ناجي: الألفية الجديدة شهدت استبدالا للرقيب التقليدي بـ "المدعي العام الروائي"

تم نشره في الأربعاء 16 شباط / فبراير 2011. 10:00 صباحاً
  • ناجي: الألفية الجديدة شهدت استبدالا للرقيب التقليدي بـ "المدعي العام الروائي"

صاحب "الطريق إلى بلحارث" يقدم شهادة إبداعية في منتدى شومان الثقافي

جمال القيسي

عمان - قال الروائي جمال ناجي في صدد مراجعة حالة الحريات الإبداعية عربيا، إن الألفية الجديدة شهدت استبدالاً للرقيب التقليدي بما يمكن "تسميته (المدعي العام الروائي)"، وهو" المدعي المكلف أو المتطوع الذي يقوم برصد ومتابعة الأعمال الروائية، وتقديم أصحابها إلى المحاكم، كما حدث ويحدث في عدة بلدان عربية".

وأضاف في أمسية ثقافية نظمتها له مؤسسة عبدالحميد شومان، أول من أمس، وقدمه فيها الشاعر عبدالله رضوان، أن مشكلة الروائيين مع السلطات السياسية، لم تعد بذات الحدة التي ظهرت بها خلال عقود سابقة مشيرا الى اتخاذها أشكالا جديدة، من دون أن يعني ذلك "حلول السلام الكامل أو الوئام بين الروائيين والسلطات".

ولفت صاحب "عندما تشيخ الذئاب" في ورقته "تجربتي مع الأقانيم الثلاثة" أنّ المشكلة الأكبر التي تكاد تتسيد لوائح المحظورات الروائية الآن، هي تلك التي "تنشب بين الحين والآخر مع متعهدي الدفاع عما يسمى "الحياء العام" و"الأخلاقيات" و"المقدس".

ورأى صاحب "رجل بلا تفاصيل" في هؤلاء المتعهدين "ما يمثل السلطات الروحية والاجتماعية" التي تستمد قوتها من القوانين النافدة، ومن الأعراف والتقاليد السائدة، معتقدا بمطالبتها للروائي الكتابة في شؤون "فقدت حيويتها الثقافية والسياسة، واكتفت بالقليل من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية".

وأشار مبدع "ليلة الريش" إلى أن الأحكام التي صدرت بحق الكثيرين من الروائيين العرب اتخذت بناء على تفسيرات من مختصصين في "النصوص الدينية والقوانين الجنائية والشرعية والنظامية وسواها "لا ممن تخصصوا في "تفسير الآداب والفنون وتأويلاتها".

وأوضح رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق أنّ ذلك معناه أن مرجعيات تلك الأحكام هي "القوانين والتأويلات والقرائن الترجيحية"، وخلوها من "أي أثر للمرجعيات الأدبية والفنية التي تميز الإبداع عن سواه من القضايا التي تخضع للمساءلة في المحاكم".

وذهب الى الجزم بأن الأشكال الرقابية الجديدة التي باتت تتحكم في مقاصد الروائيين ومصائرهم تستند إلى معادلات غريبة تطالب الكاتب بإخضاع روايته "لعمليات تخسيس قاسية، أو إنقاص وزن سياسي أو روحي أو اجتماعي قبل نشرها"، محاولة جر الكاتب إلى خيار الانضمام إلى جوقة "الروائيين التائبين" وما أكثرهم في عالمنا العربي.

وكان صاحب "ما جرى يوم الخميس" استهلّ ورقته بتشخيص تعامله مع المحظورات في تجربته الروائية، شارحا أنه في "أقنوم السياسة" عمل على الكشف عن "الممارسات والمواقف السلبية للسياسي" في سياق توالد الأحداث والشخوص ومتطلبات الواقع الروائي.

وأضاف مؤلف "الطريق إلى بلحارث" أنه تمثل الحالة السياسية وتماهى فيها إلى حد أنه عد نفسه "شريكاً في مسؤوليات تحقيق حرية الإنسان والوطن، واستقراره، وتطوره شاعرا بأن هذا الدور "يختلف كثيرا عن دور المشاغب أو المناكف".

ونبَّهَ إلى قيام السلطات السياسية العربية -بشكل عام- بتفعيل الكثير من "عناصر ذكائها وحراكها العقلي الدائب"، مستشهدا باستخدامها عبارات تقيدها "الحرية المسؤولة، والقدرة على اتخاذ القرارات السليمة". وأوضح أنّ العبارات رغم ما تحمله من دلالات إيجابية في ظاهرها، إلا أنها تعد "وصفات نموذجية لتقييد الحريات والالتفاف عليها".

وفي "أقنوم الدين" قال رئيس المركز الثقافي العربي إن ثمة رجال دين على درجة عالية من "الصدق والانسجام مع ما يقولون ويحملون من أفكار"، مؤيدا جدارتهم "بالاحترام والتقدير بصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف معهم".

وتابع أنه أيضا ثمة أتقياء غير صادقين، متظاهرين بممارسة الشعائر بحرفية مريعة، ويولولون إذا ما مُسّت "إحدى خرافاتهم التي ينسجونها، من دون أن تكون لها علاقة بجوهر الدين" معتقدا أنّ هؤلاء هم "الممارسون لسلطتهم على الإبداع وعلى الأفراد والمجتمعات" لأن وجودهم مرتبط "بتعزيز تلك السلطة" ذاهبا إلى أنّ "مَن يعبد الخرافة ويروج لها لا يختلف عمن يعبد الأوثان ويدعو لها".

وبيّن كاتب "مخلفات الزوابع الأخيرة" أن كونه يدين بالإسلام، يسمح لنفسه كواحد من المعنيين بالدين، كغيره من المسلمين، الفقهاء منهم والدعاة والأتقياء، بالاقتراب من المحظورات الدينية "بطريقة نقدية" من دون المساس المباشر والصريح بالنصوص، ذاكرا بأن النصوص لا تثير حفيظته، إنما "ممارسات القائمين عليها".

وذهب إلى أن القائمين على الدين يوظفون النصوص لتحقيق هدفين متصلين أولهما "ممارسة أنواع من السلطة عن طريق قمع الآخرين وتشويههم، وفرض وجهات نظر مستمدة من اجتهادات متزمتة وضيقة، بدءا بالسروال الذي يرتديه الرجل أو المرأة، وانتهاء بتحريم مشاهدة الفضائيات".

وتابع أنّ الهدف الثاني لهم يتمثل بتحقيق "منافع شخصية سهلة تريحهم من أعباء العمل، والجهد، والجهاد في الحياة" مشيرا إلى أنّ الغالبية العظمى من هؤلاء "تمارس أشكالاً من التقرب المذل للسلطات السياسية".

وفي "أقنوم الجنس" أسقط مبدع "الحياة على ذمة الموت" التشبث السطحي للآخرين بحرفية النصوص، إلى التسليم بأن الرواية "تمثل واقعاً موازيا للحياة، أو إعادة تشكيل لخاماتها" معتقدا بعدم إمكانية استبعاد "أي من الخامات الأساسية - ومنها الجنس - من الواقع الروائي الموازي أو الذي أعدنا تشكيله".

ورأى كاتب "رجل خالي الذهن" أنّ تناول الجنس في الرواية يتم بطريقتين، إحداهما مسطحة ومنفرة، إذ يذكر الكاتب "الأشياء بأسمائها ويقوم بتصويرها بطريقة مجهرية، تكشف سرها فتفسد سحرها"، منبّها أنّ ذلك النوع من الروائيين كثيراً ما ينسى في غمرة انهماكه هذا "أن للمرأة مشاعر روحية ورومانسية محمّلة بما هو أبعد من الرغبة".

وتابع أن الطريقة الثانية والتي يراها الأصلح والأنجع تلك التي يلجأ الروائي خلالها إلى "الإيحاء اللفظي والحدثي المثير، الذي يؤجج أحاسيس المتلقي، ويدفعها إلى الانتشار والامتداد عميقاً في النفس والروح، من دون الانصياع إلى إملاءات المحظورات الجنسية".

وأضاف أن الجنس في تلك الطريقة لا يظهر على السطح بشكل مباشر أو صاخب، إنما "بهدوء مقنع ومؤثر" مبيّنا أن ذلك ليس بسبب مراعاة الكاتب لتلك الإملاءات أو التابوهات، إنما "لأن المتطلبات الفنية الروائية هي التي ترفض ذلك الانكشاف الفجّ الذي قد يطيح بسحر الرواية".

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق