وصفة لحل مشكلة الدواء في الأردن

تم نشره في الأربعاء 20 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً

عمان- تعاني غالبية الأسر من وجود مريض، على الأقل، يشكو من مرض مزمن مثل؛ الضغط أو السكري أو أمراض القلب والكولسترول، وإذا ما علم المرء أن تكلفة علاج الأمراض المزمنة تفوق 70 % من كلفة القطاع الصحي، وأن الدواء يعد حجر الأساس لعلاج هذه الأمراض، فيجب إدراك أهمية توفير الدواء لهؤلاء المرضى.
وبسبب ارتفاع تكلفة الكثير من الأدوية، وبما أن الكثيرين لا يستطيعون تحمل تكلفة الدواء الذي ينفقون عليه شهريا مبلغا لا بأس به، فإنهم قد يتوقفون عن أخذه أو قد يأخذونه بشكل متقطع، ما يعني استفحال المرض، وحصول مضاعفات تتوجب علاج أكثر كلفة مثل؛ غسيل الكلى لمرضى السكري وعمليات القلب المفتوح لمرضى القلب وغيرها، ما يكلف المواطن والمجتمع أضراراً صحية ومادية كبيرة، ولحل هذه المعضلة، لا بد من اللجوء إلى الدواء العلمي (Generic Drugs).
ويعرف الدواء العلمي بأنه التركيبة الكيميائية الفعالة لأي دواء، وكما هو معروف، فإن معدل تكلفة دواء جديد يطرح في الأسواق يعادل حوالي 100-800 مليون دولار ينفق معظمها في الدراسات والبحوث والتسويق، ولتعويض شركات الأدوية، فإنها تمنح حماية ملكية فكرية بمعدل 10 سنوات من تاريخ طرحه في الأسواق، بعدها تستطيع أي شركة أن تقوم بإنتاج التركيبة العلمية نفسها تحت اسم تجاري مختلف بتكلفة أقل كثيرا، على أن تكون فعاليته وامتصاصه في الجسم يفوقان ما نسبته 80 % من الدواء الأصلي.
وفي أيلول (سبتمبر) العام 2006، قامت شركة ولمارت، التي أنشأها سام والتون في العام 1962 في ولاية أركنساس؛ إحدى أفقر ولايات أميركا وكان مبدأها البيع بأرخص من الجميع والاعتماد على البيع الكثير، واليوم هي أكبر شركة خاصة في العالم وأكثر من يوظف مواطنين أميركيين بعد الحكومة الفيدرالية، قامت بإحداث زلزال في قطاع الأدوية، حيث قامت بتوفير العديد من الأدوية العلمية بسعر 4 دولارات لشهر من العلاج و10 دولارات لثلاثة أشهر، والآن يتوفر أكثر من 350 دواء وبالسعر نفسه يستخدم لعلاج معظم الأمراض الشائعة، وفي غضون أشهر، أجبرت العديد من سلسلة الصيدليات الكبرى؛ مثل CVS وWalgreens على تقديم عروض مشابهة، علماً أن سعر الدواء في الولايات المتحدة يعد الأعلى في العالم، و85 % من المواطنين مؤمنون صحيا.
لقد اقترنت الخصخصة واقتصاد السوق الحر في عقل المواطن الأردني برفع الأسعار، مع أن المنافسة الحرة يجب أن تؤدي الى تحسين الخدمة أو السلعة وتخفيض الأسعار، فلماذا لا يحدث هذا في الأردن؟
تكمن المشكلة في أن الكثير من شركات الأدوية المحلية تقوم بتسعير الدواء بأعلى سعر ممكن كي تتمكن هذه الشركات من ترويجه عن طريق المحاضرات والرحلات وما يسمى "البونص" للصيدليات، وهي عبارة عن كميات إضافية مجانية تعطي حافزاً للصيدلية لبيع هذا الصنف بالذات؛ إذ تكون نسبة الربح للبونص 100 %، فالدواء نفسه الذي يطرح في العطاء بأقل من دينار يباع في الصيدلية مثلاً أضعاف ذلك، والنتيجة مثلاً أن 10 أدوية أردنية من الصنف نفسه وبفرق سعر بسيط عن الدواء الأصلي لا يقنع المرضى بشرائها ولا الأطباء بوصفها، وهي لا تقدم أي قيمة مضافة بل هي من أعلى الأسعار في المنطقة.
لقد أصبح الدواء العلمي يشكل أكثر من 70 % من كل الوصفات الطبية مما يوفر سنوياً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي 70 بليونا و30 بليون دولار على التوالي.
ورغم أن معظم السلع ارتفع سعرها في العالم خلال الأربعة أعوام الأخيرة بشكل كبير، إلا أن أسعار الأدوية كانت نقطة مضيئة؛ حيث انخفضت حوالي 1 % بسبب توفر الأدوية العلمية بشكل رئيسي، وإذا ما عرف المرء أن تكلفة الدواء تفوق ما نسبته 30 % من تكلفة القطاع الصحي، الذي بدوره يعادل حوالي 10 % من إجمالي الإنفاق العام للدولة، فإنهم يدركون حجم التوفير على المواطن والحكومة معاً، بالإضافة إلى تجنب مضاعفات المرض غير المعالج، وفي الغالب، فإن ارتفاع سعر الدواء سبب رئيسي في عدم أخذ المريض للعلاج، فضلا عن أن معظم المستفيدين من هذه الأدوية هم من ذوي الدخل المحدود وغير المؤمنين صحياً.
وأظهرت دراسة حديثة أن 30 % من الأردنيين يستدينون أو يبيعون ممتلكاتهم كي يسددوا ثمن الأدوية، وأن التوفير الناتج عن شراء الأدوية الأرخص ثمناً يمكن أن يساعد على شراء دواء أكثر كلفة وغير متوفر علمياً، والخبر السار هو أن معظم الأدوية الأكثر مبيعاً في العالم باتت اليوم متوفرة علمياً وبقية هذه الأدوية ستصبح متوفرة في غضون سنتين.
ومن الجدير بالذكر أن الحديث هنا ليس عن دعم حكومي للأدوية ولا عن فرض تسعيرة للأدوية بل عن قطاع خاص قائم على الربح وقابل للاستمرارية ويوفر خيارات وبدائل للمرضى، كما أن الحديث عن هذا الدواء العلمي لا يعني السباق نحو القاع من ناحية السعر على حساب الجودة، بل حان الوقت لمعادلة تحفظ حقوق الجميع حتى لا يكون المواطن هو دائماً الخاسر الأكبر.
كما أن إلغاء ضريبة المبيعات على الأدوية سيخفض من سعرها بنسبة 4 %، أما عند استعمال الدواء العلمي، فإنها ستنخفض ما يزيد على 85 %، وإذا كانت الحكومة غير قادرة أو راغبة في حل هذه المعضلة، فعليها، على الأقل، ألا تقف عقبة في طريق الإصلاح مثل؛ تسهيل تراخيص الأدوية العلمية منخفضة الثمن التي قد تستغرق أكثر من عام في إجراءاتها الروتينية، فتأخير العلاج يساوي الحرمان منه.
أما بالنسبة لشركات الأدوية المحلية، فإن لم تبادر فوراً في حل هذه المشكلة، فإن نظام السوق الحر سيقوم باستبدالها بشركات تقوم ببيع الأدوية بسعر منطقي؛ لأن الديمقراطية الحقيقية لا تكون حصراً على يوم الانتخابات، فالمواطن الفاعل يشارك كل يوم في الحراك الاجتماعي وبمختلف القطاعات، والقطاع الصحي ومؤسساته موجودة لخدمة المريض وليس العكس.
الدكتور نادر خلوق حجازي
اختصاصي الأمراض الصدرية
 وأمراض النوم

التعليق