العرب احتجوا ضد احتضار "العالم العربي"

تم نشره في الجمعة 29 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 29 تموز / يوليو 2011. 03:31 صباحاً
  • ملصق ظهر في نشاط لطلبة جامعة القاهرة خلال أحداث الربيع العربي - (أرشيفة)

حسين آغا وروبرت مالي * - (لوموند) 20/2/2011

ترجمة: مدني قصري

الجماهير الغفيرة التي سرعت رحيل الرئيس مبارك لم تشترط فقط نهاية نظام جائر وفاسد وقمعي وسلطوي واستبدادي، وهي لم تكن تحتج فقط ضد ألوان الحرمان والجوع والبطالة، ولا حتى الازدراء الذي كانت نخب النظام تعاملها به؛ فهذه الجماهير كانت تعاني من مثل هذه الإهانات منذ وقت طويل، وهي محرومة من الكلام والغذاء. إن ما انتفضت من أجله مختلف، وأكثر تجريدا، وأكثر عمقا.
كان العالم العربي قد لفظ أنفاسه، وقد سعى المتظاهرون في القاهرة إلى بعثه من جديد.
في خلال الفترة التي أعقبت نهاية الخمسينيات، كان العرب قادرين على الأقل على أن يحسوا بالكرامة بسبب كفاحهم ضد الاستعمار، وأن يتباهوا بما حققه قادتهم من عظمة وامتياز. وكانوا فخورين جداً، لأنهم كانوا يعلمون أن للعالم العربي معنى ورسالة: بناء دول مستقلة تقاوم الهيمنة الأجنبية.
وفي ظل قيادة الزعيم جمال عبد الناصر، شهدت مصر اقتصادا خرِبا متلفا، وفي العام 1967 تعرضت لهزيمة نكراء أمام إسرائيل. وقد ظلت القاهرة دائماً قلب العالم العربي، وكان الجمهور العربي يستمتع بالاستماع إلى ناصر وهو يسخر من الغرب؛ ويهلل له وهو يؤمم قناة السويس ويغيظ إسرائيل. وفي الفترة نفسها استعادت الجزائر استقلالها، وصارت ملجأ للثوار في العالم أجمع. وفرضت العربية السعودية حصاراً نفطياً هز الاقتصاد العالمي. وكان ياسر عرفات يوفر للفلسطينيين صوتاً يوصل قضيتهم إلى الساحة الدولية. ومع أن العالم العربي في تلك الفترات كان يتعرض لهزات سياسية وعسكرية مخجلة، إلا أنه كان يصمد ويقاوم. لكن الغرب لم يكن يقدر دلالة الأصوات القادمة من القاهرة، ومن بغداد وطرابلس، ولم تكن تلك الأصوات تلقى عنده آذانا صاغية.
لقد عاش هذا العالم كثيراً، لكن السياسة العربية صارت خرساء. ولم يعد في هذه السياسة شيء سوى انتظار ما سيفعله العالم الخارجي، لذلك لم تكن للأنظمة العربية أي استراتيجية واضحة وفاعلة إزاء المشاكل التي كان ينبغي أن تكون حيوية بالنسبة لمستقبلها السياسي. وفي أفضل الحالات، استسلمت معظم هذه الأنظمة لغزو العراق. وفي أسوأ الحالات، قدمت كل التسهيلات لهذا الغزو. ومنذ الحرب على العراق، أصبح تأثير العالم العربي على مستقبل هذه الأمة المهمة أمرا بلا معنى. وظلت مساهمته الوحيدة في القضية الفلسطينية، هي مساندته لعملية السلام التي لم يكن يؤمن بها أصلا.
عندما دخلت إسرائيل الحرب ضد حزب الله في العام 2006، وضد حماس بعد مرور عامين، كان معظم القادة العرب يشجعون الدولة اليهودية في السر، ويراهنون فوق ذلك على انتصارها. أما موقفهم إزاء إيران فهو موقف ملتبس يستعصي على الفهم. فقد فوضوا قرار مصيرهم مع إيران إلى الولايات المتحدة الأميركية، محرضين إياها على اتخاذ موقف عدواني إزاءها، مع تحذيرها في الوقت نفسه من العواقب الخطيرة لمثل هذه المقاربة. ناهيك عن أن الدول العربية الكبرى التي تشكل ركيزة العالم العربي ظلت منتهكة، ولا تشغلها أي قضية غير قضية مقاومة انحدارها الخاص. وفيما يتعلق بمصر التي وصل تأثيرها إلى أوجه على مدى عقود طويلة، جاء سقوطها أقسى مما كان متوقعا. فقبل مشاهد ميدان التحرير بكثير، كان النظام المصري قد تنازل عن كل ادعاء بزعامته للعرب. وكانت مصر غائبة في العراق، وتتمثل سياستها إزاء إيران بموجات غامضة من الاتهامات والشتائم ليس إلا. ولم تفرض رؤيتها في سورية، ومنيت سياستها في لبنان بالفشل الذريع، ناهيك عن أنها لم تمثل أي ثقل حقيقي في عملية السلام الإسرائيلية العربية، ولم تتمكن في عهد مبارك من إعادة توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية، وهي اليوم متهمة بالتواطؤ في حصار غزة.
وفي غياب الدول المهمة الأخرى، صار العالم العربي مستسلما. وإن أبدى قدرا من الفاعلية، فهو ضعيف في النهاية. وبعد أن كان في الماضي بطلا لقضايا مصيرية -الوحدة العربية، مقاومة إسرائيل- صار فيما بعد لا يجرؤ على خوض نضال من أجل أي شيء. ولا شك بأن الشعوب العربية كانت تشعر بالفخر في الأيام القديمة أكثر مما تشعر به اليوم أمام الاستسلام.
هذه الشعوب، كانت لا تتهم فقط قرارات قادتها، بل تدين أيضا الكيفية التي كان هؤلاء القادة يتخذون بها هذه القرارات. وفي حين كانت الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا تقدمان الشكر والتحية للاعتدال والتعاون العربيين، كان الرأي العام العربي الشعبي لا يرى في ذلك سوى فقداناً للكرامة والاستقلال. وعند الاستقلال، تلقت الأنظمة الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي الغربي. وكانت لهذه العلاقات الحميمية آثار مخربة على الشعوب العربية. وهكذا، باتت الدول العربية تتألم، وتعاني من شر أسوأ من الفقر والاستبداد، وكانت هذه العلاقات مزورة، ويراها المواطنون زائفة.
لا يمكن فهم الثورات المصرية والتونسية وغيرها من دون الأخذ بالاعتبار ذلك الإحساس القوي بفقدان الذات، وفقدان الهوية، والإحساس بالاضطرار إلى قبول سياسات متناقضة مع الذات الحقيقية. وبهذا المعنى، لم يعد التظاهر في الشارع مجرد حركة احتجاج، بل إعلاناً عن المطالبة بحق تقرير المصير.
إن الذين لا يجدون اليوم ما يدفعهم إلى الإيمان بدولهم، لا يجدون بدا من البحث عن حلول في مكان آخر. بعضهم باتت تستقطبه حركات مثل حماس، وحزب الله، أو الإخوان المسلمين الذين يقاومون النظام المهيمن، فيما ينظر البعض الآخر باتجاه دول غير عربية، مثل تركيا التي استطاعت حكومتها الإسلامية أن تفعّل دبلوماسية ديناميكية ومستقلة، أو ينظرون في اتجاه إيران التي لا تهتم كثيراً بالأوامر والتهديدات الغربية.
والحال أن انهيار النظام العربي بات يشيع الاضطراب في علاقات القوى. وأصبحت السلطات التقليدية تتعرض للاهتزاز بسبب قوى أخرى، تطفو اليوم على السطح، مثل دولة قطر، حيث تحولت قناة الجزيرة إلى فاعل سياسي كامل، لأنها صارت تعكس بأمانة أكبر من غيرها الضمير الشعبي العربي. وقد صارت الجزيرة "ناصر الجديد". أجل، أصبح زعيم العالم العربي اليوم محطة فضائية!
ولا شك أن الانتفاضات الشعبية الجارية تمثل مرحلة أخرى في هذه العلمية. وقد ساعدت على ظهورها الثقة الكبيرة في القدرة على مواجهة الحكومات القائمة. إنه الشعور المنبثق، جزئيا، عن خيبات الأمل الأميركية في العراق وأفغانستان، وكذلك عن مقاومة حماس وحزب الله الفاشلة أمام إسرائيل.
وبالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، عرّت هذه الثورات النهج الذي سار عليه القادة العرب الذين يحبذون تقليد التصرفات والرؤى الغربية. فهؤلاء القادة فقدوا مصداقيتهم من دون أن يستفيد الغرب من ذلك. وكلما زادت مساعدة الغرب لمبارك، كانت مصر تفقد أكثر وأكثر. وقد أصبح القادة الإقليميون يتلقون اليوم هذا التحذير: إن العلاقات القوية مع واشنطن، أو أوروبا، وأي اتفاق سلام مع إسرائيل، لن تجدي نفعا كبيرا عندما تدق ساعة الحقيقة!
أما ضخ المساعدات الاقتصادية المكثف الرامي إلى تحقيق استقرار الأنظمة العربية المترنحة، فهو لا يملك حظوظا كثيرة في النجاح. فاللوم ليس لوما ماديا فقط، وأهم الانتقادات تنصب على تبعية القادة المفرطة للخارج. كما أن النداءات التي يوجهها هؤلاء القادة من أجل الإصلاح لن تنجح أيضا. فالداعية الذي ظل يدعم ويكرس الوضع القائم على مدى عقود من الزمن لن يكون سوى داعية ضعيف في عملية التغيير. وأكثر من ذلك، أن الرأي العام العربي لا يناضل اليوم من أجل إحداث تغيرات في الشكل، وإنما من أجل إجراء تغيرات في الجوهر والمضمون. وممارسة الضغط على الأنظمة العربية من قبل الغرب لن تنتج سوى عكس الأثر المرجو، إذ تتيح للقادة العرب اتهام المتظاهرين بالانسياق وراء لعبة الأجنبي، والاستفادة من رد فعل وطني.
وفي أوروبا، مثلما هو الشأن في الولايات المتحدة الأميركية، من المعتاد الاعتقاد بأن إطلاق عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية يمكن أن يرضي الرأي العام. وهذا وهْم وهروب من الحقيقة أيضا. فالرأي العام العربي لم يعد يؤمن بجهود السلام الجارية، بل ويعدها تعبيرا عن أجندة أجنبية. وبالإضافة إلى ذلك، لا شيء يقول إن اتفاق سلام مقبولا من الغرب ومن القادة العرب سيكون بالضرورة مقبولا أيضا من العرب أنفسهم. فبالنظر إلى الشكوك التي تلف واشطن، وإلى سوء السمعة التي يعاني منها الزعماء العرب، فإن مثل هذا الاتفاق يظل معرضا لأن يُنظر إليه كمجرد اتفاق ظالم وغير عادل.
في هذه المرحلة الانتقالية التي لم تكتمل بعدُ بين العالم العربي القديم والجديد، لسنا نعرف إلا الشيء القليل. أما ما يمكن أن نكون على يقين منه، فهو أن هذه المرحلة الجديدة ستطلق العنان لرغبة قوية في الاستقلال والكرامة الوطنية؛ وسوف تضطر الحكومات لأن تعيد ابتكار نفسها من جديد؛ وسوف تشترط شعوبها أن تكون أكثر تشابها بتركيا اليوم وليس بمصر الأمس. فعلى مدى عقود من الزمن، ظل العالم العربي فاقدا لكل شعور بالسيادة، والحرية والشرف. وقد أفرغه قادته من كل شعور بالمسؤولية. والحال أن هذا العصر قد ولى ولن يعود. واليوم تدق بالتأكيد، ساعة انتقام السياسة!
*  عضو بارز في كلية سانت أنطوني بجامعة أوكسفورد. وروبرت مالي مدير برنامج الشرق الأوسط التابع لمجموعة الأزمات الدولية (انترناشيونال).
صدر هذا المقال تحت عنوان: La fin du monde arabe

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وجهة نظر (حسان)

    السبت 30 تموز / يوليو 2011.
    المقال في جزيئية ان العالم العربي يحتضر فيها وجهة نظر وهذا يعلمه الجميع ,,اما الثورات التي انطلقت في مصر وتونس في ليست لانقاذ واعدادة احياء العالم العربي بقدر انها لربما انتفاضة لكرامة المواطن المصري والتونسي .
  • »العرب احتجوا ضد احتضار (hussain)

    الجمعة 29 تموز / يوليو 2011.
    العرب احتجوا ضد احتضار "العالم العربي لم يحن بعد مهما حصل القضيه محتاجه وقت