مستقبل الأخبار.. (3-1)

هل يذهب الإنترنت بالصحافة إلى الأفضل، أم إلى الأسوأ؟

تم نشره في الاثنين 1 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

ترجمة وتقديم: علاء الدين أبو زينة



في الفترة بين 12 و20 تموز (يوليو)، أدارت مجلة "الإيكونوميست" استطلاعاً وحواراً على موقعها الإلكتروني، تناولت فيهما الإيجابيات والسلبيات التي جلبتها تقنية الإنترنت على صناعة الصحافة والأخبار. وأقامت المجلة استطلاعها على الفرضية التالية: "ترى هذه الدار أن الإنترنت يذهب بالصحافة إلى الأفضل، وليس إلى الأسوأ". واستفتت زوار موقعها حول هذه الفرضية.
وإلى جانب الاستطلاع، لخصت المجلة محاور ندوتها الإلكترونية كما يلي: "مثل العديد من صناعات أخرى سبقتها، تتعرض صناعة الأخبار الآن لهزة قوية بسبب الإنترنت. ومن بين أمور أخرى، تقوم التكنولوجيا بتقويض النماذج التجارية للصحافة: منظمات الأخبار التي توظف أكبر عدد من الصحافيين، وتنتج أكثر التقارير دقة وعُمقاً. وفي الوقت نفسه، يعمل الإنترنت على تمكين نماذج جديدة من الصحافة عن طريق دمقرطة وسائل النشر وأدواته، مانحاً قدراً أكبر من المشاركة للقراء، وموفراً الإمكانية لظهر أنواع جديدة من منظمات الأخبار، مثل "ويكيليكس". فهل ترجح الفوائد التي يقدمها الإنترنت لنظام الأخبار الإيكولوجي على السلبيات التي يجلبها على هذا النظام؟".
"يقول البعض إن وجود نظام أخبار يتيح المزيد من المشاركة، والمزيد من الانفتاح من جانب منظمات الأخبار، يقدم للصحافيين طرقاً جديدة وأفضل لإنجاز عملهم، ولخدمة مجتمعاتهم المحلية، ولمساءلة الذين في السلطة. ويشعر آخرون بالقلق من أن الإنترنت يقوم بتفريغ نظام الأخبار من محتواه، ويخفض التمويل اللازم لإعداد التقارير الإخبارية المتعمقة، ويشجع الصحافيين على خفض معاييرهم والتركيز على ما هو شعبي، من أجل جذب حركة مرور، بدلاً من التركيز على المهم. فما رأيكم؟".
أدار حوار الإيكونوميست توم ستانديج Tom Standage الذي طرح القضية في ملاحظات افتتاحية. وعرض موقع المجلة معه أطروحتين لاثنين من المتخصصين بهذه المسألة؛ أحدهما يرى في دخول الإنترنت على خط الصحافة إضافة إيجابية، ويبسط رؤيته لهذه الإيجابيات. وصاحب هذه الرؤية المؤيدة هو جاي روزين Jay Rosen، الكاتب والمدوّن وأستاذ الصحافة في جامعة نيويورك. وعلى الجانب الآخر، استضافت المجلة نيكولاس كار Nicholas Carr، الكاتب، والمدوّن والكاتب المقيم في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، الذي بسط رؤيته للسلبيات والأضرار التي ألحقها الإنترنت بعمل الأخبار والصحافة.
ونظراً لحيوية حوار الإيكونوميست، رأينا أن من المفيد للقراء والمعنيين والمراقبين للمشهد الصحافي في الأردن أن يطلعوا على محاور الحوار المذكور. ولذلك، قمنا بترجمة ملاحظات المتحاورين الافتتاحية، ومداخلاتهم خلال فترة الاستطلاع، ثم ملاحظاتهم الختامية، والتي ننشرها تباعاً في ثلاثة أجزاء.

الملاحظات الافتتاحية لمدير الحوار
توم ستانديج
12 تموز (يوليو) 2001

لا شك أن الإنترنت يُحدث تحوُّلاً في صناعة الأخبار، تماماً كما أعاد تشكيل العديد من الصناعات الأخرى. وكما في الحالات الأخرى، فإن للإنترنت جوانب تأثير إيجابية وسلبية على حد سواء. فهل يعمل الإنترنت، في الميزان، على تعزيز نظام الأخبار أم على إضعافه؟ هذا السؤال موضع اهتمام أكاديمي، أو موطن اهتمام ذاتي للصحافيين فحسب. ورغم أنها شكلت حادثاً بارزاً في التاريخ، شكلت صناعة الأخبار مشروعاً تجارياً إلى حد كبير، يوفر سلعاً عامة مهمّة: خدمة المجتمعات، وتسهيل إجراء المناقشات العامة، وإخضاع الذين في السلطة للمساءلة. وسوف يتوقف هذا النقاش، على ما أظن، على فعالية ومدى استدامة النماذج الجديدة من صحافة المساءلة، والتي يمكن أن يجعلها الإنترنت ممكنة.
إذا ألقينا نظرة على الإطار الأوسع، فسنجد من الواضح أن هناك الكثير للاحتفاء به في نظام الأخبار الجديد القائم على الإنترنت؛ فقد أصبح للمستهلكين خيار أوسع وأكثر تنوعاً من مصادر الأخبار من أي وقت مضى؛ ولم يعد هؤلاء مقتصرين على الخدمات الإخبارية التي تقدمها الصحف والإذاعات ومحطات التلفزة التي تعمل في مناطقهم من العالم. والآن، أصبح بإمكان الأميركيين مشاهدة قناة الجزيرة على الإنترنت، في حين يستطيع الأستراليون قراءة صحيفة "نيويورك تايمز" عليه أيضاً. وفي الوقت نفسه، عمل الإنترنت على دمقرطة الوصول إلى أدوات النشر، مما يجعل من الأسهل بكثير أن ينضم الداخلون الجدد إلى النظام الإيكولوجي للأخبار، بدءا من مواقع المداخلات إلى المنظمات الجديدة مثل "ويكيليكس"، ومؤسسة "صن لايت" وموقع "هفينغتون بوست"، التي لم يكن أي منها قائماً قبل ست سنوات. وتسمح الهواتف النقّالة الذكية للناس بنشر النصوص والصور أو مقاطع الفيديو أينما كانوا. ولا يعني هذا أن الجميع أصبحوا الآن صحافيين، لكنه يعني أن فرص قيام شخص متواجد في المكان بالتقاط شيء مهم قد أصبحت أعلى بكثير. وتوفر كل هذه التطورات سبلاً جديدة للعمل في الصحافة، ويمكنها أن تحسّن أيضاً ممارسة المهنة من خلال جعل أنشطة ممارسيها أكثر شفافية.
هذا عن الفوائد. أما على الجانب الآخر من المعادلة، فإن الإنترنت يقوم بتقويض نموذج الصحف التجاري، تلك المؤسسات الإخبارية التي توظف العدد الأكبر من الصحافيين، وتنتج التقارير الإخبارية الأكثر عمقاً على الإطلاق. وفي جميع أنحاء العالم المتقدم، في الوقت الذي يجري فيه اختزال غرف الأخبار، وحيث يجري إغلاق الصحف أو دمجها، هناك الآن قَدر أقل من الإخبار مما كان عليه الحال في العقود السابقة. ويكاد يكون قياس أثر هذه الخسارة في التقارير الإخبارية مستحيلاً؛ فبالتعريف، لا يمكنك معرفة ما إذا كانت هناك قصة لا تجري تغطيتها. كما أن الضغوط التجارية ربما تشجع الصحفيين أيضاً على التركيز على ما هو شعبي ومطلوب، وهو ما سيفضي إلى أخذ الكثير من حركة المرور إلى طريق محركات البحث والشبكات الاجتماعية بدلاً من الذهاب إلى ما هو مهم فعلاً. وفي إطار النموذج التقليدي، كانت صحافة المساءلة تتلقى الدعم والمساندة من المواضيع الأخرى الأكثر شعبية، والتي تجتذب الإعلانات، مثل مواضيع الترفيه، وتغطية السيارات أو التكنولوجيا. لكن الإنترنت يقوم بتفكيك الصحيفة التقليدية على نحو ربّما يقوّض أركان هذا النموذج جملة وتفصيلاً.
ممثلاً للنظرة المتفائلة، يسعدنا أن نرحب بالسيد جاي روزن، وهو مؤلف، ومدون وأستاذ الصحافة في جامعة نيويورك. كما أنه واحد من المحللين الذين يحظون بأكبر قدر من الاحترام لحالة وسائل الإعلام المتغيرة. ويشارك السيد روزين أيضاً في عدة مشاريع رائدة، تجرب أشكالاً جديدة من الصحافة باستخدام الإنترنت. وعلى الطرف المعارض، نرحب أيضاً بالسيد نيكولاس كار، المؤلف، المدوِّن والكاتب المقيم في جامعة كاليفورنيا، بيركلي. وهو معروف بتحليلاته المتبصّرة في أثر التكنولوجيا على قطاعات الأعمال والمجتمع. ويُعرف السيد كار بشكوكه العميقة إزاء المحتوى الذي تنتجه الجماعات التي تنظم نفسها ذاتياً على شبكة الإنترنت، مثل "ويكيبيديا"، باعتباره محتوى أقل شأنا من ذلك المنتج مهنياً.
نظراً لموضوع وسياق هذا النقاش، فإنني أتطلع بشكل خاص إلى التعليقات والمساهمات من القراء. ويمكن للأطروحات الواعية والمتساوقة أن تساعد جيداً على تبرير تفاؤل السيد روزين حول إشراك القراء بشكل وثيق أكثر في وسائل الإعلام؛ بينما يمكن لصوت أكثر صخباً وجرأة في هذه التعليقات أن يعزز حجة السيد كار. ولذلك، سوف تكون مساهماتكم في هذا النقاش أكثر أهمية وموضعاً للترحيب المعتاد، وسوف أنتظرها ببالغ الاهتمام.
الملاحظات الافتتاحية لمؤيد الاقتراح
جاي روزين
12 تموز (يوليو) 2011

أعتقد اعتقاداً قوياً أن الإنترنت يجعل الصحافة أفضل. وقبل أن أشرح السبب، دعوني أقدم بعض الأفكار.
تقدم الشبكة الإلكترونية أشياء كثيرة للصحافة في هذا الوقت، وتتغير هذه الأشياء نفسها باستمرار. وعلى الميزان، نجد أننا قد بتنا الآن في حال أفضل بكثير، لكن هناك خسائر كبيرة، بقدر ما هناك مكاسب. وقد تكون هذه ملاحظة مملة، وربما مقلقة، لكنها حقيقية.
عن طريق تفكيك الصحيفة وجعل الإعلان أرخص كلفة وأكثر كفاءة، أدى الإنترنت إلى انخفاض حاد في فرص العمل في غرف الأخبار. ومنذ العام 2001، فقدت الصحف الأميركية ربع كوادر تحريرها من الذين يعملون بدوام كامل. وفي العام 1990، كانت هذه الصحف تستخدم حوالي 57.000 صحفي؛ وفي العام 2010، أصبح العدد 42.000. ويمكن رؤية آثار ذلك في حجم تغطية أخبار عواصم الولايات الأميركية. ففي العام 2003، كانت صحف ولاية "نيو جيرسي" تستخدم 35 مراسلاً صحفياً بدوام كامل، يغطون ترينتون؛ وفي العام 2009، أصبح عدد هؤلاء 15 مراسلاً فقط. وقد حدث هذا في ولاية اشتهرت بالفساد. وبالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن الإنترنت قد جعل الأمور أكثر سوءا، يعد انخفاض معدلات التوظيف حجّة قويّة. وليست لدي أي خصومة مع هذه الحجة. إن ضعف العين المسلطة على السلطة هو أمر سيئ من دون شكّ.
بالإضافة إلى ذلك، زاد الإنترنت من معروض القمامة في الصحافة وحولها: مَزارع المحتوى، والمواد معادة التدوير (ما يعرّف باسم churnalism)*، والقصص التي تتكون من إعادة كتابة رخيصة لقصص أخرى، والقوائم، والـ"المادة، الصورة" "charticles 2"** التي ليس لها أي غرض سوى ملء الصفحات. ويعني وجود عدد أقل من العاملين -إلى جانب سهولة الإنتاج، ظهور المزيد من سقط المتاع الذي يناضل للحصول على حصة من عقل الجمهور. وسوف يكون أي تقييم يتجاهل هذا الواقع ناقصاً.
ومع ذلك، أقول إن الإنترنت يقوم بتحسين الصحافة. كيف؟
1. عن طريق الدفع باتجاه حصول الناس عليها بكلفة تقارب الصفر، وبالحد بشكل كبير من متطلبات رأس المال لنوعية الإنتاج، وهو ما فتح السوق لمزيد من اللاعبين، وسمح باختبار المزيد من الأفكار. ورغم أن إدامة أي عمل تظل مسألة شاقةً، فإن الشروع في إنشاء أي عمل لم يكن أبداً مهمّة أسهل. ثمة حياة جديدة تتدفق من خلال هذه الكوّة.
2. عن طريق فك الارتباط بين موقع الإنتاج ومكان المستخدم، وبالتالي جعل قدر أكبر بكثير من المنتج متاحاً وفي متناول اليد. فعلى شبكة الإنترنت، تشكل كل صفحة مجرد رابط منفصل عن كل صفحة أخرى. وبالتالي تعمل فكرة "افعل ما تفعله أفضل ما يكون، وأرسله للبقية"، وهي قاعدة جديدة لتفادي الازدواجية، والتي تضيف القيمة وتخدم المستخدِم النهائي جيداً. لقد فقدت صحافة الحُزمة منطقها، ونحن نسير باتجاه تقسيم أكثر تعقلاً للعمل. وهذا أمر جيد.
3. عن طريق تزويد كلّ ممارس للصحافة بأدوات جديدة وقوية. فسواء عن طريق ميزة البحث، أو قواعد البيانات المتوفرة على شبكة الإنترنت، أو سهولة صنع الرسوم البيانية، وتحرير ونشر مقطع صوتي، أو تسجيل مقابلة خاصة مع مصدر على الجانب الآخر من العالم بواسطة "سكايب"، أصبح بإمكان الصحفيين القيام ببساطة بما يزيد كثيراً عما كان يمكنهم القيام به قبل عصر الإنترنت. وهم يصبحون، بهذا المعنى، أكثر غنى بكثير، وهو صحيح أيضاً في حالة المشغّل الواحد، فضلاً عن غرف الأخبار المشتركة.
4. عن طريق تغيير ميزان القوى بين المستخدمين والصحفيين؛ حيث يقوم الإنترنت باستبدال نظام كان فيه عدد قليل من حراس البوابات الذين تستخدمهم صناعة قوامها المنظمات إلى حد كبير، والذين ينزعون إلى احتكار كل قوى الصحافة ونفوذها تقريباً. وفي ذلك النظام، كانت "وظيفة" الجمهور هي البقاء في مقاعدهم، محايدين وخاملين، بينما يقوم الصحفي المهني بنقل الأخبار، والترفيه، والسياسة، والرياضة، والفهم، والنقاش: أي وضع الحياة العامة كلها في حزمة واحدة. أما الآن، فأصبح الناس الذين كانوا يُعرفون سابقاً باسم الجمهور، يحصلون على مزيد من القوة: ليس المزيد من الخيارات في انتقاء الأخبار والتعليقات فحسب، وإنما أيضاً امتلاك خيار التحدث والردّ، واعتمادهم على بعضهم بعضا ليعملوا كمصفيّات للتحرير، واستشارة المصادر الأصلية، وخيار نشر ما يعرفونه وقول ما يفكرون فيه. وهو شكل أكثر صحّة للعلاقة. وهو لا يعني أن "كل شخص هو صحفي". وإنما يعني، بدلاً من ذلك، أنه بات على اللاعبين رفع رهاناتهم.
5. عن طريق السماح للمصادر بأن تصل إلى الناس وتتواصل معهم مباشرة. ففي النظام القديم، كان يترتب على أي شخص لديه معرفة غنية بموضوع أو معرفة حميمة بحدَث، أن يمرّ عبر بوابات الصحافة للوصول إلى الجمهور -عادة من خلال كتابة مقال رأي أو إجراء مقابلات معه. وما تزال هذه الأمور تحدث، وهي ما تزال مهمة وتُحدث فرقاً. ما يزال لدينا حراس بوابات، وما يزالون يمتلكون السلطة، لكن أصبحت للمصادر خيارات أخرى، حيث يمكن أن تعبر مباشرة إلى الناس. ويمكن للمطلعين في الصناعة المالية، والمحبطين مما يحدث، إنشاء مواقعهم الخاصة التي تجعل معارفهم عامة ومتاحة. وبدلاً من انتظار مكالمة من أحد الصحفيين، أصبح بوسع المتخصصين نشر انتقاداتهم في المجالات التي يعرفونها جيداً.
6. عن طريق خفض الكلفة على الأشخاص الذين يتقاسمون الاهتمام نفسه أو الافتتان بالعثور على بعضهم بعضا، مما يعني أن تلبية الطلب المتزايد على المواضيع المتخصصة قد أصبح أسهل بكثير. وقد أفضى هذا بدوره إلى حدوث طفرة في الصحافة المتخصصة، كما هو الحال مع تغطية التكنولوجيا.
7. عن طريق إنهاء عزل الصحفيين المحترفين عن قطاع الأعمال الذي يديم مهنتهم. فعندما تعمل لحساب شركة قادرة على تحقيق أرباح بنسبة 20 % سنوياً من خلال فعل ما كانت قد فعلته في السنة السابقة، فإنك تصبح معتمداً على معاملات وتحويلات اقتصادية لست في حاجة إلى فهمها. إنك لا تجلس إلى الطاولة عندما يتم اتخاذ القرارات الرئيسية -أو عدم اتخاذها. إنك تكون، بمعنى ما، تحت وصاية الدولة: الدولة الاحتكارية التي هي قطاع أعمال الإعلام. وعادة ما يكون الصحفيون أقوى وأكثر ذكاء عندما يكونون مشاركين في النضال من أجل إدامة أنفسهم.
8. من خلال حث الحكومات على أن تكون أكثر انفتاحاً وشفافية، وخصوصاً في بياناتها. وهناك طريق طويلة ينبغي أن نقطعها قبل أن تصبح لدينا حكومة منفتحة حقاً، لكن التيار يذهب في الاتجاه الصحيح. كما أن صحافة البيانات الصحفية تشكل فرصة هائلة.
9. من خلال تمكين الجيل القادم من الصحفيين، أولئك الذين في العشرينيات من أعمارهم، والذين يستطيعون تقديم مساهمات أكبر في وقت أبكر من حياتهم المهنية، لأنهم يفهمون الأدوات الجديدة بشكل أفضل، ويتواصلون مع المستخدمين بشكل أكثر طبيعية. وبالنسبة لجميع الصحفيين، هناك اليوم مجال أكبر للتجربة، والابتكار واللعب.
10. ببساطة، عن طريق منح عدد أكبر من الناس المزيد من الدور والحصة في ذلك كله. إن الصحافة ليست مثل جراحة الدماغ أو تطيير طائرة 747، والتي لا تتحسن من خلال وجود مزيد من الأيدي في حجرة القيادة. ولذلك يكتسب عمل الصحافة جمهوراً أكثر مشاركة عند نهايته المستقبلة. هذا هو ما أعتقده. وإذا كان "نك كار" يفكر بطريقة مختلفة، فإنني أحب أن أعرف لماذا.
الملاحظات الافتتاحية لمعارض الاقتراح
نيكولاس كار
12 تموز (يوليو) 2011

الصحافة والإنترنت مسألتان جدليتان. وعندما تجمع بين الاثنين، فإنك تحصل على الكثير من الآراء. لكن هناك وقائع في الوقت نفسه. وما تبينه الوقائع هو أن طفرة الإنترنت ألحقت أضراراً كبيرة بمهنة الصحافة.
وفقاً لمراجعة أجرتها في العام 2010 "خدمة أبحاث الكونغرس" في الولايات المتحدة، انخفض التوظيف في غرف أخبار الصحف الأميركية بنسبة بلغت أكثر من 25 % بين العامين 2001 و2009، واستمر تسريح الصحفيين على نطاق واسع خلال العام 2010. وخلصت دراسة أجريت في العام 2009 بتكليف من نشرة "كولومبيا جورناليزم ريفيو" إلى أن الوظائف التحريرية في الصحف انخفضت من أكثر من 60.000 في العام 1992 إلى حوالي 40.000 وظيفة في العام 2009. كما توقفت عن الصدور عشرات الصحف، من الصغيرة والكبيرة على حد سواء؛ وعمدت الكثير غيرها إلى تقليص نطاق تقاريرها وتغطياتها الإخبارية. وتظهر الصورة قاتمة بالمقدار نفسه في بريطانيا، حيث هبط عدد الصحفيين العاملين بنسبة تتراوح بين 27 % و33 % على مدى العقد الماضي، وفقاً لتحليل أجرته كلية الصحافة والإعلام والاتصالات في جامعة لانكشير الوسطى.
وكان التراجع في وظائف الصحافة حاداً بشكل خاص على المستوى المحلي، حيث كان الصحافيون نادرين أساساً. ويوثق تقرير من 400 صفحة، صدر الشهر الماضي (حزيران/يونيو) عن لجنة الاتصالات الاتحادية (FCC) تداعيات ما حدث بتفصيل مؤلم. فقد انخفض عدد الصحفيين الذين يغطون حكومات الولايات المحلية في أميركا بمقدار الثلث منذ العام 2003، وأوقفت أكثر من 50 منظمة إخبارية تغطية أخبار مجالس الولايات جملة وتفصيلاً. وكان الخفض في تغطية أخبار مجالس المدن أكثر عمقاً، كما كانت هناك انخفاضات ملحوظة وكبيرة في عدد الصحفيين المخصصين لتغطية المواضيع القضائية، والتعليمية، والبيئية وقطاع الأعمال، فضلاً عن العاملين في التحقيقات الاستقصائية. وخلص تقرير لجنة الاتصالات الاتحادية إلى أنه "في العديد من المجتمعات، أصبحنا نواجه الآن نقصاً في تقارير المساءلة المحلية المهنية المحترفة. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى ظهور أنواع من المشاكل التي ترتبط، بشكل غير مستغرب، بعدم وجود قدر كاف من المساءلة -مزيد من الهدر الحكومي، ومزيد من الفساد المحلي، ومدارس أقل فعالية، وغيرها من المشاكل المجتمعية الخطيرة".
ولا يقتصر الضرر على الصحف. فقد عمدت مجلات الأخبار، ومحطات الإذاعة والتلفزة التجارية المحلية أيضاً إلى خفض كوادر جمع الأخبار لديها منذ الثمانينيات، في بعض الحالات بنسبة 50  % أو أكثر. وخلاصة القول هي أن هناك عدداً أقل بكثير من الصحفيين الذين يعملون الآن مما كان عليه الحال عندما تم تشغيل الشبكة العالمية أول الأمر. ولا يعمل تقليص مؤسسات الأخبار على الحد من التغطية فحسب، بل يقلل أيضا من جودة المادة، حين يصبح الصحفيون المتبقون متمددين بغير كثافة، بينما يكونون مطالبين بالوفاء بالمواعيد النهائية التي لا هوادة فيها للنشر الإلكتروني. ووفقاً لمسح أجراه في العام 2010 مشروع تميز الصحافة في مركز بيو للأبحاث، يعتقد 65  % من محرري الأخبار بأن الإنترنت أدى إلى "تمييع المعايير" في الصحافة، مع انخفاض في الدقة وتمحيص الحقيقة، وزيادات في التقارير غير المنسوبة إلى مصادر.
لا يمكن وضع اللوم في هذه المشاكل كلها على شبكة الإنترنت، بطبيعة الحال. فمثل غيرها من الصناعات، عانت الصحافة كثيراً من الركود الأخير، كما لعب سوء الإدارة دوراً أيضاً في معاناة مؤسسات الأخبار. لكن تحوُّل القراء والمعلنين عن وسائل الإعلام المطبوعة إلى وسائل الإعلام على الإنترنت هو الذي كان القوة الرئيسة في إعادة تشكيل اقتصاد صناعة الأخبار. وقد نجمت الخسائر الهائلة في إيرادات الإعلام المطبوع، والناجمة عن الانخفاض الحاد في الإعلانات، وعدد الاشتراكات، ومبيعات منصات الصحف، عن تقزيم مكاسب الإيرادات على الإنترنت. وكما يفسر تقرير لجنة الاتصالات الفدرالية، فقد "تم استبدال كل دولار في الطباعة بأربعة بنسات في الإعلام الرقمي".
إذا كنا لنتفق على أن شبكة الإنترنت، عن طريق تغييرها تركيبة الاقتصاد الكامن وراء صناعة الأخبار، قد أوهنت صفوف الصحفيين المحترفين، فإن السؤال التالي سيكون بسيطاً، صريحاً ومباشراً: هل خلق الإنترنت طرقاً ومزاجات أخرى للإخبار لملء هذه الفجوة؟ الجواب، للأسف، وبالوضوح والمباشرة نفسهما: كلا.
بكل تأكيد، جعل الإنترنت من الأسهل على المواطنين العاديين الانخراط في مجال الصحافة بكل أنواع الطرق. وتسمح المواقع وأدوات النشر والتعليق الأخرى على شبكة الإنترنت للناس بتقاسم آرائهم مع جمهور واسع. وتعمل الشبكات الاجتماعية، مثل تويتر وفيسبوك، على تمكين الناس من توصيل الأخبار العاجلة، وتقديم روايات شهود العيان، وتعميم الروابط الإلكترونية الخاصة بالقصص الإخبارية. وقد أثبتت جماعات من المتطوعين عبر الإنترنت قدرتها على الحفر واستخراج شذرات إخبارية مهمة من بين الأكوام الكبيرة من البيانات الخام، سواء كانت المطالبات بكشف نفقات السياسيين البريطانيين، أو رسائل البريد الإلكتروني الخاص لسارة بيلين.
يمكن أن تكون مثل هذه القدرات قيّمة جدّاً، لكن من المهم أن ندرك أنها تستكمل الإخبار الصارم، العنيد والعميق؛ وإنما لا تحلّ محلّه. وبينما بُذلت محاولات عديدة نبيلة لخلق أنواع جديدة من المنظمات المعتمدة على تجميع الأخبار اعتماداً على الإنترنت -بعضها بموظفين يتلقون أجراً، وأخرى تعتمد على متطوعين؛ بعضها تسعى للربح، وأخرى غير ربحية- ظلت نجاحات هذه المنظمات متواضعة حتى الآن، وعادة ما يكون وجودها عابراً. كما أنها لم تستطع الوصول إلى أي مكان قريب من سد الفجوة التي خلفتها الخسارة واسعة النطاق في الصحف والصحفيين. وكما قال مركز "بيو" في تقريره المعنون "حالة الإعلام الإخباري" في العام 2010، فإن "حجم هذه الجهود الجديدة ما يزال يرقى إلى جزء صغير جداً فحسب مما فقدناه".
قد يكون المستقبل أكثر إشراقاً. وربما تعثر مؤسسات الأخبار المهنية المُحترفة على سبل لكسب المزيد من المال بواسطة الإنترنت، وربما تشرع في التوظيف مرة أخرى. وربما تشرع مبادرات صحافة المواطن بالازدهار على نطاق واسع. وقد تعمل الابتكارات في مجال التواصل الاجتماعي على فتح طرق جديدة تماماً لنقل وتحرير الأخبار. لكن هذا كله يبقى في هذه اللحظة في باب التمني. أما ما هو واضح، حتى الآن، فهو أن الإنترنت ألحق ضرراً بالصحافة أكثر مما أفادها.
هوامش
(1) *هي شكل من الصحافة، التي تستخدم البيانات الصحفية، وقصص الأخبار المبرقة، وبقية المواد المعدة سلفاً، في صناعة مواد في الصحف والوسائط الإعلامية الأخرى، من أجل مواجهة الضغوط المتزايدة في الوقت والكلفة، ومن دون إجراء أي فحص أو تدقيق إضافيين.
(2) **هي مزيج من النص، والصور والرسومات التي تحتل مكان مادة كاملة. وعلى عكس المادة الإخبارية التقليدية التي تتكون عادة من مساحات كبيرة من النص، مع صور أو رسومات مساندة لتحسين المشهد البصري للمادة، أو لتقديم بعض المعلومات التوضيحية، فإن هذه المادة تتكون أساساً من صورة، في حين يجري استخدام النص بشكل عرَضي، فقط لتقديم معلومات إضافية.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق