مبدعون: منظومة القيم الاجتماعية التقليدية والتاريخ الطويل من القمع ما يزال يحكم سقف الكتابة

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً

جمال القيسي

عمان - الإبداع بكافة صنوفه في ظلِّ كبت الحريات، والقمع الديمقراطي، وفي الدول المتخلفة التي لا تعيش الحياة الديمقراطية، قد يتخذ أشكالا من التورية والرمزية أو "التصرف الفني"، على نحو قد يؤدِّي الى إضعافه، من منطلق خشية الوقوع في قبضة الرقيب، ومن ثم التعرض للبطش والملاحقة.
ويؤدي ذلك التكلف في صناعة الإبداع، وفق مبدعين، إلى التشكيك في صورته التي يخرج عليها، حتى أنَّهُ يذهب الأمر بالبعض إلى الزعم في مجال نقد أدب السجون إلى أنَّه غير حقيقي من نواح عديدة، بالنظر إلى مساحة الحرية المقتنصة من الكاتب آنذاك، ليقولَ ما يُريدُ حقيقةً من دون التفكير في العواقب.
موانع مختلفة قد تحول دون وصول الصورة الأنقى والأرقى للصورة الإبداعية، من مثل عدم المساواة بين الجنسين أحيانا، لا بد وأنَّها تؤكِّدُ على أنَّ الإبداع في مناخ الحرية والأجواء المفتوحة للتعبير يكون على حال مختلفة من العطاء، والصدق على صعيدي الشكل والموضوع.
الشاعرة مريم شريف ترى أنَّ "الإبداع الحرّ لا ينتج إلاّ من مبدع حرّ"، مشدِّدَةُ على أنَّ حريّة الإبداع "مطلقة". وتقول "مهمَّة المبدع نقض الحقيقة والنصوص الثابتة، لإقامة حقيقةٍ أخرى لن تلبث أيضاً أنْ تجدَ مَنْ ينقضها، ويقيم حقيقة أخرى وهكذا في صيرورة متجددة".
وتضيف صاحبة "صلاة الغياب" في العالم العربي لا توجد ديمقراطية حقيقية، وبما أنّ الإبداع بذاته هو عملية بناء، فلن يشعر المبدع أنّه يقدّم أفكاره وآراءه بحرية، وأن حدوده ستظلّ ضمن سقف ينخفض كثيراً عن سقف الديمقراطية حين تكون وضعاً سياسيا قائماً.
وتشير إلى أنَّ منظومة القيم الإجتماعية التقليدية والتاريخ الطويل من القمع والإقصاء للآخر ستظلّ تحكم سقف الكثير من المبدعين، وتحول دون أنْ يمددوا سيقانهم كما ينبغي، وتظلُّ تتحكم بارتفاع هذا السقف كما شاءت في رفضها للتغيير ومقاومته.
وتخلص صاحبة "أباريق الغروب" إلى أنَّه إذا سلّمنا بأنّ الإبداع يتعارض مع كلّ قيد، فيجب أنّ نسلم أنّ قيود المجتمع الماديّة والمعنوية تحتاج فترات زمنيةٍ طويلة من الممارسة الديمقراطية السياسية، حيث سيتحول المجتمع تدريجيّاً إلى مجتمع ديمقراطي يتقبّل الآراء المخالفة وبالتالي حريّة الإبداع التي لا تتوقف عند حدّ.
 الدكتور الناقد زياد ابو لبن يقول إنّ حركة التنوير في الوطن العربي، التي يقودها عدد من الكتّاب والمفكرين تواجه بآلة قمع السلطات العربية منذ عقود، ولا يمكن أن تحدث نهضة أو تقدم إلا في ظل مزيد من الحريات العامة، خاصة حرية الكتابة والتعبير عن الرأي، مهما كان مضاداً أو مغايراً للسائد.
ويضيف أنَّ هناك أشكالا متعددة من القمع والاضطهاد الذي يتعرّض له الكتاب والمفكرون، من مصادرة الرأي أو الكتاب أو التكفير أو الردّة أو التهديد بالقتل أو النفي أو السجن أو التفريق بين الزوجين وغيرها، سواء كان هذا القمع والاضطهاد من السلطة أو المجتمع ممثلاً بالعادات والأعراف والقيم.
ويتابع أن هذا كلّه دفع بعدد من الكتّاب والمفكرين للمواجهة المباشرة مع آليات القمع، والبعض لجأ للرمز في كتاباته، والبعض هجر الأوطان نحو الغرب في امتلاك مساحات من الحرية والديمقراطية، والبعض آثر السلامة، وهم كُثر!
ويخلص أبو لبن إلى القول بأنه في ظلّ حركات التغيير الشعبية في الوطن العربي وقف الكاتب والمفكر العربي موقف المتفرّج، إلا القلّة القليلة منهم، ولجأت النقابات والهيئات والروابط والاتحادات إلى إصدار بيانات خجولة وتظاهرات شعاراتية، و"لم تقدم تلك طروحات جديدة تنهض بالفعل الثقافي التثويري التنويري".
فيما تعتبر القاصة والروائية جميلة عمايرة أننا "خارج أسوار المجتمع البطريركي في عالمنا الذي يسمى الشرق، نكتب بصمت صارخ حد البوح حينا وبالمواربة والتورية وكل ما نستطيع الاستعانة به بواسطة اللغة كي لا ننكشف، كي نبتعد عن مواقع الشبهات، خاصة إذا كان الكاتب الإنسان أنثى، كل هذا لأن لا حرية حقيقية نتفيأ ظلالها".
 وتتابع "وطننا العربي كله – مع استثناءات طفيفة- يتأبى على الحرية، أو هي أعني الحرية من تتأبى عليه وعنه. حرية ما تزالُ بعيدة من أسف، متماهٍ، وقمع واسع وبأشكال مختلفة ومتنوعة ومبتكرة".
وتؤكد أنَّ الكتابة لا تزدهر إلا في فضاء من الحرية، فضاء واسع لا يحده أفق أو تقليد أو قيم عفّى عليها الزمن، حيث يكتب الكاتب وهو "مسور برقيبه الذاتي الذي ولد ونما وترعرع معه"، بحيث بات مزروعا داخله، عدا عن الرقيب "العام" الذي يكرسه المجتمع عبر منظومة اجتماعية خاصة في ظل " التابوات " الثلاث المحفوظة عن ظهر قلب.
وتذهب صاحبة "بالأبيض والأسود" إلى أنَّ الكتابة حرية.. نوع من ممارسة الحرية كمفهوم، والإبداع لا يتم إلا في ظلال شجرية الحرية، متسائلة: كيف سيكتب الكاتب في ظروف غير هذه؟.
وتعتقد عمايرة أن "الحرية كل لا يتجزأ" ليمكننا الحديث عن إنتاج أدبي بأنه إبداع يبحث ويغوص في الرغبات المتوارية، والأحلام المكبوتة والممنوعة بقرار اجتماعي، والساكنة في اللاشعور للكائن الفرد في عزلته، في ظل هذا الواقع البعيد عن الحرية حرية الكتابة والإبداع وحرية الكاتب الذي تراه "لن يزدهر إبداعه في مثل هذه الاجواء البعيدة عن الحرية".

التعليق