الثورات العربية من زاوية أخرى: حتمية التنوير مقرونة بضرورة تحرر العقل واستقلاله

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً

زياد العناني

عمان- أي ثورة يكون هدفها إسقاط شخص ما لا تكون ثورة، لأنَّ الثورات أكبر من كل الشخوص، وبذلك لن يكتمل نجاح الثورات العربية بإسقاط رئيس أو زعيم، لأنَّ الموتَ يُمكنُ أنْ يتكفَّل في هذه المهمة، ويمكن لأي انقلاب بسيط أن يحدث هذا الفعل.
أما الثورات التي قد يمتد عمرها إلى عقد أو عقدين، فلا يمكن أنْ تتجذر إلا بما تحمله من قيم وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، تطالُ كلَّ ما قبلها من أفكار، وتخرجُ بأفكار تحترم فصل السلطات، وتُجَذِّرُ كل صيغة يمكن أن تؤدي إلى الدولة المدنية.
بكثير من الأسف نسمع ونرى بعض المفكرين العرب وهم يتحدثون عن الشخوص ووجوب محاكمتهم أكثر من حديثهم عن ضرورة ممارسة بينة للفكر السياسي الذي سيتوجه لإزاحة التوجهات القديمة، ومأسسة الجهات التي يترتب عليها إدارة الدولة بلا رأس مستبد، وبلا حق أسطوري، وإنَّما بحق وحيد يستمد قوته من الشعب لا غير.
إلى الآن لم يخرج الوضع في تونس عن شكل انقلاب سياسي، فيما أخذ الوضع في مصر صفة تحضيرية لم تتضح أبعادها إلى الآن.
ما يهمنا فعلا أنْ نرتفع بالثورات العربية عن مستنقعات وبؤر تشبه الرمال المتحركة، يمكن أنْ تتورَّط فيها مثل الإبقاء على مواد دستورية توطد الظلم، وتكون حاضنة لفساد آخر، ربما يأتي عبر مسميات ووجوه جديدة. ميزة الثورة الفرنسية مثلا أنَّها وفقَت بين التفكير الوضعي والميتافيزيقي، ولولا هذا البعد لصحَّ   وصف "سيرجو بوسكيرو" القائل: إن الثورة الفرنسية لم تكن سوى عملية سطو على مخزن الأسلحة في الباستيل الذي كان يستضيف 7 مساجين فقط، منهم 3 مجانين". فيما تكمن ميزة الثورات العربية في تطرقها للحكم وسعيها للقيادة والنفوذ أكثرمن تطرقها لقانون أحوال مدنية، لا يعتمد على الفرز الطائفي، ولا يقف وراء كل الخروقات الدموية التي تحدث في منطقة الانتماء الوطني.
كل يوم نسمع عن مجزرة تحدث إما بسبب الردة أو التنصير أو بسبب زواج يستفز المشاعر أو بسبب بناء جامع أو كنيسة، فننظر مندهشين إلى فعل مواجهة ينال من الوحدة، ويُهدِّدُ النسيجَ الوطني المنقسم بين جماعة من الغاضبين، وأخرى من المحتجين، في مسألة لا تتعلق بالعبادة وإنما بكيفية الوصول إليها.
لماذا لا يتجه مفكرو الثورات العربية إلى وضع بنود دستورية تطفئ التوتر الطائفي، وتمنع تكريس الفرقة، وتحث على حذف كل صيغة للعيش المشترك، بدلا من الاكتفاء بانتخابات جديدة، ودستور مخترق يصر على دين الدولة، ويتحدث في الوقت نفسه عن دولة مدنية عصرية.
ثمة حاجة ماسة لصيغة ثورية تكفل الوجود الإنساني للمسيحيين والمسلمين معا، وتمنَعُ توفر الاتجاهات السلفية والمذهبية، وتقضي بعدم وجود دولة داخل الدول؛ فكيف يمكن أن تنجح الثورات العربية في ظل وجود بعض السلفيين الذين ينكرون الآخر، وكيف تفهم دوافع بعض المسيحيين في طلب الحماية الدولية.
حين نقول الثورة يتبادر إلى أذهاننا أنَّ التغيير قد حصل، أو أنَّه في طريقه إلى التغيير، وحين نقول الدولة يجب أنْ يتبادَرَ إلى اذهاننا أنَّها جامعة مانعة تكفَلُ حريَّةَ المعتقد، ولا تسقطه من مناهج التعليم، وتحشره في هوية الأحوال الشخصية، لكي تبقى العلاقة بين الناس وخالقهم أبقى وأنقى، وتتم بحرية.
عودا على بدء، لا يمكن ان تنضج ثورة بسجن طاغية أو فرار مستبد، وذلك لأنَّ الاثنين أقل شأنا من ثورة لها أهدافها السياسية والفكرية تقوم على تحالف العامة مع النخبة، لصياغة بيان ملزم، ليس شعائريا وليس انتقاميا يتحدث باسم الانسان وتطلعاته للحرية والعدالة والمساواة.
لا بدَّ من مجلس أو جمعية وطنية تجترح للثورات العربية قاعدة محكمة ذات مرجعيات فكرية وقانونية، تأخذ بعين الاعتبار هتاف الجماهير وتحترم تضحياتهم في سبيل الوصول إلى نظم سياسية دستورية نيابية يكون الشعب فيها مصدرا لكل سلطة، وضمانة أكيدة لا تفرِّقُ بين جنس أو دين أو عرق ولون، يختفي فيها مفهوم التشبث بالسلطة والاستحواذ الأبدي عليها، ويختفي التسلط وصناعة الحصانة الشخصية، وكل هذا لن يحدث من غير حتمية التنوير، مقرونَةً بضرورة تحرر العقل واستقلاله، واستدراج كل حداثة تثقف خياراتها الإنسانية والسياسية وتساهم في إحداث التغيير.

zeyad.anani@alghad.jo

التعليق