الولايات المتحدة ومفاوضات التجارة

تم نشره في الثلاثاء 26 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

جاغديش باغواتي*

نيويورك- لقد بات من الواضح الآن أن الولايات المتحدة هي الجاني الرئيسي في جريمة منع المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف التي بدأت قبل عشرة أعوام والمعروفة باسم جولة الدوحة من الاكتمال هذا العام. حتى أن الولايات المتحدة تعاملت بكل ازدراء وغطرسة مع المحاولة اليائسة التي بذلها باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة العالمية لحمل الدول الأعضاء على دعم اتفاق هزيل للغاية ـ الذي وصفه النقاد باتفاق الدوحة المنزوع الكافيين ـ والذي يقتصر في الأساس على بعض التنازلات المقدمة للدول الأقل تقدما.
ورغم وجود ممثلين ثانويين يمكنهم لعب دور الشرير، فإن السفير الأميركي إلى منظمة التجارة العالمية، مايكل بونكي، تخصص في دور الرجل الرافض للتجارة العالمية. ولكن المشكلة ليست في بونكي. إن الموقف الرافض في أميركا ينبع من قمة الحكومة الأميركية، بداية بافتقار الرئيس باراك أوباما للزعامة.
فمنذ تولى منصب الرئاسة، كانت الحجج التي ساقها أوباما في الدفاع عن نظام التجارة الحرة غير كافية. والواقع أن أوباما أكد في أكثر من مناسبة أن الصادرات مفيدة بالنسبة للولايات المتحدة: فهي تعمل على خلق فرص العمل. ولكن صادرات الولايات المتحدة تعني واردات بالنسبة لدول أخرى، وعلى هذا فإن حجة أوباما كانت بمثابة مطالبة آخرين بخسارة وظائفهم. ويتعين عليه أن يُذَكِّر الأميركيين بأن الواردات أيضاً مفيدة: فبوسعه بكل تأكيد أن يطلب من جمهوره أن يفكروا في الالتحاق بوظائف في طائرات شحن شركة يو بي إس، وقطارات الشحن، والشاحنات التي تحمل الواردات إلى الداخل الأميركي.
بيد أن المشكلة الرئيسية هي أن أوباما كان عاجزاً عن مواجهة عداء النقابات العمالية الأميركية للتجارة، والذي تحركه مخاوف عديدة، والتعامل معه بنجاح. كما كان عاجزاً عن مواجهة جماعات الضغط التجارية الراغبة في احتجاز جولة الدوحة رهينة من أجل انتزاع المزيد من التنازلات من دول أخرى، رغم علمها بأن محادثات التجارة باتت على وشك السقوط في مثلث برمودا المتمثل في الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2012.
ورغم ذلك فإن الحجج التي تسوقها المعارضة من جانب النقابات المذعورة وجماعات الضغط التجارية الجشعة ليست بالقوة التي قد يعجز أوباما معها عن تفنيدها بالحجج الدامغة. فضلاً عن ذلك، وكما أثبت محللة الاقتراع المحترمة كارلين بومان مؤخرا، فإن الرأي العام الأميركي لا يعارض التجارة بشدة على الإطلاق. ويرجع هذا جزئياً إلى حقيقة مفادها أن العديد من الوظائف اليوم، في كل الولايات الأميركية تقريبا ـ وليس فقط في شركة يو بي إس ـ تعتمد على التجارة. والواقع أن النزوع إلى الحماية قد لا يكون أكثر من ديناصور انتخابي منقرض.
وفي كل الأحوال فإن رجالات الدولة العظماء في التاريخ كانوا يستمدون مكانتهم دوماً من التخلي عن الخلافات السياسية كمسألة مبدأ. وإذا قلل أوباما من كتاباته وأكثر من قراءاته فسوف يجد حالتين على الأقل في التاريخ لزعماء شجعان في مجال التجارة ممن يستحقون إعجابه بهم ومحاولة تقليدهم.
الحالة الأولى كانت إلغاء قوانين الذرة في إنجلترا على يد رئيس الوزراء روبرت بيل في العام 1848. وفي التصويت الحاسم على إلغاء تلك القوانين، والذي كان بمثابة النهاية لحياته السياسية، لم يحل بيل على أكثر من 106 أصوات من حزبه المحافظ، في حين عارضه 222 من نواب حزب المحافظين. ولقد نجح في تمرير الإلغاء ولكنه خسر دعم حزبه له. وكما أخبرنا اللورد آشلي في مذكراته فإن "بيل كان زعيماً للمحافظين وتابعاً لليمينيين".
أما الحالة الثانية فكان بطلها ونستون تشرشل، الذي انتخب عضواً محافظاً في البرلمان عن بلدة أولدهام الصناعية الشمالية. وبعد التحول إلى التجارة الحرة في العام 1904، كان عليه أن يترك الحزب. ثم انضم بعد ذلك إلى الحزب الليبرالي، فتقبل الدعوة من رابطة شمال غرب مانشستر الليبرالية.
وكان تشرشل أيضاً مؤيداً للهجرة الحرة، وكان معارضاً بشدة لمشروع قانون الأجانب في العام 1904 (ويرجع ذلك جزئياً إلى ما لاحظه من آثار معاداة السامية في المخاوف التي أثارها تدفق المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية من "غزو أجنبي"). والواقع أن تشرشل كان رجل سياسة ذا مبادئ، ولقد حارب مثل بيل ضد حزبه، ولكنه على النقيض من بيل خرج من حربه تلك سالماً لكي يحرز نصراً سياسياً أعظم في المعركة الملحمية ضد النازيين.
إن "صور الشجاعة" هذه لابد وأن تلهم أوباما في وقت حيث تحولت الزعامة الرئاسية إلى حاجة ملحة في واشنطن فيما يتصل بقضايا اقتصادية بالغة الأهمية. كان شعار أوباما في حملته الرئاسية هو "أجل نستطيع"، وليس "أجل نستطيع، ولكن لن نفعل". وبينما يشهد الهجوم الذي يشنه الجهل الاقتصادي على الاقتصاد الأميركي، فأنا أرشح له شعاراً جديداً أفضل: "اللعنة على المصاعب".

*أستاذ الاقتصاد والقانون في جامعة كولومبيا.
خاص بـ" الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق