اليوم الأول لـ"جرش": المدينة تستقبل عتاب أحبتها بما في قلوبهم من زهور لها

تم نشره في الجمعة 22 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً
  • المسرح الجنوبي تمتلئ مدرجاته بالحضور في أولى حفلات الدورة السادسة والعشرين - (تصوير: محمد أبو غوش)

فوزي باكير

جرش- على طريق يبلغ طوله حوالي 45 دقيقة، بمساحة لا تزيد على غابتين من الأشجار والبيوت القديمة، تسير الباصات موغلة نحو مدينة تبلغ من العمر ثلاثة آلاف عام، لينزل الركاب منها متأملين بقايا هذا التاريخ، هذه البقايا التي تُشكّل مكانا يفيض بالإبداع من حيث معماره وفنه، كما أنه هناك يقام الحدث الأردني الأهم، والذي يعود بدورته السادسة والعشرين، بعد غياب استمر ثلاثة أعوام، افتتاح مهرجان جرش.
تبدأ الشمس في التلويح للمدينة، طاويةً معها ما تبقّى من نهار، تاركة جدائلها الذهيبة، لكي تغزلها الأعمدة القديمة، ألف عامود هناك، ينسجون من هذه الجدائل، صورة المدينة التي تبدو ذهبية في هذا الوقت، ويتجوّل تحت ظلالها الناس، يشدّون الفرح من يديه، فيدخل للشارع القديم، شارع الأعمدة، وعلى أطرافه يقف حرّاس المدينة بزيّهم الرّومانيّ، يستقبلون الناس لكي يحتفوا بيوم "جرش" الأول.
يوم هادئ، يلتفّ فيه النّاس حول الشّعلة التي تصعد في النار عاليا، لتلوّح مستقبلةً كل القادمين إليهم من عرب أشقّاء، وأجانب أصدقاء، تزداد الشعلة اتّقادا، ترقص النار على رأسها، طَرِبَةً بكل هذا الجمع المتلهّف لهذا الحدث، الذي افتتحه رئيس الوزراء؛ الدكتور معروف البخيت، برفقة بعض من رجال الدولة.
الحضور موزّع على ضفاف المدينة، الأطفال هم الأكثر حضورا، ولعلّهم مصدر الفرح الأجمل، الباعة المتجوّلون على أطراف الطّريق يقدّمون أعمالا يدويّة ومطرّزات تعبق فيها أرواحهم، التي تتقافز بين الحجارة بكلّ حبّ، وتبتسم لكلّ من يدخل المدينة. وما يزال يصرّ اليوم الأول على هدوئه، فلا أصوات مرتفعة، سوى صوت الغروب! وكان هناك خجل ما يبدو على وجه المدينة، وكأنها تستقبل القادمين باستحياء، لعلّها أحسّت بالعتاب الذي كان في داخلهم، لأنها لم تزرهم ببهجتها منذ سنين. ورغم هذا العتاب، إلا أن الحُبّ والفرح البسيط كانا جليّين على وجوه الحاضرين، الذين أنهوا استماعهم لكلمات الافتتاح الرئيسية التي قرأها مسؤولو الحفل، مؤكّدين فيها هذا الجسر الثقافي الذي يجمع العروبة على الإبداع، ويبعدها عن كل ما يعكّر صفوها، بشعب واحد أصيل، ومنفتح على كل الثقافات والحضارات.
وبعد انتهاء الكلمات، توجّه الجميع إلى "الجنوبيّ"، الذي سرعان ما امتلأ بالجموع التي تجلس على حجارة التاريخ بشغف، تنتظر قدوم الفرقة الموسيقية، كي يقاسمها الجمهور فرحه.
تأهّب الجمهور، وهيّأ نفسه لاستقبال فرقة "رم"، التي دخلت مرتدية اللون الأبيض، والذي لم يكن إلا انعاكسا لقلوب عادت لتصافح المدينة من جديد، وانطلق الحفل برفقتهم، فلم يهدأ الجمهور، ولم يكفّ عن المشاركة، خصوصا بأطفاله الذين زيّنوا المدرج والساحات بحضورهم الأكثر بروزا وتأثيرا على الأجواء العامة، فنقاؤهم وعفويّتهم كانا زينةَ الافتتاح.
لم تتعدّ مدة الحفل النصف ساعة، وسرعان ما انتهى، فنزل الحضور من المدرّج، بخطوات ليست ثابتة، إنما متعثّرة بالإيقاع الذي منحته إياهم الفرقة، نزلوا وعادوا ليواصلوا المشي في شارع الأعمدة، وكأنهم يتفقدون المدينة بعد غياب، ويعاتبون حجارتها بكل ما تتسع قلوبهم من زهور ومحبة.
وفي النهاية، عاد كلّ إلى باصه، ليتأمّل من نوافذه ابتعاده عن جرش، ويعدها بلقائها في اليوم التالي، فلم يخرج الناس مودعين، وإنما تجلّت الابتسامات على شفاههم، وكأنهم يقولون في سرّهم: إلى اللقاء، غدا، يا جرش.

fawzi.bakeer@alghad.jo

التعليق