المحكية في الغناء: التقاط الغافي من المعنى والذهاب به لدائرة الخلود

تم نشره في الأحد 30 كانون الثاني / يناير 2011. 10:00 صباحاً

جمال القيسي

عمان - الغناء صورة التعبير الراقية عن الحياة، بنورها وقسوتها، ذلك البوح الآسر، الممتطي اللغة أداة تعبير تحمل المعاني لتستقر في الأذهان، وترسخ في القلوب،

لا سيما اللغة المتخففة من أثقالها وتقعرها ما يجعل الأغنية ذات أثر ضارب في النفس وساكن في بعيدها.

اللغة المحكية ستظل تلامس جوانيات الناس، "رقص وضحك وسهرية عيد"، وحجم الأغاني التي سمعها الناس باللغة الفصيحة ووقرت في نفوسهم لا يكاد يذكر قياسا بالأغاني التي جاءت باللغة المحكية.

خلدت كلمات الأغنيات بالعامية، حالات الوجد والدفق الإنساني العظيم حتى باتت بعض المقاطع، أو الفقرات، أو حتى عبارة أو جملة، من أغنية تعبيرا عن حالة بأكملها، كما يقول المصري "للصبر حدود".

الكثير من الأغنيات، سيكون من المضحك وما يدخل في باب الطرائف، ما لو تم التفكير "بتفصيحها"، فهل من الممكن أنْ تكون أغنية أم كلثوم "حب ايه اللي انتا جاي تقول عليه"، على شكل "أي حب هذا الذي جئت للحديث عنه"!.

يستقيم القول إلى حد بعيد بأن اللغة الفصيحة هي الرسالة التي تجمع العرب لكن في الأغنية لا يستقيم، فابن الصحراء المغربية وابن الشارقة، وابن الموصل تسحره أغنية فيروز "طريق النحل" الموغلة في اللهجة اللبنانية، كما أغنيات لعبدالحليم أو شادية باللهجة المصرية الصافية.

ما يزيد صحة ما نذهب إليه أنّ الخلاف بين مطربي لبنان وسورية مع مصر مثلا يتمثل بالدعوة إلى الحفاظ على هوية الأغنية "القطرية" إنْ جازَ التعبير، وليس خلافا على "تفصيح" الأغنية بالمطلق.

الأغنية في مصر ظلت متمسكة باللهجة المصرية من دون التفكير في أنْ يغنّي المطرب المصري بأيّة لهجة عربية، كذلك كان حال المطربين في باقي الدول العربية حتى زمن قريب.

مثال ذلك، استماتة الموسيقار والمطرب ملحم بركات مؤخرا بالدفاع عن بقاء اللهجة اللبنانية في أغاني المطربين اللبنانيين، وعدم تسرّب "اللهجة المصرية" إلى أغنياتهم، رادا ذلك إلى عدم تنازل المصريين عن الغناء بغير لهجتهم، وإلى جمال اللهجة اللبنانية وتاريخ وهجها من ناحية أخرى.

إذا كان هذا كله يؤكد أحقية "اللغة المحكية" والتي تمثلها اللهجات، ورغم ترابط ذلك الموضوع مع طبيعة الأصوات وألوان الغناء "خليجية" أو "شامية" أو "مصرية"، فإنه يؤكد بأنّ أمر اللغة الفصيحة غير مطروح بالأصل.

حين كتب الأخوان رحباني إضافة إلى فلمون وهبة وزكي ناصيف وغيرهم أغاني فيروز باحت حروفهم بالمعاني والأمنيات وحالات الوجد والهجر "باللبنانية المسكرة" التي صارت على كل لسان عربي، وفهمها كل الناس من دون الحاجة إلى "فصيحة جامعة".

باستثناء القصائد الخالدة في ذاتها، لم يرق للناس أي قصائد فصيحة ملحنة أخرى، ولم يستطع اللحن فيها حمل الكلمات، فلو لم تكن "الأطلال" قصيدة حقيقية، موجعة لما كان سيخلدها الصوت واللحن إلى هذا الحد.

وفي ذات السياق، يدلل على ذلك أكثر أنّ أم كلثوم لم تشتهر بأغنية "ابق فأنت حبيب الشعب"، بل بـ "ثورة الشك"، و"قصة الأمس" وعبدالحليم حافظ لم ينقذه عباقرة الملحنين لتخليد "الوطن الأكبر"، أو الاستجابة لـ"إنذار"، وغيرهما من الأغاني الفصيحة الوطنية، بل ارتقى من دون خوف مع قارئة الفنجان التي جلست والخوف بعينيها.

اللغة المحكية وإن تمسكت بلهجتها المحلية ستظل هي المسموعة فأغنية "الأماكن" لمحمد عبده، لا تختلف انتشارا وإطرابا عن "مرسول الحب" لعبدالوهاب الدوكالي عن "بوسة مسافر بأول وداع".

ويظل ابتعاد نقاد الأدب عن تناول كلمات الأغنيات باللغة "المحكية"، غير مبرر، وقاتم وقاصر في نواح عديدة لربما من أهمها الخوف على اللغة العربية والوجل من سوء مآلها ودمارها، أو خوفهم من أن يقضوا مضجع سيبويه، أو إغضاب نفطويه أو مضايقة الكسائي.

jamal.qaisi@alghad.jo

التعليق