية والمتعة البصرية، وصولاً إلى التنويعات الجرافيكية المبتكرة على عجينة الورق، ظلّت رحلته الفنية تؤكد على أصالة روحيتها الإبداعية، التي ما يزال الفنان يغذيها من مصادر متنوعة ومفتوحة على آفاق التجريب والتطوير اللذين صاحبا مسيرته الفنية بمنطلقاتها البصرية وروافدها التعبيرية.

ghassan.mfadleh@alghad.jo

التعليق