الحالة السورية: المعضلات وهوامش المناورة

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

فريدريك شاريون* - (لوموند) 28/6/2011
ترجمة: مدني قصري

حالة القمع في سورية، والتي كثيرا ما شُبهت بحالة القمع في ليبيا، تثير اليوم جدلا جديدا حول اللجوء إلى التدخل الخارجي، ولا سيما التدخل العسكري: لماذا يجري التدخل في ليبيا ولا يجري في سورية (حيث بلغ عدد القتلى حتى كتابة هذه السطور 1600 شخص)؟ هل هو الكيل بمكيالين؟ وهل تبرر أهمية الرهان البترولي في الحالة الأولى وغيابه في الحالة الثانية، هذا الفرق في المعاملة؟ فيما وراء الجدل القائم في هذا الشأن، تفرض المسألة السورية علينا تأملات عديدة.
فهي تذكّرنا في المقام الأول، مع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، بأن العلاقات الدولية تظل عملية تحكيم صعبة بين أخلاقية القناعة بالشيء، وأخلاقيات المسؤولية؛ أي تحقيق التوازن بين المصالح والوسائل، وبين ما هو مرجو وما هو ممكن بالفعل، والتي توزَّع في كل مرة ضمن ذلك التصور المحتوم الذي نسميه "هامش الحركة". وأمام بعض الأحداث الدولية، قد نعرف ما هي المصالح التي يجب الدفاع عنها، لكن الوسائل اللازمة لتحقيقها تظل غائبة.
وأمام تعقد الحالة السورية، لا بد من التفكير في تعريف ما هو المرجو: ما الذي ينبغي فعله لإنهاء عمليات العنف الجارية من دون مضاعفتها، ومن دون توسيع خلخلة التوازن في المنطقة؟ إن الذريعة التي ترى أن النظام السوري يمكن "تصحيحه" لم تعد ذريعة مقبولة اليوم في أوروبا، كما تشير إلى ذلك كلمات وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه الأخيرة (26 حزيران-يونيو)، أو كما تشير الضغوط التي يمارسها الاتحاد الأوروبي على دمشق وحلفائها الإيرانيين. وقد تم بالفعل اجتياز واحدة من العقبات، ونحن اليوم أبعد ما نكون عن الفترة التي كان فيها هنري كيسنجر مُعجبا بالتناقضات الموزونة لحافظ الأسد، التي كانت تفصح عن وجه العدو المتوقع، ومن ثم العدو المطمئن الذي لا خوف منه! لكن مع ذلك، وبعد المرور بهذه المعاينة، لا بد من القول إن الحلول لا تسقط من السماء! ويعرف الجميع أن إجابة بسيطة عن مسألة معقدة يمكن أن تُعرض السكان واستقرار المنطقة على السواء للخطر، وخير دليل على ذلك هو حرب المحافظين الجدد على العراق.
وهنا نصل إلى التأمل الثاني، وهو أن زمن الحلول الشاملة في هذا المجال قد ولى، وأن كل حالة من الحالات ينبغي أن تعالج من حيث خصوصيتها. فبالنسبة لفرنسا، ليست سورية، بطبيعة الحال، هي ليبيا. وكما هو الشأن بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، حيث لم تكن البحرين هي مصر. وكذلك الأمر بالنسبة لبريطانيا العظمى، وهي التي تشكل مع باريس عاملاً أساسياً في التدخل في ليبيا. ولذلك، فإن من الصعوبة بمكان أن نطرح اليوم أمام الثورات العربية، مذهب "كولن باول" إقليمي جديد، أو أي قاعدة التزام، أو "سياسة عربية" معمّمة قابلة للتطبيق، أيا كانت الحالة المطروحة.
إن هذا الوقت هو وقت المقاربات الناضجة والمهذبة، وليس وقت التقييمات شاملة. والقدرة على الإيذاء، وعلى زعزعة التوازن من الجانب السوري على الصعيد الإقليمي، يفرض تحليلا دقيقا للأوضاع. والاعتراف بأهمية هذا التحليل وضرورته ليس فضيحة. وتعد تحركات الجيش السوري بالقرب من الحدود التركية، وهجومه على منطقة القصير بالقرب من الحدود اللبنانية، ومخاوف انتقال أسلحة حزب الله نحو بلد الأرز، وصلات دمشق مع طهران، ولعبتها العراقية، كلها عناصر لا نجد مثيلا لها في ليبيا، حتى وإن كان العقيد القذافي يمتلك سلطة الإخلال بالتوازن. وفي اللعبة المأساوية التي تنطوي عليها هذه المقارنة، نرى أنه إذا كان الواجب الأخلاقي واحد، فإن المحيط السياسي مختلف، مثلما تختلف المعايير العسكرية (تضاف إليها خصوصية سوسيولوجيا قوى القمع السورية، والدور الذي تلعبه الأقلية العلوية المتضامنة مع السلطة). وبهذا، فإن التعامل مع الحالتين لا يمكن، إذن، أن يكون متماثلا بأي حال.
ثم يأتي التأمل الثالث أخيراً، وهو هذه المعاينات المُحرجة. فبعيداً عن الدبلوماسيات الغربية، ثمة ما لاحظه العديد من المراقبين من الحذر والحيطة في مواقف العالم العربي، حتى في العواصم التي شهدت ثورة منتصرة. ثم ثمة تردد إسرائيل وتحفظها أمام حالة الأسد، والسخط المتعاظم في تركيا التي لم تدخر جهدا لإخراج دمشق من مأزقها. وتمثل كل هذه المواقف أمثلة واضحة عن تعقد هذا الوضع. وثمة هنا اختلاف إضافي مع الملف الليبي، على نحو ما طرح في بداية التدخل. وبهذا، لا يوجد اتفاق واسع على تقييم الوضعية، ناهيك عن أن الجهود الفرنسية لعلاج ذلك في الأمم التحدة ما انفكت تصطدم بالمقاومة الروسية والصينية.
اليوم باتت الإدانة الأخلاقية مفروضة، وبات التهميش السياسي لنظام دمشق قائما في الوقت الحالي، وصار التدخل السياسي جارياً: فهو جار في الأمم المتحدة بمبادرة من فرنسا؛ وجار مع نظام دمشق نفسه من قبل فاعلين آخرين، مثل تركيا. لكن هذا التدخل لم يؤت ثماره بعدُ، وهنا تحديدا تُطرح مسألة التدخل العسكري، لكنها لا تفرض نفسها خارج العالم على صعيد المبدأ وحده، وهنا تحديدا تأتي أخلاقية المسؤولية!

*مدير معهد البحث الاستراتيجي للمدرسة العسكرية
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Le cas syrien: dilemmes et marges de manœuvre

التعليق