باحث يسعى إلى أنسنة العقل وجمعه بكل مكونات القوى الروحية

الفار: الإنسان قادر على تغيير التاريخ والعودة إلى مركزيته في الوجود

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2011. 02:00 صباحاً
  • بورتريه للدكتور جورج الفار بريشة الزميل إحسان حلمي-(الغد)

زياد العناني

عمان- يجتهد د.جورج الفار في مشروع فلسفي بعنوان "أنسنة العقل"، جاعلا من كتابه "عودة الأنسنة" الصادر مؤخَّراً بمثابة الجزء الأول من المشروع الذي يحتاجُ إلى عدَّةِ أجزاء ليكتمل، وتكتمل معه النظرة الفلسفية التي يُبَشِّرُ بها.   
ويرى الفار الذي أصدر مجموعة من الكتب منها "حديقة راهب" و"عاريا أمام الحقيقة" و"بهاء أنثى"، أنَّ مشروعه الفلسفي يهدف إلى إعادة الأنسنة التي يؤكد أنها العقلية المتزنة من خلال جمعه للعقل والقوى الروحية والعواطف والأحاسيس معا، للوصول إلى ما يسميه بالقوى العاقلة.
* بداية دعنا نسأل عن هذا المشروع الفلسفي الذي تبحث فيه عن أنسنة الإنسان وما هي مكوناته وما المقصود منه؟
ـ هذا المشروع هو مشروع فلسفي في "الأنسنة" وكتاب "عودة الأنسنة" جاء ممهداً له، وسأكمل هذا المشروع بحثاً لإعادة إحياء الأنسنة التي هي بالنسبة لي العقلانية المتزنة، لأنَّ فيها إعادة اعتبار للعقل والأخذ بالحسبان القوى الروحية للإنسان من وجدان وعواطف وأحاسيس.
لقد أطلق العرب على هذه القوى "النفس العاقلة" التي لا تحتوي على العقل المجرد البارد فقط، وإنَّما كل القوى المدركة في الإنسان، وذلك لأنَّ الإدراك يبدأ من الحس كما قال أرسطو. إن مشروعي هذا لا يهدف إلى إعادة مركزية العقل البارد أو الجاف، وإنَّما يهدفُ إعادة العقلانية التي هوجمت في الغرب من قبل فلسفة ما بعد الحداثة، باعتبارها منتجاً أيديولوجيا لعصر الأنوار الفرنسي، بينما أرى أنَّ عصر الأنوار أعاد الثقة في العقل الإنساني، وهنا لا بد القول بأننا لا ننقد العقل لكثرة الاستعمال بل لعدم استعماله بما يكفي.
* كيف وصلت إلى جمع التناقض بين ما يسمى بالعقل الفلسفي مع الوجداني؟
- لا أرى العقل كحقل مجرد وجاف، بل أراه عقلا بمفهومه الأساسي وبمفهومه الروحي، فالعقل ليس هو العقل الديني وليس بمعنى الدماغ البشري. الدماغ البشري هو الآلة التي يستعملها العقل لإنتاج التفكير والعقل أوسع معنى من الدماغ، وهو كل إنتاج فكري ومعرفي وحضاري أنتجته البشرية ليصبح عقلا تراكمياً جميعاً وملكا للإنسانية قاطبة.
 وبهذا المعنى يكون العقل منتجاً للموسيقى والشعر والرسم والفن والثقافة وللفكر النظري أيضاً إضافة إلى أن الفلسفة في أحد تعريفاتها تعني العقل المجرد أو العقل النظري. أما الفلسفة بالمعنى الشمولي الإنساني فهي تعتني بكل الأمور وبكل إنتاج روحي للإنسان، وبهذا المعنى أيضاً ليس هناك تناقض ما بين العقل والوجدان أو العقل والإحساس أو العقل المجرد والثقافة.
* كأنك تطرح مصالحة بين العقل والوجدان، ألا ترى معي أن هذه المصالحة تخلط الأوراق بين هذين الحقلين؟ 
- ما تسميها مصالحة هي نظرة شمولية مطلة على التاريخ والحضارة الإنسانية بعين فاحصة. فالفلسفة كما أعرفها تعتني بكل إنتاج الإنسان الفكري والروحي، بينما اللاهوت يكمن في مفردات هي عالم الله والوحي ولم تتأثر خلفيتي اللاهوتية بهذه النظرة الجديدة التي تبنيتها إلا بعد تحرري من المركزية اللاهوتية التي تعني أن السماء مركز، ومن ثم الوصول إلى نظرةٍ جديدةٍ تضعُ الإنسان والعقل الإنساني في مركز الوجود. فالإنسان كان في غابة طوال القرون الوسطى الأوروبية والعربية، وكان بعيدا عن مركز التفكير وكانت السماء والغيبات والماورائيات موضعاً لتفكيره، حتى جاء عصر النهضة الأوروبي ومع الاكتشافات العلمية الحديثة أعيدت الثقة إلى عقل الإنسان وأعيدت للإنسان مركزيته في الكون وفي العالم، ومنذ ذلك التاريخ، إلى الآن ازدهر الإنسان وازدهر عقله واكتشافاته، واستطاع بناء حضارة إنسانية مدنية احتل فيها مكان المحرك.
* لماذا وزعت كتابك على ثلاثة أبواب في الفلسفة وفي رصد محاولات الأنسنة العربية وفي ما قدمت من نماذج وأيقونات إنسانية؟
- بما أن هذا الكتاب مقدمة لمشروع فلسفي كبير، ارتأيت جعله مدخلاً وقسمته إلى ثلاثة أبواب. في الباب الأول دافعت عن فلسفة الأنوار واتهام ميشيل فوكو لهذه الفلسفة بأنَّها مسؤولة عن ولادة الإنسان الحديث، ونادت بموت الإنسان الفلسفي، وهنا أعدت الاعتبار لثلاثة أمور: أنَّ الأنسنة هي العقلانية المتزنة، فالعقل مركزي للإنسان، وأنَّ فلسفة الأنوار ذات فاعلة في التاريخ، وليست مجرد خضوع لا لمجموع البنيوات السابقة لوجوده، وها هي الثورات العربية تدعم وجهة نظري القائلة بأن الإنسان قادر على تغيير التاريخ والتمرد على الواقع، مع الأخذ بعين الاعتبار أنني اتفقت جزئياً مع طرح لفي شتراوس وميشيل فوكو على وجوب تخليص النزعة الانسانية من رومنسيتها وميتافيزيقيتها والأيديولوجية التي أطاحت بها، رغم أنَّها تبقى حقيقية وفاعلة في حدود تحكم العقل الإنساني في مسيرة التاريخ والحضارة، فالحضارة ما هي إلا عقل سعى إلى تحرره على مدى التاريخ.
* لماذا وافقت على تخليص النزعة الإنسانية من رومانسيتها وميتافيزيقيتها؟
- لقد سادت الرومانسية في القرن التاسع عشر في ألمانيا وارتبطت بالأدب والعلوم الإنسانية، وأضفت على النزعة الإنسانية صفاتها ومع اعترافنا بكون الإنسان كائنا طبيعيا وينتمي إلى الطبيعة، إلا أنَّه تميَّز بالعقل الذي يجعله مسؤولاً ومدركاً للوجود، فالوجود مستقل عن الإنسان إلا أن هذا الوجود من دون العقل الانساني يصبح مادياً صرفاً غير مدرك. وهنا لا بد من القول إنَّ الإنسان المدرك يعطي معنى روحياً لهذا الوجود بإدراكه وتفاعله معه.
وبناء عليه نذكر أنه عندما نادى نيتشه بموت الرب وضع بعض المفكرين الإنسان بدلا‌ً من هذا الرب وأضافوا عليه صفات ميتافيزيقية وأخرجوه من كونه إنساناً طبيعياً وقد كانت هذه النزعة مخطئة، وأدَّت إلى كوارث كثيرة ومن هنا كان يجب أنْ تنتهي والعودة إلى العلم الذي برهن أنَّ ما بين 98 % من جينات الإنسان والشمبانزيا هي واحدة ومشتركة. مع ضرورة القول إنني لست من دعاة تحويل الإنسان إلى قرد من القرود العليا، وإنما مع اعتباره كائناً طبيعياً يتحلى بالعقل والإدراك، وقادرا على التحاور مع هذا الكون الذي يعيش فيه.
*  لماذا رصدت المحاولات العربية في الأنسنة وما الهدف؟
- من المفاهيم الشائعة أنَّ محمد اركون هو الذي استعمل كلمة الأنسنة في الثقافة العربية منذ الستينيات من القرن الماضي، وتحديدا في كتابة "النزعة الإنسانية عند التوحيدي ومسكويه"، إلا أنَّ هناك بعض المفكرين حاولوا أنسنة فكرهم ومواضيعهم من دون كلمة "أنسنة"، مثل العروي الذي حاول أنسنة التاريخ، والجاري الذي حاول أنسنة السياسة، وقد رصدت هذه المحاولات وانتقدتها ورأيت فيها محاولات أولية وجادة في أنسنة الثقافة العربية بشكل كامل.
* لماذا اخترت بعض الأسماء بالذات لتكون ضمن نماذجك الإنسانية؟
- لقد وضعت لنفسي مقياساً وسرت عليه والتزمت به في اختيار النماذج الإنسانية ومن شروط هذا المقياس توفر الحداثة والامتياز الفكري. لقد وجدت أن هناك الكثير من الأيقونات الإنسانية التي تنطبق عليهم هذه الشروط إلا أنه كان علي أن اختار فاخترت، وقد جاء اختياري لتوستوي مثلا لأنه نادى باللاعنف وأدخل هذا المفهوم للرواية الروسية، وجاء اختياري لغاندي لأنه طبق اللاعنف في المقاومة السلمية التي أخرج من خلالها أكبر امبراطورية قديمة من بلاده، بينما جاء اختياري لجبران خليل جبران لإدخاله مفاهيم جديدة للأدب العربي، وكذلك طه حسين الذي أدخل المنهج العلمي الشكي في دراسة الأدب العربي ولكونه نزع صفة القداسة عن هذا الأدب، أما مارتن لوثر كنج فقد اخترته بناء على دفاعه عن الحقوق المدنية للسود في أميركا والذي أثمَرَ أخيراً بانتخاب أول رئيس أسود لأميركا، وكذلك نلسن مانديلا لكونه أيقونة للمقاومة الشريفة في العالم وماركيز لإبداعه في رواية "مائة عام من العزلة" وادخاله الأنسنة إلى آداب أميركا الجنوبة بالذات والارتفاع بها لتكون جزءاً من الأدب الإنساني الرفيع.

التعليق