ما لم تقله أنت..

تم نشره في الجمعة 11 شباط / فبراير 2011. 10:00 صباحاً

جمال القيسي

إلى مؤنس الرزاز

أتصادم بي فأتهشم، أمد وعيي ليلتقط شارة نبض يومئ الى بقائي فيتلعثم الأثير، وأتحسس بسمعي احتضار فعاليتي، وأبصر صدى قامتي التي كانت عالية.

ما جدوى البقاء؟! والعمر يترنح بين حلم مغلول ووهم مراوغ، والأقدام لا تثق بدربها، والفضاء شلح دلالته ونبذ معناه، وتقمص دور قاتل طيور وتجهم!

الشارع يلهث ولها بحذائي، وحذائي يتضور قرب الباب، يستجدي قدمي كي تبدد وحشته، وقدمي تسترخي ميتة فوق سرير غيبوبة أردت جسدي هامدا بإرادتي الحرة الطليقة المكبلة.

في الصباح المدلهم أدلهم ولا أشرق البتة، لعل في قلبي إشراق لا يبين!

في صحرائي أعراب لا يعربون جملة روحي الملتاعة، ولا يفقهون قول صمتي لمن الشكوى والبلوى تعاظمت! وما عندي من طاقة نفدت وذهبت مغاضبا فولجتني دوامة الغثيان، وما قدرت على نفسي فانقسمت واتخذت البحر متكئا فانهرت، واستجرت بالعاصفة فنثرتني هباء في هباء.

***

سأقطع آخر خيط يوصلني بالعالم الخارجي، سأفتح جرح الذكريات وأنكفئ.

سأخوض في عباب رماد أناي كمحاولة يائسة لفهم أخير، سأضع حدا لحياد لحدي وأرغمه أن ينحاز لحماية جسدي، وتخليصه من احتلال الروح الغاشم.

سأدوّن وداعي بمداد من ماء القلب وأوقعه بنشيج القلب.. قلبي.

***

تتناوشني العلل، تتقاسمني الرجاءات والضراعات.

ويدخل في روعي أن المحنة منحة، والبلاء عطاء فأرقى معراج المكابدات الأليمة، وأسمو فأصفو وأكون قريبا، وتتبدل السماء وتدور الأرض فتقوم قيامتي، تتنازعني الرغائب والهواجس، وأرى فيما أرى حبال الرجاء مقطوعة، سلالم اليأس قائمة تدعو قدمي التائهتين فأزفر في هجير وحشتي وأصداء تبددي:

أيها الصبر أحلتني الى جلمود صخر في جوفه الحميم كامن، أرنو الى غيمة ندى بيضاء لأكونها فلا أصيرها!

***

أيها اليأس مزجت صفو كأسي برحيق دمي فأمسيت لا أشرب إلا ومقبض الخنجر في يدي!

فيا أيها السكارى اشربوني املأوا سلالكم بآخر ما تبقى من ثمار روحي وأطيلوا الغناء على فنائي

واقتسموا أنفاسي تستطيل أعماركم انزعوا عني قميص عبء لحمي واتركوه غنيمة مشتهاة

لذؤبان دنيا هوس البقاء اتخذوا من عظامي صلبان لأحلامكم الذابلة تتفتح من جديد.

***

وأسأل قلبي:

من يضمد بهجتي اليتيمة ويرتق ثوب رجائي المثقوب؟!

وقلبي طفل يلثغ بحروف العشق وقلبي كهل يقول الحكمة، ويهدي المغمومين سبل الهيام.

حيران أضيع سدى، وقلبي ما عاد دليلي يهدي سواي وأظن به الظنونا وأرتاب ويساقط علي نيازك أرق،

فأقيم الليل شباك سهر وانهيارات

***

سأطفئ مصابيح صبري وأمسي البلاء النازل المقيم.

سأزوج قمر رضاي بصخرة سخطي ليعم ظلامي.

سأزج بعندليب حلمي في قفص يأسي وأجهز على قصيدة رجائي ومرثية ذاتي

سأحرق سفينة الزمن في بحركم الميت ولن أعتصم بجبل نجاة بل سألوذ بصوتي الصارخ على الطوفان كي يجتاحني ملبيا: طوفان ينازل طوفان سأدعو السباع الآدمية الى مائدة أشلاء روحي المسمومة.

لتكون لها عيدا وعليها خاتمة سعير العشاء الأخير.

فلا بقاء لغريب رقيق مكسور وقوي غليظ كاسر !

*..*..*

تحت ظلال شجرة قلبي الوارفة، تتفيأ نساء يانعات، أسقيهن من ذوب دمعي وصبري على حساب يباسي.

هن رفيقات العمر المجهد، أفي بعهدي ولا أخلف موعدي مع أسمائهن في دفتر الذكرى الحميم.

***

من قديم أيها الصحب والمعارف والأسماء والأقربون منذ ابتداء الكتابة ونشوء حضارات اللغة، أقتعد صخرة على جبل مهجور وأحدق بي فأراني ملامح متعبة، عيونا مجروحة، ذاتا مدمرة، مناعة منهارة

يقينا متشككا، يأسا مصهللا، إرادة ذابلة، وردة رماد.

وأسمع صوتا يزمجر في أذني النازفة:

- أيها الكهف والغيمة والنهر، يا فردوس العذوبة وجحيم السخط يا حياة يا موت، يا ساحة عراك المتناقضات يا بئر السر الساكن وميدان الصخب.

أيها الحجر أعرض عن هذا.

وأمد يدي فتباغتني في وحدتي رائحة أنثى مدت إلي قلبها وأغدقت علي عين محبتها، ورافقتني ألف عام

وقطع حبل وصلنا غياب لا يرد هي سيدة الوفاء الأنيق وحق هذا التعب سيدتي ما عاد في القلب فسحة للبهجة

- سلام على الأرض، سلام على التراب، سلام على صمت القبور.

سلام على إغماضة الروح.

***

خاتمة:

سأنازل النوازل وأقارع عاصفات المحن.

سأجرع قدح الهم الزعاف

وأحسو ثمالة كأس ما لذ من قطر المرارات وطاب.

سأهدم جدران خوفي، وأردم خنادق حذري، وأقوض عمارة حرصي وأمضي أطوي درب الآلام شوكة شوكة، بقلب لا يدمع أبدا وبعين

عظائم الدنيا فيها صغائر...

أدوسها بحذائي

وأمضي

وعلى رأسي تاج الحياة.

Jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق