غرافلين: نعيش في عالم أفرطنا فيه كثيرا بتثمين دور العقل على حساب الروح

تم نشره في السبت 12 آذار / مارس 2011. 03:00 صباحاً

مدني قصري

عمان - "الرجل والمرأة مختلفان، تقول لنا جويل دي غرافلين. عبر ملابسات رغبة وثورة أوّل رفيقة لآدم، تتناول الكاتبة لحظة مثيرة من لحظات اللاشعور الجمعي: اللحظة بالذات التي قرّرت فيها التقاليد الدينية القديمة، والنظام الأبوي الجديد، أن تسجن فيها همجية الرغبة الأنثوية، في غياهب الجحيم".

تطالب "الإلهة الهمجية" بأن تتخلص من الاستيهامات التي أُسقطت عليها، وأن تتخلص من التشويه اليهودي المسيحي الذي تعرّضت له طويلا. إنه موضوع جويل دي غرافلين Joëlle de Gravelaine التي كرست كتابها الأول لزوجة آدم الأولى. هنا نجد حقول اهتمام المؤلفة: ميثولوجيا، ورمزية، وعلم نفس الأعماق. ومن عادتها أيضا الانتقال بحيوية، وخفة روح، من النص إلى التحليل، ومن التعليق اللغوي، إلى السرد الشعري. كتابها "الإلهة الهمجية" يستعرض على التوالي، الأساطير الأنثوية المرتبطة بالخلق الأول، وكبريات الإلاهات الأسطورية، من أمهات، وساحرات، وملقنات أسرار خفية، وصولا إلى الحياة والموت، والبعث.

بعد مرور أربعين عاماً من الخبرة، تطرح جويل دي غرافلين، أول خلاصة لمجالاتها المفضلة التي يلتقي فيها، بشكل رمزي، الشعر والأسطورة، وعلم نفس الأعماق، حيث تصنع من "ليليث" (خادمة الخالق الوفية) موضوع دراستها الجديدة، من خلال كتاب في التنجيم والأسطورة، تحت عنوان "عودة ليليث: القمر الأسود"، الصادر عن دار "إسبيس بلو" (الفضاء الأزرق).

المحللة النفسية، والاختصاصية في علم الأبراج، جويل دي غرافلين، تختم بكتابها "الإلهة الهمجية"، دفاعها عن طبيعة الأنوثة. ففيه تروي أنّ الأرض مشكّلة على صورة الأم، إذ إن الأرض هي الأم، "مانيا ماتر" Magna Mater التي تمنح الحياة والموت، وسيدة الأشجار والحيوانات البرية، البدائية والروحية والخنثوية، والذئبة (أنثى الذئب) والأفعى، والخنزيرة والفرس. فهي تفضح موقف الإغريق غير الشريف إزاء الإلهات – من إلهة الحب عشتار عند البابليين، إلى أثينا، مرورا بـ إيزيس، وديمتير، وإريسكيغال-، واندفاعهم الشغوف لتحويل هذه الإلهات إلى أغوال شيطانية، وأمهات مُدمّرات مُهلكات، فارغات من كل نداء للحياة والبعث. وهو موقف مُبغض للنساء، كثيرا ما رعته وتعهدته فيما بعدُ، كل من التقاليد اليهودية والمسيحية. وكانت النتيجة أن الكثير ما تزال الرغبة الهمجية، والمتعة، وغريزة المرأة النمطية التراثية، تُربكهم إلى حد كبير. فهم يرفضون شرعية إلهة الأصول، ومن هنا فهم يرفضون دور المرأة في عالم اليوم.

تقول الكاتبة: "نوايايَ واضحة كل الوضوح. ففي كل النصوص المتعلقة بخلق الكون، هناك فكرة مسبقة ثابتة تتمثل في ملاحظة أنّ الرجال، أي الذكور، قد استولوا على السماوات مع المياه في الأعلى، مقابل المياه التي في الأسفل، وهي مياه أنثوية. لم لا؟ إن ما يزعجني حقا أنهم استطاعوا أن يقنعوا كل العالم، ومنذ آلاف السنين، بأن السماء أفضل من الأرض. لذلك تعمقت أكثر في هذه المسألة، في اتجاه تقمص الآخر، بالقول إننا نعيش في عالم أفرطنا فيه كثيرا في تثمين دور العقل، أي الذكورة، والفكر العقلاني، على حساب الروح والمحسوس، أي الأنوثة، وأننا على أي حال، نسير نحو الهاوية. فأنا عندما أدافع عن "إلهتي الهمجية" (الهمجية بمعنى الفطرة والغريزة) فإنني، ببساطة شديدة أدافع عن أنوثة بدائية، حقيقية، مخصبة، وحية".

نخال عند قراءة كتاب جويل دي غرافلين أن الكاتبة تعود بنا إلى عالم حيواني (غرائزي)، كأنه الفردوس القائم على الكمال الحيواني. في هذا الصدد تقول الكاتبة : "تُرى، ما هي الروح؟ إنها ما يجعلنا نغني، أليس كذلك؟ فلكي تكون ثمة روح لا بد من أن تكون ثمة غبطة وابتهاج! هل يوجد لدى الحيوان أو النبات غبطة وابتهاج؟ بداهة نقول: نعم ثمة غبطة وابتهاج عند الحيوان، وعند النبات أيضاً. لكنْ، ألسنا نستعجل الأمور عندما نقول إنّ الحيوان لا يملك وعياً تأملياً، أو ليس له روح؟ ففي نباح الكلب، أو في دعابة القط الشهوانية ثمة ابتهاج وغبطةّ!".

تقول جويل دي غرافلين إن الأنثوية شهدت صراعا ظل يسعى إلى إقصاء الرجل، بقوة الغيظ الشديد والكراهية، وهو ما ترفضه بكل قوة، إذ تقول: "موقفي هو كل شيء سوى الكراهية. إنني أنظر بكثير من الهزل إلى مطالبتهم بسماءٍ أفضل من الأرض، وأطالب في المقابل بالأرض لأنها ملموسة، ولأنها تعطي ثماراً. لكن لا أجدني، بأي حال من الأحوال، في حالة حرب ضد الرجال. وأكثر من ذلك فأنا أقف من أجل البعد الذكوري والأنثوي معاً في الكائن البشري، وهما البُعدان اللذان نجدهما في الإلهة الأم، وفي الحية (الثعبان)، والفرس، وغيرها. وفي هذا السياق تواظب قائلة: "إنّ ما أطالب به، هو الحق من أجل المرأة، في أنْ تعبّر عن رغبتها فيما هو أكثر حيوية في داخلها، ومن دون نفاق، وبالأحرى رغبتها الجنسية الفطرية، وحقها في الأمومة، من دون الصفات المزيفة التي يحلو للكثير أن يُزينها بها. مثلما أطالب بحق الرجل في أن يحقق جانبه الأنثوي الكامن في أعماق ذاته، أي ما اصطلح على تسميته في علم نفس الأعماق بـ "الأنيما" (كارل غوستاف يونغ). فالعالم يميل نحو نوع من البُعدين الذكوري والأنثوي عند الكائن، وهذا هو ما يمكن أن ينقذ العالم ويخلصه. البُعدان الذكوري والأنثوي، بالفعل، هما عبارة عن كيفية من كيفيات إقصاء الخوف من الآخر. ابتداء من اللحظة التي نعرف فيها ما الذي يحسه الآخر، ولماذا وكيف يحس بذلك الشيء؟ ساعتها فقط ستسقط الحواجز. إنّ ما يخيف هو الفرق - أي أبسط أشكال التمييز".

وفي سياق استعراضها لمطالبة الآباء اليوم بحصتهم في المسؤولية، في الحمل وفي الولادة، مع كل ما يتضمنه هذا من حب وجنس، ترى الكاتبة أنّ البُعدين الذكوري والأنثوي قادمان على الطريق، إذ تقول: "كان المحلل النفسي كارل غوستاف يونغ يقول دائما: "يجب أن يصبح من صار عجوزا، أُمّاً". هذا كلام جميل وصحيح. لماذا نظل كائنات منشطرة إلى اثنين إلى الأبد؟ كائنات ليس لها الحق في أن تكون في الوقت نفسه، عقلا وروحاً، وجنساً، وعُنفاً أنثوياً وذكورياً؟ إلهة الأساطير القديمة تنبسط كثيراً لهذا السبب، ولا سيما عشتار وهي إلهة الحب، ومُحارِبة معاً. لا شك أن هذا يُصدم التقاليد الذكورية، لدرجة أن هناك من يعترضون على وجود إلهة مُجسّدة للعنف والحرب، وفي آنٍ مجسّدة لشغف العشق. لكن، في النهاية، كل النساء خُلقن هكذا! وتتساءل الكاتبة مرة أخرى: "لكن لأي سبب (غامض) يكون للرجال الحق في أن يكونوا همجاً – أقصد الهمجية بمعنى الغابة وليس بمعنى التوحش؟ وبعد هذا، ظني أن التقاء الذكورة والأنوثة مرحلة لا ينبغي أن نتوقف عندها. فلنمرْ من هنا، ثم وفي النهاية، ليبقَ الرجل رجلا، والمرأة امرأة!".

في الجزء الثاني من كتابها تروي جويل دي غرافلين تجربة تعرضت لها في أحد المعابد في مصر، حيث أحسست بتشنجات ولادة، وقد أثارت هذه التجربة غبطة قوية في نفسها: "كنت قد ذهبت في رحلة إلى النيل. ووجدتني أزور دندرة، وبالتحديد سرداب الكنيسة في معبد إيزيس هاتور. وأمام الحائط، وبعد أن غرقت في العتمة، أحسست بتشنجات ولادة حقيقية. وتوجهت نحو حائط آخر، مغمضة العينين، فرأيت في داخلي قرون أتور، وأسطوانته الحمراء، مع الإحساس برقصٍ من الإلكترونات. بعد هاتين التجربتين علمتُ أنّ على هذين الجدارين كُتب على أحد الجانبين نصّ بالهيروغليفية، عن الميلاد الجسدي (المادي)، وعلى الجانب الآخر نصّ حول الميلاد الروحي. فالنساءُ وحدهن فقط من يستطعن أنْ يعشن هذه الأحاسيس. ربما لأنهن أكثر تفتحاً، وأكثر تهيئاً، بحصر المَعْنَى، لاستقبال هذه القوى، وهذه الطاقات الكامنة التي تفوقهنّ!".

madani.guesseri@alghad.jo

التعليق