كفاح قعدان: مقعد يسابق الكبار في تكوين الجمال بقطع فريدة

تم نشره في الأحد 15 أيار / مايو 2011. 03:00 صباحاً
  • المبدع كفاح قعدان-(الغد)

سوسن مكحل

عمان- كفاح قعدان إبداع عمره ستة وثلاثون عاماً، احترف الرسم، متحديا كل الصعاب، وما أكثرها لفنان مقعد، لم يعد يتحرك فيه غير إحساسه بالألوان، وهو الإحساس الذي سرعان ما تحول من موهبة إلى حرفة مصقولة بدراسة "الهندسة الكهربائية".
والحرفة غدت أكثر ما يميز أعمال قعدان، من لوحات بصرية، وشاعرية في الوقت ذاته، تحمل بداخلها دلالات جمالية قريبة من القلب، وكل قطعة يقدمها تروي حكاية خاصة، عبر ما يسمى "فن التطبيق على الخشب"، فتمتزج أعماله بروح الإبداع والخيال والموهبة.
التمرد على الذات، وعلى نظرة المجتمع، لإثبات فن متفرد، هو ما جعل قعدان واحدا من أوائل الفنانين على الساحة المحلية والعربية في هذا النوع من فن "التطبيق الإسلامي على الخشب"، حيث أمسى اليوم من ذوي الخبرة والإبداع المتقن في قطعه المشغولة بعناية.
ويعكف قعدان على شحذ أدوات الزينة، من مزهريات وأدوات منزلية أخرى بروحه المضطربة، وتعبئتها بصورة لافتة، إضافة إلى أشكال زمردية، وقطع تنطوي على إبداع تمثل مناظر سرعان ما تذوب المشاعر في غياهبها.
ويعزو قعدان إتقان عمله إلى خبرته وباعه الطويل في النجارة والرسم، فضلا عما يوظفه من خيال في إعداد القطعة الفنية، والتي تستحوذ، في الغالب، على كل اهتماماته، لأيام وليال وشهور، أحيانا، لإخراجها كلوحة حافلة بكل تعابير الجمال.
في سنوات انطلاقته الأولى، لم يجد مؤازرا واحدا لعمله، حتى من أقرب الناس إليه، لعدم إيمان الآخرين بأهمية فنه، واعتقادهم أنه يحتاج إلى دراية بفن الرسم والهندسة، حتى يستساغ من قبل الآخرين، معتبرا أن التحدي والعناد والتمرد هي وحدها الدوافع التي ساندته طوال هذه الأعوام.
يقطن قعدان في مشغله بمنطقة إربد، رافضا أن يكون فنانا في غير موطنه، على الرغم من عروض عديدة تلقاها من جهات دولية، لعرض أعماله في باريس وكندا والسويد وغيرها، غير أنه أبى أن يبتعد عن نطاق وطنه، الذي يفخر بأنه المكان الذي حفزه لإطلاق موهبته.
ولا يعتمد قعدان في لوحاته الخشبية وقطعه الفريدة على (الكاتالوجات)، على قاعدة أنها لا تفسح الأفق للابتكارات، مؤكدا أنه يؤمن بما يمليه عليه ذهنه من أفكار تجعل القطعة مميزة أكثر من غيرها، تجنبا للتقليد أو اختزال نفسه بأنماط أخرى.
مجسماته تنبض بالحياة، ويشعر كلما باع قطعة أنه خسر قطعة موازية من جسده وروحه، إذ يرتقي عمله إلى مرحلة العشق والهيام، كاشفا أنه يرفض بيع بعض القطع، خشية أن لا يفهمها الآخرون ولا يقدرون ما تحمله من إبداع وأفكار فنية.
ومن الصعب على قعدان تقبل أن تصبح قطعه الفنية تجارية، معروضة للبيع والشراء، من دون تقدير لقيمتها، مؤمنا أن تلك القطع زاخرة بالأفكار والجهد المبني على الخيال والموهبة ثم الحرفة، بعيدا عن تصنيف عمله كمهنة.
ويفتخر قعدان بتقدير الهاشميين لأعماله، مشيرا إلى أنه لا ينسى فضل المرحوم الملك حسين بن طلال عليه، والذي قدر فنه وقيمه خير تقييم، واختار قطعة مميزة من أعماله، وكذلك الملكة نور الحسين، وسمو الأميرة بسمة بنت طلال، معتبرا أن ذلك التقدير والإيمان بعمله يمثلان ذروة النجاحات التي حققها طوال أعوام عمله في مضمار الفن التطبيقي على الخشب.
وعن دعم الجهات والمؤسسات للمبدعين العاديين والمعوقين، يشكو قعدان من أن هذا الدعم لا يكاد يلمس، لأسباب يجهلها، غير أنه سعد مؤخرا بتكريم مؤسسة نهر الأردن له، بجائزة تميز، مشيرا إلى أنها المرة الأولى التي يشعر فيها بأن هناك مؤسسات تقدر العمل الفني والمبدعين، أينما كانوا.
ويستغرب قعدان ما يحدث في بعض المعارض المتخصصة، سواء للفنانين العاديين أو لمعارض المعوقين، من عدم تواصل المجتمع مع الفنون عموما، مستغربا أن يكون المجتمع "غير ذواق" لكثير من الفنون المختلفة، التي تضفي جمالا على الحياة والثقافة والحضارة.
وينفي قعدان، من خلال تجربته الفنية الطويلة، كفنان ومبدع، أن تكون الإعاقة معرقلة للإبداع، مؤكدا أن جل ما يعتمد عليه أي مبدع هو القناعة الذاتية بأفكاره وإبداعاته، وقدرته على تجسيد عمل فني، وبذلك يكون قادرا على إثبات جدارته في وطنه.
ويأمل أن ينجز أعماله المقبلة سريعا، لأنه بصدد إقامة معرض خاص، مؤكدا أنه تطوع في المجال ذاته لتدريب عدد من الذواقين لعمله، غير أن رفض بعض المؤسسات لدعمه، حال دون إتمام المهمة.
أعمال قعدان، تسعى لإضاءة التاريخ، كونها تجسد فرحا، وأملا، ونافذة مطلة على الحياة بلغة أصيلة مختلفة، وفن متفرد، استنادا إلى قاعدة تراثية متينة، ما جعل اسمه منافسا وسط كبار الفنانين، الذين تدل عليهم أعمالهم المتميزة وحدها.

sawsan.moukhall@alaghd.jo

التعليق