صعود وسقوط جواز السفر الإسرائيلي

تم نشره في الثلاثاء 22 شباط / فبراير 2011. 10:00 صباحاً

 

 ناحوم برنياع -يديعوت

قلّة من الاشخاص خارج عالم الاعلام يعلمون بأنه منذ بداية الأحداث في مصر ترفض السفارات المصرية اصدار تأشيرات لمن يحمل جوازات سفر إسرائيلية. والتعليل هو أمني. زعم موظفي وزارة الخارجية المصرية هو ان الإسرائيليين يمكن ان يتعرضوا أكثر من الاجانب الآخرين للضرر الأمني، وعليه فمن الافضل ان يبقوا في وطنهم.

القرار المصري لم يمس مسا حقيقيا بحق الإسرائيليين في الحصول على معلومات حية، مشوقة وذات مصداقية من القاهرة، بالعبرية ومن وراء نظارات إسرائيلية. فالمراسلون الإسرائيليون الذين وصلوا إلى هناك، مزودين بجوازات سفرهم الاجنبية، قاموا بعملهم على نحو جيد، بمهنية، بشجاعة وباستقامة. الضرر الوحيد كان أصاب عزة اولئك الصحافيين الذين لا يملكون سوى جوازات سفر إسرائيلية، بمن فيهم كاتب هذه السطور. رأينا ميدان التحرير من الجهة الاخرى، ولكننا لم يكن بوسعنا ان نصل اليه.

يُخيل ان الموقف من جواز السفر الإسرائيلي يفصل بين الأجيال. في نظر الاسرائيليين الذين تربوا هنا في سنوات الدولة الأولى، كان جواز السفر الرد الصهيوني على المنفى. اليهود في المنفى يتنقلون بين ولاء وآخر، بين جواز سفر وآخر. أما الاسرائيليون فأفضل منهم: توجد دولة خلفهم، توجد جذور، يوجد وطن. من رتب لنفسه جواز سفر اجنبي كان مشبوها بغمز حقول الاجانب، بالولاء المزدوج.

احدى اللحظات الأساسية في منظومة علاقاتي مع جواز السفر كانت في 1992، عندما خرجنا سمدار بيري وأنا في مهمة صحفية الى تونس، لاجراء مقابلة مع ياسر عرفات. في المطار انتظرنا رجل م.ت.ف. وطلب الحصول على جوازي سفرنا الإسرائيليين. وكان الوداع صعبا – تقريبا مثل التنازل عن قطعة من الوطن. وعلى مدى تواجدنا في تونس عذبنا السؤال الى أين ذهبت جوازات سفرنا، ماذا يفعلون بها، من يطلع عليها، وهل ستعود إلينا بسلام. عندما حصلنا عليها مرة اخرى، في طريقنا الى القاهرة، فحصناها بسبع عيون. واكتشفنا أنه لم تتعرض لأي أذى.

في العالم لا يُكثرون من التأثر بجواز السفر الإسرائيلي. في كل محطة رقابة على الحدود، يكون الإسرائيليون مطالبين بأن يصطفوا في الطابور الأطول، طابور المنبوذين والمقموعين. وعندما يصلون أخيرا الى الشرطي يشتبه بأنهم مهاجرون غير قانونيين أو عملاء ارهاب. في الدول التي يُجرى فيها فحص جسدي للمسافرين عشوائيا، يكتشف الاسرائيليون بأنهم هم بالذات من يخضع للتفتيش، المرة تلو الاخرى. هذه ليست صدفة احصائية بل تعليمات.

بتعبير آخر، جواز السفر الاسرائيلي هو وثيقة عديمة التميز، لاعب في الدوري من الصف الثاني، في عالم جوازات السفر. وهو أقل قابلية للاصابة من وثيقة السفر التي يحتفظ بها أبناء عمومتنا الفلسطينيين، ولكنه أدنى منزلة بالقياس الى جواز السفر الأميركي، الاوروبي أو الاسترالي. هو جواز سفر للفقراء.

لا غرو، اذا، في ان الإسرائيليين الشباب أعدوا لأنفسهم موقفا أقل عاطفية وأكثر واقعية من جواز السفر. فجواز السفر هو بالاجمال وثيقة تشخيص، وليس وثيقة هوية. اذا كان ممكنا الحصول على جواز سفر ثان، أكثر راحة، فلم لا. جواز سفر آخر يسمح بتعليم مدعوم حكوميا في جامعات اجنبية، يُقصر الطوابير، يضمن القدرة على الوصول الى الغايات، يتجاوز البيروقراطية. وهو لا ينطوي على أي التزام بالوطن، بالقومية وباللغة. مثله كمثل بطاقة الائتمان، فيزا أو ماستر كارد، مع فارق واحد هو ان استخدامه لا يُكلف مالا.

يحتمل ان يكون هناك إسرائيليون يرون في جواز السفر الاجنبي ملجأ ليوم بارد: عندما يقف العدو على بوابات تل ابيب، سيمنحه جواز السفر الاجنبي أولوية في الطريق الى سفن الاخلاء. اذا كان هناك إسرائيليون كهؤلاء، فأنا لم التقهم، ولكني التقيت إسرائيليين يناشدون أهاليهم بالتوجه إلى سفارات الدولة الأوروبية التي اضطهدوا فيها هم أو أهاليهم، والانكباب على إرث رائع لم يكن لهم. لا يحلم أي إسرائيلي بالعودة الى حضن الشعب الهولندي أو الهنغاري أو التشيكي، ولكن الكثيرين يُسعدهم ان يمنحوا أبناءهم جواز سفر الاتحاد الأوروبي: اذا لم يُجد فلن يضر.

الإسرائيليون هم شعب ذكي، مُطلع، متحرك. ليس لدي معطيات في هذا الشأن، ولكن يُخيل لي انه يمكن الافتراض بأن نسبة الاسرائيليين الذين يحوزون على جوازات سفر مزدوجة هي من الأعلى في العالم، ربما الأعلى في العالم. ذات مرة فكرت بأن مثل هذه الظاهرة تدل على انعدام الجذور. أما اليوم فاني لست واثقا. لعلها تدل بالذات على النباهة، على نهج موضوعي، عملي، تجاه الحياة. جواز سفر اجنبي هو المسلك السريع الى عالم العولمة. يمكن من دونه. ولكن إن المرء يصل بطريقة أسرع معه.

أما بالنسبة لجواز السفر الإسرائيلي، فعندما تبوأ اهود باراك منصب وزير الداخلية، في 1995، اقترحت عليه ان يتبع في رقابة الحدود في مطار بن غوريون طوابير منفصلة، للإسرائيليين وللاجانب. في كل العالم نحن في الطابور الأكثر شناعة، قلت. وسيكون لطيفا اذا شعرنا في دولتنا بأن هناك تمييز في صالحنا. قال باراك: فحصتن فوجدت أن زمن الانتظار في الطوابير متساو للاسرائيليين وللاجانب، وعليه فلا داعي للفصل. عُدت وطرحت الفكرة على مسمع من خلفه في وزارة الداخلية، حاييم رامون، رامون استجاب. هذا الترتيب يعمل في مطار بن غوريون حتى اليوم: إنه يشكل تعويضا صغيرا عن الكبرياء الضائعة لجواز السفر الإسرائيلي.

التعليق