أحكام الاتحاد الأوروبي وأوجه التقصير

تم نشره في الأربعاء 8 حزيران / يونيو 2011. 03:00 صباحاً
  • إن الدين العام المتعاظم لليونان يضع الأسواق المالية الأوروبية في أزمة مرة أخرى، ولكن لماذا

دانيال جروس*
واشنطن - إن الدين العام المتعاظم لليونان يضع الأسواق المالية الأوروبية في أزمة مرة أخرى، ولكن لماذا التقصير في السداد من قبل حكومة دولة ذات اقتصاد صغير وهامشي – إن مشاركة الاقتصاد اليوناني في الناتج المحلي الاجمالي لمنطقة اليورو تقل عن 3 %- يكون بمثل هذه الأهمية؟
إن الجواب بسيط: إن الإطار التنظيمي لكامل النظام المالي تم بناؤه على أساس الافتراض بأن دين الحكومة هو دين معدوم المخاطر. وإن أي تقصير سيادي في أوروبا سوف يحطم هذا الافتراض والذي يعتبر حجر الأساس في التنظيم المالي وما يتبع ذلك من عواقب وخيمة.
ان هذا واضح على وجه الخصوص في القطاع المصرفي. أن الأحكام المتفق عليها دوليا تشترط على البنوك عمل احتياطات في رأس المال تعادل المخاطر التي تأخذها عندما تقوم باستثمار مدخرات المودعين. لكن عندما تقوم البنوك باقراض حكومتها او الاحتفاظ بسنداتها فانها غير مطالبة بايجاد احتياطات اضافية لأنه من المفترض ان دين الحكومة هو دين معدوم المخاطر فالحكومة قادرة دائما على الدفع بعملتها.
ان هذا الافتراض منطقي، ولكن فقط عندما تقوم الحكومة بإصدار الدين بعملتها هي وفي تلك الحالة فقط فإن بامكانها ان تأمر بنكها المركزي ان يطبع مبالغ كافية من أجل الدفع لدائنيها ولقد كان هذه هو الأمر المتبع في جميع البلدان المتقدمة قبل قدوم اليورو.
لكن البلدان التي تبنت اليورو لم تعد قادرة على الاعتماد على مطبعتها حيث تقوم عوضا عن ذلك بالاستدانة بالعملة "الأجنبية" (أو عملة لا يستطيعون التحكم بها بشكل منفرد) وهكذا كان من المفترض عند بداية الاتحاد النقدي الاوروبي عدم اعتبار الدين العام للدول المشاركة على أنه دين من دون مخاطر.
لكن كان هذا الدين العام ينطوي على المخاطرة ففي واقع الأمر فإن الجهات التنظيمية لمنطقة اليورو لم تقم فقط بالتمسك بالافتراض أن الدين العام للبلد الذي يوجد به بنك ما هو معدوم المخاطرة ، بل اختارت أيضا أن تقوم ايضا بتوسيع ذلك الافتراض ليشمل جميع بلدان منطقة اليورو مما يعني ضمنيا ان البنوك لم تكن مضطرة لتوفير المزيد من رؤوس الأموال نظير أي دين عام مستحق لصالح البنك في منطقة اليورو. ان هذا التركيز للدين العام في موازانات البنوك هو ما يجعل النظام المصرفي الاوروبي بأكمله عرضة للتقصير السيادي فيما يتصل بالسداد.
لو أخذنا بعين الاعتبار الافتراض السائد بأن الدين العام كان معدوم المخاطر، فإن البنوك لم تكن ملزمة بالاحكام الاعتيادية المتعلقة "بالتعرض الكبير": لقد كان بامكان تلك البنوك ان تكون معرضة لأية حكومة واحدة وبالمقدار الذي تريده تلك البنوك ولهذا السبب فإن من الممكن ان ينتهي المطاف بالبنوك اليونانية ان تحتفظ بديون حكومية اكبر من رأس المال التي تملكه مما يعني ان اي تقصير في السداد يمكن ان يقضي على النظام المصرفي اليوناني بأكمله.
لقد أصبح الوقت متأخرا جدا الان لأن نعيد عقارب الساعة الى الوراء وان نقوم بشكل مفاجئ باجبار البنوك على التخلص مما تحتفظ به من دين عام زائد. للأسف، فإنه لا يبدو أن الجهات التنظيمية قد تعلمت من الأزمة الحالية من أجل منع الأزمة المقبلة.
إن من المفترض أن تتم قريبا مراجعة أحكام الاتحاد الاوروبي المتعلقة بمقدار رأس المال الذي يمكن للبنوك الاحتفاظ به. إن الأحكام مذكورة بالتفصيل في اقتراح قانوني يتألف من 500 صفحة ويدعى "سي ر دي أي في" والذي تم نشره مؤخرا من قبل المفوضية الأوروبية علما أن تلك الأحكام سوف تزيد من مقدار رأس المال الذي يمكن للبنوك الاحتفاظ به، ولكن فقط من أجل الإقراض للقطاع الخاص. إن الإقراض لحكومات منطقة اليورو ما يزال يعتبر على أنه إقراض معدوم المخاطر. إن هذا سوف يزيد فقط من الانحياز فيما يتعلق بالاقراض المصرفي لمصلحة الدين الحكومي وعلى حساب اقراض الشركات وخاصة الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم.
إن هذا خطأ فلقد كان يتوجب على المفوضية الاوروبية ادخال متطلبات تتعلق برأس المال فيما يختص بما تحتفظ به البنوك من الدين العام. ان التبرير سوف يكون بسيطا: لا يوجد أحد بإمكانه أن يدعي جديا بأن سندات جميع حكومات منطقة اليورو هي معدومة المخاطر. وهكذا فإن المفترض ان يكون واضحا بأن على البنوك أن تحتفظ بجزء من رأس المال ضد المخاطر التي تنطوي عليها إقراض الحكومات التي لديها على وجه الخصوص ديون عالية أو عجز كبير في الموازنة.
إن الأحكام الجديدة سوف تتطلب قيام البنوك بالاحتفاظ بالمزيد من الأصول السائلة. إن من السهل التخمين ماهية الأصول التي تعتبرها السلطات سائلة: الدين العام. أي أنه بهذه الطريقة فإن البنوك تشعر بأن هناك من يحثها على الاحتفاظ بالدين العام بدلا من تمويل الاستثمار الخاص بالرغم من الحقيقة الواضحة وهي ان السندات الحكومية يمكن أن تصبح غير سائلة بالمرة (على سبيل المثال، تلك التي تم إصدارها من قبل اليونان وايرلندا والبرتغال). لقد كان من المفترض توسيع السيولة التي يمكن للبنوك الاحتفاظ بها إلى ما هو أبعد من الدين العام بحيث تشمل مجموعة واسعة من أصول القطاع الخاص والمبنية على أساس حجم السوق.
وهكذا فإن كلا العنصرين الرئسيين من الاحكام المصرفية الجديدة تسير في الاتجاه نفسه: زيادة الانحياز في التمويل المصرفي ضد اقراض القطاع الخاص.
إن من السهل فهم لماذا تصر السلطات على تفضيل الدين العام: إن الأحكام يحددها وزراء المالية وهم بطبيعة الحال يميلون إلى إعطاء انفسهم صفقة جيدة. إن من الصعب على السياسيين أن يشاهدوا موازناتهم تتنافس على مقدار محدود من المدخرات. إن التكاليف التمويلية الأقل للدين العام يبدو كمكسب صافي للمجتمع نظرا لأن الحكومة تقوم بموجب ذلك بالتوفير فيما يتصل بخدمة الدين مما يعني فرض ضرائب أقل. لكن أي مكاسب من ضرائب أقل يعادلها خسائر يتكبدها القطاع الخاص والذي سوف تواجهه نفقات تمويلية أكبر مما يعني انه سوف يستثمر بشكل أقل وهذا بدوره سوف يخفض من النمو الاقتصادي – مما سوف يؤدي الى تخفيض الايرادات الحكومية.
لقد تم اتخاذ العديد من الخطوات في السنوات الاخيرة من اجل تعزيز تنظيم القطاع المصرفي. لكن ما يتم اقتراحه الآن سوف يجعل من الاقراض لغايات الاستثمار أقل جاذبية ويزيد من الحافز لتركيز المخاطر السيادية في قطاع البنوك مما سوف يزيد من تفاقم مشكلة الدين السيادي الاوروبي ويضعف من احتمالات النمو والتي هي أصلا ضئيلة.
*مدير مركز دراسات السياسة الأوروبية.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سينديكت.

التعليق