المهرجان العربي في بريطانيا يحتفي بالتعددية الثقافية

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2011. 02:00 صباحاً

ندى عقل* (كومون غراوند) 8/7/2011
لندن- كانت التعددية الثقافية في أوروبا في السنوات الأخيرة تؤطر على أنها صورة سلبية، وسبب للمشاكل، ومؤشر على مجتمعات تعاني من أزمة في الهوية. لكن التعددية الثقافية التي جاءت نتيجة للهجرة، يجب أن يُنظر إليها كقيمة مرغوب فيها في أي مجتمع.
في 26 حزيران (يونيو)، في المهرجان العربي الذي أقيم في المملكة المتحدة في مدينة كامدن، سنحت الفرصة لجاليات عربية مختلفة للتجمع وعرض عناصر من ثقافاتها في حفلات موسيقية حيّة، ومعارض وعروض للأزياء. وقد شكل ذلك فرصة للبريطانيين من الخلفيات كافة للاحتفال بالتنوع الفريد لهذه المدينة، وفرصة للتفكير بما تعنيه التعددية الثقافية حقاً.
ويعكس اسم المهرجان نفسه الهويات المتعددة للعديدين من الذين حضروا المهرجان. وقد قضيت معظم وقتي هناك وأنا أتحدث إلى الناس الذين ترتبط هويات بعض منهم بأكثر من دولتين: فلسطينيون مولودون في دبي يحملون الجنسية البريطانية، وعراقيون بريطانيون جاؤوا عن طريق السويد، وسوريون فرنسيون مولودون في ألمانيا ويقيمون حالياً في المملكة المتحدة.
ويذهب الواقع إلى ما وراء نتيجة العنوان المبسّط "العرب في المملكة المتحدة". فلكل من هؤلاء الناس قصة يرويها. وتندمج قصصهم كذلك مع قصة مجموعة أوسع، بعضها روايات حرب، مثل العراق ولبنان؛ وحياة منفى، وحياة متجددة ونجاح، مثل قصة الفنان والنحات علي موسوي الذي يشرح أنه وجد إبداعه في الحقيقة عندما حضر إلى لندن بسبب الدينامية والإلهام التي توفرها. وتضم قصص أخرى الحب بين شخصين من ذوي خلفيات مختلفة، مثل ليلى الفلسطينية التي قابلت زوجها البريطاني عندما كانت طالبة في جامعة لندن. وهي اليوم تربي أسرة ثنائية اللغة، يتكلم جميع أفرادها العربية والإنجليزية.
وليس هذا النوع من التعددية الثقافية ظاهرة جديدة، فالحقيقة البسيطة أنه لا يوجد شيء اسمه الثقافة المتناغمة. وكل واحد منا هو نتيجة لسرد جماعي وشخصي، وقصص المدن تتداخل مع قصص الهجرات المختلفة. ورغم أنه قد يبدو في بعض الأحيان أن تداخل الثقافات يتميز بالصدمات، فإن التاريخ يعلّمنا أن المهاجرين يأتون بمساهمة إيجابية إلى بلادهم المضيفة.
ولا شك أن لندن، وهي واحدة من أكثر المدن دينامية وتعدداً في الثقافات في العالم، قد استفادت من مساهمات كهذه. وهي تأتي في أكثر الأشكال غير المتوقعة، حيث تشير حملة أقيمت مؤخراً لدعم أسبوع المهاجرين، والتي شوهدت نشاطاتها في محطات القطارات الأرضية، إلى أن مؤسسات بريطانيا الاعتيادية مثل "ماركس أند سبنسر" والسمك بشرائح البطاطا وسيارة الميني هي أمور أوجدها مهاجرون (من بولندا والبرتغال واليونان). وهذا لا يجعل هذه الأجزاء الأيقونية من الحياة البريطانية أقل بريطانية. إنها واقع التعددية الثقافية.
وتدين بريطانيا كذلك للعديد من فنانيها ومفكريها المعاصرين بالتعددية الثقافية: مغنية البوب ميكا التي ولدت في بيروت لأم لبنانية وأب أميركي، والمهندسة المعمارية الشهيرة زها حديد التي ولدت في العراق ودرست في لبنان، والروائي الهندي البريطاني وكاتب المقال سلمان رشدي.
وهناك اليوم ما يزيد على 100.000 عربي في لندن (تضع بعض التقديرات هذا الرقم عند 300.000). وهم سائقو حافلات وأطباء ورؤساء تنفيذيون لشركات وأصحاب أعمال مبدعون، ويسهم هؤلاء جميعاً في هذه الفسيفساء الحضرية. وتضم مكتبات لندن العامة كتباً في الأوردية والعربية والبولندية، وتستطيع أن تجد في المدينة أي نوع ترغبه من الطعام.
ليست التعددية الثقافية مجرد نتيجة فوضوية لتاريخ بريطانيا الإمبريالي، بل هي أكثر من ذلك بكثير. إنها عن الناس والأماكن التي تستمر بإعادة تعريف أنفسها من حيث قصصها ومجابهاتها وتجاربها.

*صحافية مستقلة من لبنان، تسعى للحصول على شهادة الماجستير في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع خدمة "كومون غراوند" الإخبارية.

التعليق