ماركس، بونابرت والثورة المصرية: جمعة أخرى في ميدان التحرير

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2011. 03:00 صباحاً

توم كارون - (مجلة تايم) 7/7/2011
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
ربما تكون الصحافة السياسية لكارل ماركس في القرن التاسع عشر أكثر تماسكاً وقدرة على الصمود من نظرياته العامة حول الرأسمالية والاشتراكية والتاريخ. وفي الحقيقة، ربما يكون أبو الشيوعية الحديثة قد أرسى دعائم ثورة العام 2011 في مصر في دراسته عن التطورات التي قادت إلى انقلاب نابليون الصغير في 2 كانون الأول (ديسمبر) من العام 1851، والتي كانت عبارة عن كراسة للدعاية السياسية وضعها في العام 1852. ويشير احتجاج يوم الجمعة الذي قام به عشرات الآلاف من المصريين في ميدان التحرير في القاهرة، إلى أن العديد من المصريين يرون أن ثورتهم مهددة من جانب المخاطر نفسها التي كان ماركس قد وصف من خلالها التطورات في فرنسا قبل 159 عاماً.
وتعد القطعة التي كتبت بعد أسابيع وحسب من الانقلاب العسكري الذي قام به لويس؛ ابن أخت نابليون بونابرت، أحسن تذكرة للقدوة غير القابلة للتقليد -القدوة المتعلقة بالمآسي الكبيرة في التاريخ، والتي يجري تكرارها على نحو هزلي- كما وللملاحظة المعمقة أن "الرجال إنما يصنعون تاريخهم الخاص، لكنهم لا يستطيعون صياغته كما يشاؤون: وهم لا يصوغونه في ظل ظروف من اختيار الذات، وإنما في ظل ظروف موجودة أصلاً ممنوحة ومتوارثة من الماضي".
لكن احتجاج الجمعة في ميدان التحرير -طقس من طقوس "الثورة"، والذي أصبح موجهاً الآن إلى أولئك الذين يدعون الحكم باسمه- يجلب إلى الذهن مفهوم ماركس عن "نزعة البونابرتية (مشايعة الإمبراطورين الفرنسيين نابليون الأول ونابليون الثالث أو أسرتهما.. وتعني البونابرتية أيضا الحركة السياسية التي يكون على رأسها قائد عسكري مطلق الصلاحية) والتي تنطبق تماماً على النظام الذي حل محل الرئيس المخلوع حسني مبارك. وتشير النزعة البونابرتية إلى حركة ولدت فيها الحركة الثورية أزمة، لكنها فشلت في الأثناء في تولي السلطة بنفسها. وترى بدلاً من ذلك ضباطاً عسكريين مناهضين للثورة وهم يمسكون بزمام السيطرة على الأمور، ويتحدثون بلغة الثورة نفسها رغم أنهم يستهدفون تعطيلها وتشتيتها وكبتها.
وقد استهدفت احتجاجات الجمعة أصلاً التركيز على الدعوة إلى وضع دستور جديد يسبق إجراء الانتخابات العامة -وهي المسألة التي تفرق بعض الدوائر الانتخابية الثورية الرئيسية، حيث يفضلها الليبراليون في حين يعارضها الإسلاميون- لكنها أصبحت بدلاً من ذلك تعبيراً أوسع عن الغضب الشعبي من فشل القيادة العسكرية المؤقتة في الوفاء بوعد الثورة المصرية غير المكتملة.
وكان العسكريون -أساس النظام الذي سبق مبارك- هم من أجبر الرئيس على الاستجابة لمطالب الشارع والتنحي. وقد أدركت هذه المؤسسة المكرسة للاستقرار بأن هذا الاستقرار أصبح مستحيلاً في ظل بقاء مبارك في السلطة. وبدلاً من ذلك، تدخلت القيادة العسكرية لاستبداله ووضعت السلطة التنفيذية في أيدي المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واعدة بتلبية مطالب الشارع حتى مع استخدامها للكوابح مع أي تغيير ثوري أعمق.
وقد وافق الجنرالات على عقد انتخابات، وعلى ملاحقة المسؤولين المدانيين بالفساد في النظام القديم. لكنهم سعوا في الأثناء إلى اعتبار الإضرابات خروجاً على القانون، وإلى منع الاحتجاجات، وهم يستمرون في اعتقال المتظاهرين والنشطين ومضايقتهم. وقد تم اعتقال أكثر من 5000 ناشط ديمقراطي على أيدي القوات الأمنية منذ استقالة مبارك (في شباط (فبراير) الماضي). وما يزال المعتقلون يتعرضون للتعذيب في مصر المحكومة عسكرياً، وفق راصدي حقوق الإنسان. كما أن المحتجات من النساء أخضعن مؤخراً إلى "فحوص عذرية" وحشية ومذلة.
إلى ذلك، أعيدت تسمية الأذرع غير الشعبية للخدمات الأمنية بدلاً من تفكيكها جملة وتفصيلاً. وتعي القيادة العسكرية تماماً طبيعة الغضب الشعبي العارم ضد أولئك الذين قتلوا وعذبوا تحت غطاء الحصانة، لكنها تبدي تردداً في اتخاذ موقف جسور منهم. وقد أصبح فشل النظام المؤقت في ملاحقة ضباط القوات الأمنية المسؤولين عن قتل المتظاهرين والمنشقين -ربما بسبب التردد في إرساء دعائم مساءلة عامة للضباط في أعقاب أوامر بالتصرف ضد أبناء جلدتهم- نقطة اشتعال. وكان فشل النظام المؤقت في إيصال العدالة لضحايا القمع هو ما قدح زناد الفوضى التي عمت ميدان التحرير في الأسبوع الماضي، حيث هاجمت الشرطة المتظاهرين بكل الشدة والعنف اللذين استخدمتهما خلال الاحتجاجات الأولى ضد مبارك. ومع ذلك، لامت القيادة العسكرية المؤقتة المحتجين وحملتهم مسؤولية العنف.
وكان الحكم العسكري هو الذي وضع مبارك في سدة السلطة في المقام الأول. كما أن العسكريين كانوا مستعدين للتضحية به في مقابل الاستقرار الذي استدعته مصالحهم المؤسساتية. ويبدو أن الجنرالات يشعرون الآن بأن طريقهم إلى التوازن السياسي الجديد القادر على ضمان الاستقرار الاجتماعي وصيغة الوصول إليه يتطلبان بالتأكيد إجراء انتخابات. ولكن، وعلى نحو لا يختلف عن الجيش الباكستاني، فإن للقوات المسلحة المصرية مصالحها الحيوية الخاصة التي تتفاوت بين الاعتماد على المساعدات الأميركية السنوية والحاجة في المحصلة (أيضاً بسبب ضعفها النسبي) للمحافظة على السلام مع إسرائيل، كما والحاجة إلى مصر مستقرة، وتغيير وجهة التدني الاقتصادي الشديد (ومن هنا برزت الحاجة إلى حظر الإضرابات).
كانت الفجوة بين الرمزية والجوهر في نظام الجنرالات واضحة في قراراتهم الأخيرة حول غزة. ففي استجابة لضغط شعبي بقصد وقف الدعم للحصار الأميركي- الإسرائيلي للمنطقة التي تحكمها حماس، والذي يعده معظم المصريين موضوعاً قومياً، أعلن العسكريون أنهم سيفتحون حدود رفح مع غزة. لكن ذلك إذا بدا وكأنه أنه فصام عن تعاون مبارك المتحمس للمعاقبة الجمعية للغزيين، فإن الحقيقة، كما تشير المحللة هلينا كوبان، تظل مختلفة: فما تزال مصر تحظر كل أنواع التجارة عبر رفح، وتحد من حركة المواطنين في الانتقال من غزة إلى ما لا يتجاوز أقل من 300 شخص في اليوم، بما ينسجم مع قوائم قدمها الإسرائيليون تستثني الرجال في سن الخدمة العسكرية. فهل يكون ذلك رفعاً للحصار؟ أم أنه مجرد إيماءة بونابرتية فارغة نسبياً، بهدف امتصاص الغضبة الشعبية؟
وتبرز كوبان أيضاً حقيقة أن الجنرالات أزاحوا في الشهر الماضي وزير الخارجية الذي كانوا قد عينوه، نبيل العربي، والذي كان قد تعهد بالخروج عن سياسات مبارك الصديقة لإسرائيل والانحياز إلى الفلسطينيين. وتم نقل العربي ليكون أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في خطوة تنم عن المفارقة لدى مقارنتها مع ما كان الرئيس السابق مبارك قد فعله مع عمرو موسى الذي كان وزير الخارجية عنده، والذي كان أيضاً شعبياً جداً بسبب موقفه التصادمي من إسرائيل.
تعكس احتجاجات الأسابيع الأخيرة والتطورات الضخمة أيام الجمعة إحساساً متنامياً لدى قطاعات عريضة من المجتمع المصري، والتي كانت قد تجمعت وأجبرت مبارك على الخروج، بأن النظام العسكري الذي حل محل مبارك لن ينجح في تحقيق أهدافها بمحض اختياره.
ولأنهم كانوا مقتنعين مبدئياً بفكرة "تصدير" ثورتهم إلى الجيش، يسعى العديد من المصريين راهناً ومرة أخرى إلى تحديد مصيرهم بأيديهم. وسوف يكون ذلك بالطبع منسجماً تماماً مع أفكار السيد ماركس. فبعد كل شيء، ألم يكن هو من اعتقد بأنه لا يتم تحديد النتيجة التاريخية مسبقاً على الإطلاق، وإنما تسوى دائماً عبر ميزان القوى بين القوى المشاركة في النضال؟ وقد يكون العديد من المصريين في الشوارع يوم الجمعة قد توصلوا إلى الاستنتاج نفسه.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Marx, Bonaparte and the Egyptian Revolution: Another Friday in Tahrir Square

التعليق