خليفة في إطلالة أميركية: يحاور الآخر بخطاب موسيقي راق ويستعيد شيئا من أناشيد الثورة

تم نشره في الأربعاء 16 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً
  • خليفة في إطلالة أميركية: يحاور الآخر بخطاب موسيقي راق ويستعيد شيئا من أناشيد الثورة

علي عبد الأمير

واشنطن- على الرغم من صورته شبه النمطية منشدا لأغنيات الثورة والحرية التي تكرست منذ نحو أربعة عقود، إلا أنَّ لمارسيل خليفة صورة موسيقية أخرى، تلك التي تنطوي في أعماله مؤلفا موسيقيا من طراز رفيع، بعيدا عن الغناء وعن تأويلاته السياسية المحدودة رغم أن صاحب فرقة "الميادين" لم يكن مأسورا بالإحالات السياسية المباشرة، وإنما ظل ملتزما الهاجس الإنساني والتوق إلى الحرية.

وصورته بوصفه مؤلفا موسيقيا، كانت برزت منذ أن كان طالبا في السنة الاخيرة بمعهد الموسيقى في بيروت، يوم كتب موشحا لم ينل معه امتياز النجاح الدراسي وحسب، بل مؤازرة أستاذه الموسيقار الراحل توفيق الباشا، كما حملت أعماله الانشادية والغنائية المطولة نسيجا حيا من روح التأليف الموسيقي، وهو ما ظهر جليا في عمله اللافت موسيقيا "احمد العربي" أو عمله الغنائي المطول "تصبحون على وطن".

وفي إطلالة السبت الماضي شهدها مسرح جامعة "جورج واشنطن" في العاصمة الاميركية، عزفت "اوركسترا بان اميركان السيمفونية" بقيادة سيرجيو اليساندرو بوسجي عمل "كونشرتو الاندلس" او "متتالية الاندلس" بالاشتراك مع مارسيل خليفة عازفا على العود وولده بشار ضاربا على الرق.

وبقدر ما كان العمل خطابا موسيقيا راقيا يفهمه الآخر عبر بنيته الموزعة أوركستراليا، كان ايضا روحا عربية صافية لا عن الاندلس بوصفها حلما ضائعا ومجدا غابرا، بل لكونها نقطة اتصال ثقافية وحضارية عربية مع الآخر الاوروبي الذي استفاد من تلك النقطة، وابتدأ منها مرحلته في الخروج الى عصور النهضة.

كما كان العمل عبر مؤلفه ابن عصرنا الراهن، رسالة عن قدرة الإنسان العربي على الاتصال مع الآخر، وتقديم صورة حية وفاعلة عن هذا الإنسان.

"متتالية الأندلس" او "كونشرتو الاندلس لآلة العود والأوركسترا" نوع من التحدي الذي تجاوَزَ فيه خليفة محاذير من نوع أن الآلة العربية والشرقية القديمة لا تستطيع برهافتها وفردانيتها ان تحاور اوركسترا سيمفونية كبيرة، ناهيك عن كونها، كما يشاع، غريبة عن الآلات المستخدمة في الاوركسترا، لكن براعة التأليف كما في عمل صاحب "أحن الى خبز أمي" تجاوزت مثل تلك المحاذير، لتقيم حوارا ثقافيا وإنسانيا مع الاوركسترا بمرجعياتها الغربية.

في "كونشرتو الأندلس" لآلة العود والاوركسترا، طاف خليفة عبر مجموعة من الأشكال الموسيقية العربية- الشرقية مثل: التقاسيم و"اللونغا" والموشحات، والغربية مثل "الفالس" و"الفلامنكو" وغيرها، ليصل الى توليفة غنية الإحالات تقدم صورة مشرقة عن الموسيقى العربية المعاصرة، وقدرتها على التأثير في الآخر والتفاعل معه، ودائما عبر حملها روحية الإنسان العربي في تطلعاته الثقافية القادرة عن اقامة حوار لم تنجزه لا سياسات ولا تحالفات ولا أفكار جاهزة ولا مؤسسات كانت تحمل عنوانا ضخمة فيما إنجازها بلا أثر واضح.

وفي حين أنجزت الموسيقى المجردة كما صاغها مارسيل خليفة في "كونشرتو الاندلس" خطابها الاتصالي مع الآخر، اختار صاحب اغنية "جواز السفر" أن ينهي إطلالته في واشنطن التي حضرَها جمهور غفير ناهز الألفي شخص، فيه للعرب الاميركيين حصة مهمة، بأن يغني اثنتين من اغنياته التي اتصلت بالشاعر الراحل محمود درويش، عبر استثمار يوم الحفل ذاته الذي صادف كما قال خليفة "عيد ميلاد صديقي ورفيق دربي الشاعر محمود درويش"، من دون ان يهمل الإشارة إلى تأييده لـ"الثورات والانتفاضات العربية في تونس، مصر، ليبيا، اليمن والبحرين وصولا الى فلسطين" التي جاءت متصلة مع حلم بالحرية للإنسان العربي ظل ينشدّ إليه طوال نحو أربعة عقود.

وفيما صمتت الأوركسترا السيمفوني حين بدأ خليفة العزف بمشاركة ولده بشار، والغناء لاحقا، تحولت مئات الحناجر من بين صفوف الجمهور الى كورال ضخم متعدد الطبقات الصوتية، حد أن مارسيل خليفة الذي غنى من قبل قصيدة "ريتا والبندقية" مئات المرات من قبل، لن ينسى طريقة الأداء المؤثرة لها في حفله بواشنطن، مثلما لن ينسى أيضا أن تلك الامسية كانت قدمته صاحب رسالة ثقافية عربية عميقة للآخر الغربي والأميركي تحديدا.

ali.abdulameer@alghad.jo

التعليق