"موت افتراضي" يصيب مظفر النواب وينفيه أن "لا خبر يجيء من العراق"

تم نشره في الأحد 10 نيسان / أبريل 2011. 03:00 صباحاً
  • بورتريه للشاعر مظفر النواب بريشة الزميل إحسان حلمي-(الغد)

زياد العناني

عمان - تداولت صفحات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" نبأ وفاة الشاعر العراقي مظفّر النوّاب "بعد صراع طويل مع مرض السرطان"، لكنّ الخبر الذي بقي خارج وسائل الإعلام، ومجرّداً سوى من استناده إلى مقاطع شعرية من قصيدته المعروفة "رحيل"، ظلّ غير قابل للتصديق فـ"لا خبر يجيء من العراق".
ولم يتمّ تأكيد نبأ وفاة صاحب "القدس عروس عروبتكم" الذي يقيم في العاصمة السوريّة منذ نحو ثلاثين عاما، وبقي الخبر "موتاً افتراضيا" في عالم إلكتروني يجهله الشاعر الذي ولد بجانب الكرخ في العام 1934، لأسرة ثرية أرستقراطية، تتذّوق الفنون والموسيقى وتحتفي بالأدب. 
بيْدَ أنّ الموت (الذي ظلّ في المقابل معلقا من دون نفي مقرّب من النواب) تمّ تداوله عبر الصفحات الإلكترونية بوصفه "حقيقة مُغيّبَة"، تضاف إلى ما غاب من الشاعر، المعروف بنقده السياسي اللاذع، بفعل الأنظمة السياسية، وبفعل حياته التي تمتعت بجرأة أسست في الهامش مجرّة كاملة من العصيان.
ما استراحت ذات الشاعر التي وُصفت من قبل النقاد بـ"الظاهرة التي لم تجد لنفسها فاصلا بين  الشعبي والسياسي والأيديولوجي والشاعر المشغول بكتابة القصيدة المغامرة بكلّ انشغالاتها"، فبقي حضوره الدائم ضمن الشعراء الملتزمين بقضاياهم وبوترياته الليلية، وسفينة حزنه التي لا تغرق إلا بالدموع، وما سجّلته من تحرّك بين الماضي والواقع، لتعبّر عنه في صورة يتضافر فيها القديم والواقعي، لإنتاج رغبته التثويرية.
ربما لم يرحل النواب! ويكون الخبر مجرّد إشاعة تختبر الموت الفيزيائي لجسد عاش في المنفى وتخطى الحكم بإعدامه، وظلّ يمشي في خرائط نقد تشردها بقاموس لغوي مختلف، لجأَ إليه ولم يعتذر، ليكون قربيا من قوّة الوصف الذي أحاط بالذلّ العربيّ والقمع الذي جعل من أبياته رصاصات موجّهة ضدّ الدكتاتورية.
في أثناء دراسته بالصف الثالث الابتدائي اكتشف أستاذه موهبته الفطرية في نظم الشعر وسلامته العروضية، وفي المرحلة الإعدادية أصبح ينشر ما تجود به قريحته في المجلات الحائطية التي تحرر في المدرسة والمنزل كنشاط ثقافي من قبل طلاب المدرسة.
تابع دراسته في كلية الآداب ببغداد في ظروف اقتصادية صعبة، حيث تعرّض والده الثري إلى هزّة مالية عنيفة أفقدته ثروته، وسلبت منه قصره الأنيق الذي كان يموج بندوات ثقافية، وتقام في ردهاته الاحتفالات بالمناسبات الدينية والحفلات الفنية على مدار العام.
في العام 1963 هرب إلى إيران عن طريق البصرة، إلا أنّ المخابرات الإيرانية في تلك الأيام (السافاك) ألقت القبض عليه وهو في طريقه الى روسيا، حيث أُخضع للتحقيق البوليسي وللتعذيب الجسدي والنفسي، لإرغامه على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها ثم سلم إلى الأمن السياسي العراقي، فحكمت عليه المحكمة العسكرية هناك بالإعدام، إلا أن المساعي الحميدة التي بذلها أهله وأقاربه أدت الى تخفيف الحكم القضائي إلى السجن المؤبد ثمّ أطلق سراحه فغادر بغداد الى بيروت في البداية، ومن ثم إلى دمشق، وراح ينتقل بين العواصم العربية والأوروبية.
واستقرّ به المقام أخيراً في دمشق، إلى أنْ أعلنت الحكومة العراقية عن إقامة تمثال له في مدينة الكاظمية وسط شارع النواب، لكنه رفض العودة إلى بلده المحتل على متن طائرة خاصة وفضل أن يكرر:
"هذي الحقيبة عادت وحدها وطني
ورحلة العمر عادت وحدها قدحي
أصابح الليل مصلوباً على أمل
أن لا أموت غريباً ميتة الشبح"
وسواء رحل النواب أو شبّه لهم سوف، نسأل أليس غريبا أن لا يعرف الموت بنفسه وبشاعر بحجم الفضيحة شتم النظام العربي، ورأى أنّ الشعر نوع من المصالحة مع العالم بمقدار ما هو غضب فيه نوع من المحبة والدعوة إلى الآخرين، وأنّ على الشاعر أنْ يعبر التجارب اليومية ويتحمل مصيره، مؤمناً أنّ الشاعر الذي لا يتحمّل مصيره ينتهي، فلا عجبَ أنْ يموت شاعر قال :"سيدتي إني الميت جداً" ولا عجب إنْ عاش مَن يقول:
 "مضت السنين بدون معنى
 يا ضياعي
 تعصف الصحرا وقد ضل الدليل
لم يبق لي من صحب قافلتي سوى ظلي
 وأخشى أن يفارقني
 وإن بقي القليل
 هل كان عدلا أن يطول بي السُّرى
 وتظلّ تنأى أيها الوطن الرحيل
كأنّ قصدي المستحيل".

zeyad.anani@alghad.jo

التعليق