قطرة في بحر

تم نشره في السبت 19 آذار / مارس 2011. 02:00 صباحاً

اليكس فيشمان

 

يديعوت احرونوت

لم يُضع الساسة أي عدسة تصوير، وحاول الإعلام أن ينتج مشهدا لا يستطيع التحليق، لكن لا وقت للاحتفال عند تلك الأدمغة الخلاقة التي دفعت الى الأمام بالاجراء الاستخباري الناجح وأفضت الى وقف ارسالية الصواريخ فوق السفينة "فيكتوريا".

ترى الاستخبارات ان هذا الامر كان سدا لصدع واحد فقط ومعركة واحدة اخرى لحرب واسعة كالبحر اذا لم نشأ المبالغة.

ينبغي ان نفترض انهم الآن يجلسون في غرف مغلقة ينبشون أكوام المواد التي تجمعت منذ بداية العملية ويحطمون رؤوسهم: كم من الناقلات التي تحمل السلاح الى غزة استطاعت المرور في مسار التهريب الذي تم الكشف عنه هذا الاسبوع؟ وما الذي فات أيدينا؟ وأين نجح العدو في ان يسبقنا في التفكير؟.

وكلما أرجعوا الشريط الى الوراء أخذت بسمات الرضى تُمحى. تم الكشف فجأة عن الثقوب في الصورة. وعلامات السؤال تصبح علامات تعجب. بدأوا يدركون لماذا ظهرت سفينة معينة في مسار معين وفي توقيت معين، من غير ان يكون لذلك تفسير منطقي آنذاك. وعندما تصبح الصورة أكثر وضوحا يتبين على نحو عام ان سلسلة تهريب السلاح الايراني كانت أكثر إحكاما وفاعلية مما كان يبدو.

المال هو آخر مشكلة عند "قوة القدس" التابعة للحرس الثوري الذي يستعمل شبكات التهريب، لا يوفرون من رشوة الموظفين في الموانئ والمتعاونين من قوى الامن المحلية سواء كان ذلك في ميناء الاسكندرية أو مالطا أو نيجيريا. ولا يبخلون في اختيار السفن وانشاء شركات وهمية تتبخر بعد ان تتم صفقة السلاح، بتزوير وثائق الشحن.

كشف مركز المعلومات للاستخبارات والارهاب على اسم مئير عميت منذ زمن قريب عن انه عقب العقوبات التي فرضت على شركتي الملاحة الايرانيتين الكبيرتين (اتش.دي.اس) و (آي.آر.آي.اس.ال) بدأت طهران تستعمل شركات ملاحة اوروبية ودولية لنقل ارساليات سلاح من غير ان تعلم هذه الشركات بمحتوى الشحنات الحقيقي. ولا تعلم الشركات ايضا ان التي تستدعي خدمات نقلها هي شركات وهمية تعمل في خدمة الارهاب الايراني.

فعلى سبيل المثال، في آب 2010، كشف الايطاليون على ظهر سفينة ايطالية جاءت من ايران عن سبعة أطنان من المواد المتفجرة من نوع (آر.دي.اكس) متجهة الى حزب الله. كُتب في ورقة الشحنة ان الحاوية تحمل مسحوق حليب.

كانت وجهتها بالمناسبة ميناء اللاذقية في سورية. وكما في حالة "فيكتوريا" حقا – وهي سفينة تملكها المانيا ويستعملها فرنسيون وتحمل علم ليبيريا – كانت السفينة الايطالية ايضا متعددة الجنسيات: فالمالك يوناني والمستعمل ايطالي، وكل ذلك تحت علم ليبيريا.

الحديث في ظاهر الامر عن جهات تجارية استأجرت خدمات شركة ملاحة لنقل شحنة. اذهب الآن فاحفر وبيّن ما هي هذه الجهة التجارية وما الذي ترسله حقا والى أين. إن عشرات آلاف الحاويات تتناقل بين الأيدي، فاذهب واضبط حاوية واحدة معينة تم اخفاؤها جيدا.

هذه هي العبقرية الاستخبارية

إن تعقب السفن وأعلام السفن وشركات استعمال إشكالية وتعقب ما يحدث في احواض السفن والموانئ، وجمع معلومات عن صفقات شراء بحرية ومسارات ملاحة، كل ذلك من عمل الاستخبارات البحرية. وكما ان التحركات في سماء المنطقة تقع تحت رقابة سلاح الجو فان الرقابة على ما يحدث في البحر المتوسط وفي البحر الاحمر وفي اماكن اخرى مائية يتم على يد سلاح البحرية.

عندما يتم الفحص عن مسار تهريب، اللاذقية – تركيا – الاسكندرية – غزة، يحسن ألا نتعجب اذا تبين انه في مقابل كل حاوية سلاح ضبطت هذا الاسبوع مرت خمس بل عشر لم تضبط.

تبين حتى بعد ان ضبطت السفينة القبرصية "فرانكوب" التي خرجت في تشرين الثاني 2009 من مصر الى سورية وعليها 500 طن من الوسائل القتالية، تبين بعد ذلك انه مر في هذا المسار مئات من حاويات السلاح الى حزب الله حتى تم الكشف عن ذلك.

وأنت تعلم انه سيفتتح فورا مسار جديد، فما ان تسد خرقا حتى يجب الاستعداد لخرق جديد وسفن جديدة وشركات وهمية جديدة ومسارات جديدة وعملاء جدد. حرب استخبارية لا تنتهي يمكن ان تصبح عنيفة ايضا. قد أُبلغ أكثر من مرة عن سفن مهربين اختفت في البحر الاحمر ببساطة.

العودة الى المبحوح

كل كشف عن شبكة تهريب تجعل الايرانيين يقفون للتفكير. ويجرون هذا التوقف من اجل محاسبة النفس والاستعداد من جديد في الأساس وبخاصة وهم يشعرون بأنه يُستعمل ضغط دولي: عسكري أو سياسي أو استخباري.

عندما تعمل اساطيل غربية عملا ناجعا عند مدخل البحر الاحمر مثلا أو عندما يكشف المصريون عن استعداد لمواجهة المهربين على ارض مصر وفي سيناء وفي الحدود مع السودان.

يوجد إسهام لتجنيد اميركا نفسها في محاربة التهريب في الاماكن التي لا تستطيع اسرائيل وصولها. كان انزال الطائرة الايرانية التي حملت سلاحا الى دمشق فوق تركيا نتيجة ضغط استعملته الولايات المتحدة. عندما توجه الاميركان الى أنقرة وعرضوا عليها مادة استخبارية موثقة لم يكن للاتراك خيار سوى المس بحليفتيهم الجديدتين سورية وايران. لانه عندما يجب على اردوغان الاختيار بين مصلحته في ان يصبح جزءا من حلف شمال الاطلسي وبين مصلحته في التعاون مع ايران التي تقع تحت عقوبات، يختار الخيار الاول.

خطوط الطيران المدني هي مسار تهريب معروف. تملك اسرائيل قدرة أقل على العمل في مقاومته. بحسب مركز المعلومات للاستخبارات والارهاب، استعمل الايرانيون في 2009 رحلات جوية لشركة الطيران السودانية "بدر اير لاين"، لنقل ارساليات سلاح الى قطاع غزة في مسارين. الاول من ايران مرورا بعُمان والعربية السعودية ثم الهبوط في السودان. والثاني: من ايران الى سورية ومصر ثم الهبوط في السودان.

لا تستطيع اسرائيل ان تعمل في مواجهة طائرات مدنية تطير في سماء الدول العربية، لكن سبق ان حذرت الولايات المتحدة عدة مرات السودان وعُمان والسعودية واليمن أنها تنقض قرارات مجلس الامن التي تمنع ايران نقل وسائل قتالية ما، عندما تُمكّن من هذه الرحلات الجوية في سمائها.

هذا ما حدث مع تركيا ايضا عندما حاول الايرانيون الفحص عن مسار جوي آخر، وأحبطته استخبارات غربية ما.

بعد وقف سفينة "فرانكوب" وبعد اغتيال محمود المبحوح في دبي ايضا حدث توقف لنحو من سنة في محاولات تهريب السلاح من ايران عن طريق البحر الاحمر الى السودان. لكن هناك بديل لكل شيء، حتى المبحوح.

وفي الاسبوع الماضي فقط، في ذروة الاحداث في مصر أبلغ المصريون انهم نجحوا في وقف قافلة مهربي سلاح من السودان الى سيناء.

يتبين ان الفوضى هناك ليست قيدا بل فرصة على الخصوص، والايرانيون يضغطون على الدواسة – في مجال التهريب وفي ادخال عملائهم وتحويل اموال ووسائل الى جهات اسلامية مسلحة.

لكن المسار البحري الشمالي، للتهريب عن طريق موانىء سورية لم يُنه عمله. في الشهر الماضي زار دمشق قائد سلاح البحرية الايراني، الذي اعلن بأن ايران تنوي ان تنشىء قاعدة لوجود اسطولها الدائم في ميناء اللاذقية.

قيل هذا الكلام في اثناء الزيارة، الاولى من نوعها، للسفينتين الحربيتين الايرانيتين لميناء اللاذقية، وهذا الاحتضان الذي أخذ يقوى ليس صدفة. الايرانيون يصمون السوريين على عمد من اجل ضمهم الى سفينة المجذومين. يؤمن الايرانيون بأن هذا سيجعل تعلق سورية بهم مطلقا.

صدرت عن الادميرال الايراني هناك جملة غريبة اخرى. فقد زعم ان وجودهم في البحر المتوسط يرمي الى "محاربة القراصنة". في المعجم الايراني؛ القراصنة هم اسرائيل ويدل ذلك على مسار التفكير وعلى المصلحة الايرانية التي هي الدخول برجل ثقيلة في كل الدول العربية.

إحدى الطرق الواضحة لذلك تعزيز الجهات المسلحة في هذه الدول الى جانب تعزيز حماس والجهاد الاسلامي في غزة. يتعلق هذا تعلقا غير قليل بمشروع تهريب السلاح، والوجود العسكري في البحر المتوسط ضروري من اجل ذلك.

العائلة أصبحت جيشا

لا يوجد أي يقين من استمرار الاهتمام الذي ستبديه حكومة مصر الجديدة بمكافحة التهريبات في سيناء، كما انه ليس واضحا حقا ماذا ستكون سياستها نحو سلطة حماس. الآن يعمل معبر رفح على صورة معبر انتقائي للسلع والناس لكن حماس تضغط لفتح المعبر للحركة الحرة ولانشاء حدود مفتوحة. قد تكون هذه نقطة امتحان السياسة المصرية نحو غزة.

في هذا الحين أدخلت مصر الى سيناء سبع كتائب لمواجهة المجموعات المسلحة التي أضرت بانبوب الغازومواقع اجهزة الامن المصرية (في هذه الاثناء يوجد أكثر من شك معقول بأن العملية في الانبوب نفذها ناس من عائلة دُغمش من القطاع يستترون وراء اسم "جيش الاسلام"). غير ان هذه "الكتائب" كما تبين ابتُلعت في الصحراء ولا يُعلم كيف جاءت قريبا من الانبوب.

المكان الوحيد الذي يظهر فيه المصريون سيطرة ما في السياق الاسرائيلي هو طول خط الحدود. في داخل سيناء على مبعدة 10 كم عن الحدود مع اسرائيل لا يوجد قانون ولا حاكم. ويبرز هذا بروزا خاصا في مركز سيناء، حيث أصبح جبل هلال وجبل يعلق منطقة مشاعا، ويُدير البدو هناك مملكة خاصة بهم.

ترسل حماس ايضا الى هناك رجالها ليتدربوا، وفي هذا احتمال انتاج عناصر للقذائف الصاروخية وتهريبها الى غزة، كي لا تُنتج في القطاع وتتعرض لخطر اصابتها من الجو. بعبارة اخرى، أصبحت سيناء ساحة غزة الخلفية وهناك تخبئ حماس أكبر كتلة من معداتها العسكرية، تلك التي تأتي من السودان والتي تُنتج في المكان ايضا الى أن يُحتاج اليها.

يحاول المصريون اليوم محاورة البدو في سيناء. ثمة تقارير عن لقاءات لضباط كبار مع رؤوس قبائل، وأُفرج عن بعض المحتجزين البدو الذين شاركوا في الاضطرابات ضد السلطات في العريش. لا تبشر خطوات المصالحة هذه الآن بتشديد القبضة في شأن التهريبات.

النتائج البينية للمعركة على التسلح الغزي هي ان التعزز مستمر مع تشويشات مؤقتة هنا وهناك. ربما يُحدث ضبط "فيكتوريا" وقفا قصيرا آخر لا أكثر.

التعليق