هاشم غرايبة: أنا مدين للسجن بثقافتي

تم نشره في الأربعاء 23 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً
  • هاشم غرايبة: أنا مدين للسجن بثقافتي

صاحب "الشهبندر" يلقي شهادة إبداعية في منتدى شومان

جمال القيسي

عمان- وصَفَ الروائي هاشم غرايبة إشكالية شهادته الإبداعية "بأنها تكتب في الزمن الجديد، تحديدا زمن ما بعد محمد بوعزيزي"، معتبرا الوقائع الراهنة تأبى إلا أن تشعل روح هذه الشهادة التي ترتكز إلى كتابة كتبت في زمن آخر.

وقال "أول من شق عصا الطاعة أوقد ناره خارج مضارب القبيلة، وضع أسسا لمجتمع جديد، وآخر من جمع كل الصيد في جوف الفراء يذكرنا بـ(دون كيشوت) الذي عبر عن أفول مرحلة بأسرها من دون أن يدرك شكل القادم الجديد".

وأضاف في الشهادة التي ألقاها في منتدى عبدالحميد شومان أول من أمس وأدارها د.أحمد الخطيب "(دونكيشوتنا) المعاصر جبار قوي يتخبط في متاهة البحث عن نقاط القوة خارج منطق العصر فينهك شعبه ويهلك نفسه. إنها (خفة الكائن التي لا تحتمل) التي تجبر الجمل أن يلج في سم الخياط"!

وشكر غرايبة التكنولوجيا التي "بلبلت الألسن من جديد؛ فانشغلت خانات الإنترنت، وشاشات التلفاز، وأقراص الكمبيوتر، باستنبات حكايات جديدة"، واصفا بطل الحكاية القديمة بأنه كان "محاطاً بهالة من نور. يكلل بالغار، يجسد المهابة والجلال".

وتابع "الحكاية الجديدة لا تحتمل البطولة المطلقة، ولا تبحث عن القائد الملهم، بل هي كاريزما تعدد القيادات، والاعتراف بتنوع الجماعات".

واستطرد "لعل النص الجديد الذي له حق المثول في تاريخ الأدب اليوم هو الحدث كما هو، بعيدا عن التحليلات المنطقية والتنظيرات الرصينة، الحدث كما هو خارج منطق التاريخ الرسمي، وخارج خانات الإنترنت وشاشات التلفاز وأقراص الكمبيوتر ونبض الاتصالات السريع.. ليس المقصود أي حدث، بل الحدث الذي يشكل طفرة في رؤية الإنسان للكون والحياة".

وأشار الى أن "ثمة أرضا أخرى أجمل. وأعتقد أنني لكنتُ فضّلتُها، ولكني هنا وُلدت. رائحة حليب وعشب. رائحة زيتون وخبز. رائحة النعناع والزعتر مخبأة في ثوب أمي. هذا هو الوطن: صوت أذان الفجر. وزقزقة العصافير وشقعة المزراب".

وأضاف "جدي قاص ماهر، نقلني من دون مقدمات إلى عالم شاسع مليء بالطير والجن والحيوان والشجر والجبل والرمل والغيلان والملائكة والشياطين والناس والنار والماء وبريق الذهب! ليس مهما أن يكون جدي قال ذلك فعلا، لكنه علمني أن كل الأشياء لها أرواح وأقوال وأفعال وروائح وظلال تتمازج وتفترق متجلية ومجلية وحدة الكون وسر الوجود".

ووصَفَ قريته حوارة بأنها التي علمته "(الندّية) من دون استعلاء على ضعيف، ولا خنوع لقوي. وقال: "جسدي مليء بجراح الطفولة التي منحتني إياها الندية مع الكائنات. كائنات مثلي عشت معها في وحدة صراع واحترام متبادل"، مسترسلا بأنَّها "مكان الغولة القاطنة في مغارة "الحبوبة، ومقام الخضر المحاط بالرهبة والغموض. المشنشل بالأماني السرية على شكل شرائط خضراء".

واستذكر "صخرة حارقة على حافة البركة الكبيرة ونساء يغسلن الصوف على حافة البركة، وأسراب طيور أبي سعد المهاجرة تحوم في الأفق، ودواباً تلوح أذنابها بغبطة، وهواء ملفحاً بالشمس وباعثاً روائح اللبن والخزامى، ومرجعاً صدى زعيق الغربان، وهديل أسراب الحمام وهي تشكر رازقها". وكشف "من خليط الروائح والأصوات والصور تلك ولدت كتبي الأولى؛ هموم صغيرة، بيت الأسرار، عدوى الكلام".

وعاد الى بغداد التي نشر قصته الأولى فيها في مجلة "الثقافة الجديدة" حيث كانت بداية "تورطه في مهنة الأدب وتعلقه بالأحلام الخصبة، واكتشافه أن أحلام الناس مثل أرواحهم لا تشيخ أبدا. الأحلام والأرواح تقف على خط بداية واحد وهي على أهبة الانطلاق بكامل لياقتها غير آبهة بحسابات الزمان والمكان والقدرات".

وكشف عن أنه" بلا هوادة اندفعت منافحاً عن أحلامي الخاصة والعامة. كان حلم جيلي تحرير فلسطين والوحدة العربية، والاشتراكية. لكن مساحة الحلم دائما أكبر من مساحة الواقع"، متابعا "ومتطلبات الروح حتما أكثر من إمكانات الجسد.. تعلقي بالماركسية دفع بي إلى السجن لكني خضت التجربة متسلحاً بالخبرة وما اختزنته الروح في الأعماق".

ووصف علاقة السجين بالسلطة بالزمن "في السجن تستطيع أن تعاند السلطة.. تستطيع أن تحتال على المكان.. لكنك أبدا لن تستطيع أن تعاند الزمن. الزمن هو أنت"، لافتا إلى أنه في السجن "تعلم الانتظار والتفكير والصبر وعدم التأسف على ما فات، مدركا مبكرا أنه يقف في الصف الخاسر لفتات العيش الرغد"، حيث جرب أسوأ أنواع العيش.

واعتبر أن الحياة كانت "ألقة وجميلة دائما، وتستحق أن أقاوم من أجلها، وأناضل في سبيلها، وأتشبث بها، وأمتص رحيقها المسكر. الأحزان تأتي إليك من تلقاء نفسها، أما المسرات فينبغي أن تذهب لقطافها بيدك".

واستحضر حالة تشكل الثقافة في سجن المحطة، مبديا تلهف السجناء "لقراءة الكتب الثورية"، مبينا أن المتاح (بهدف الإصلاح) هو "كتب التراث أو كتب باللغة الإنجليزية! فتجاور سيرة ابن هشام مع أعمدة الحكمة السبعة، وشيبوب مع النورس جوناثان. واختلط الغزالي مع ابن رشد وواصل بن عطاء مع أحمد بن حنبل وقرأنا محمد عبده والطهطاوي وغيرهم.. فرصة نادرة وممر إجباري نحو التراث والموروث، والوقت كافٍ لأكثر من هذا معلنا"، متابعا "أنا مدين للسجن بثقافتي".

وأرسل غرايبة السؤال الجريح الى كبد كل مبدع وفنان، في نهاية شهادته متسائلا "هل الفن عديم الجدوى، على الأقلّ عند مقارنته، لنقُل، بعمل السَّمكري، أو الطبيب، أو النجار، أو المهندس.. ولكن هل هذا أمرٌ سيئ؟..هل الافتقار للغرض العَمَلي يعني أنَّ الكتب واللوحات الفنيّة والآلات الموسيقيّة هي ببساطة مضيعة لوقتنا".

وضمد الجرح مجيبا "الكثيرون يعتقدون ذلك. غير أن "اللاجدوى" نفسها هي التي تمنح القيمة للفن والأدب، وأن فِعْلَ الفن بمعنى إنجازه هو ما يميّزنا عن بقية المخلوقات التي تقطن هذا الكوكب، وهذا هو، تحديداً، ما يجعل منا كائنات إنسانيّة".

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هاشم غرايبة وثقافة السجون (أبراهيم غرايبة)

    السبت 28 حزيران / يونيو 2014.
    هاشم ألقاص لعدة أعمال ناجحة ومتألقة أعتمد على ألتراث ووظفه بجمالية راقية جدا وأدخل مصطلحات شعبية الى ألأدب ألأردني, كدلك استطاع هاشم في تسخير ألأردنية ان جاز لنا التعبير في جل اعمالة وهو من يستخدم اسلوب سردي تشويقي مثير, في طريقة السرد باسلوب الفلاح المتمدن العارف والمتمكن للطرفين وفهمه لهم, كدلك استطاع هاشم ان يحول وجودة في سجن المحطة الى نزهة ودلك بأغتنامة الوقت بالعمل على تثقيف نفسة والتعلم من ما هو موجود وقدم اهم عمل مسرحي على مسرح السجن واستغل الجزء الاخر من الوقت في التهام كتب مكتبة السجن وما تقع يدة على كتاب او منشور تم تهريبة الى الداخل مما زاد في ثقافتة ايظا هو وجودة بين افراد دخلت الى السجن لأسباب عديدة ومختلفة ومن خلفيات متعددة ولهم معاناة قد تتساوى انسانيا هاشم استوعبها واحتواها واستطاع ان يسخرها في أعمالة, الكثير من مميزات اعمال هاشم لم ادكرها وتحتاج الى مساحة اكبر ومكان اوسع, اللة يعطيك الصحة ابن العم ومزيد من النجاح والتألق.
  • »جميل (ابوكريم)

    الأربعاء 23 آذار / مارس 2011.
    الجمل الفلسفيه الموجودة في هذا المقال جميلة وعميقة جدا وطريقة سرد المقال سلسه. الكاتب والمكتوب عنه قديرين