عازف العود والمؤلف رحيم الحاج: أول موسيقي عربي يرشح لنيل جائزة "غرامي" الشهيرة

تم نشره في السبت 29 كانون الثاني / يناير 2011. 09:00 صباحاً
  • عازف العود والمؤلف رحيم الحاج: أول موسيقي عربي يرشح لنيل جائزة "غرامي" الشهيرة

علي عبد الأمير

عمّان - كاد عازف العود والمؤلف الموسيقي العراقي المقيم في أميركا منذ سنوات رحيم الحاج أن يحقق ما لم تتمكن منه أجيال من الموسيقيين العرب، حين تم ترشيحه العام الماضي لنيل جائزة "غرامي" الشهيرة والتي تعتبر "أوسكار" الموسيقى والألحان، وهي المرة الثانية التي يرشح لها بعد العام 2008 وخسرها عن فئة "موسيقى العالم" أمام فرقة من افريقيا، لكنه عوضها بـ"جائزة فناني الولايات المتحدة".

الحاج المولود في بغداد قبل 44 عاما، عرف سلسلة من النجاحات عبر إنتاج المزيد من الأعمال والمؤلفات وعزفها حية بين جمهور عدد غير قليل من المدن الأميركية او توثيقها في أسطوانات، كان آخرها "ارض صغيرة" التي جاءت في أسطوانتين مدمجتين، وقبلها كانت أسطوانته الجميلة "تحت ظلال الوردة" التي جمعته إلى عدد من المؤلفين الموسيقيين الاميركيين بينهم عازف الغيتار والمؤلف اوتمار ليبرت، وثمة ايضا اسطوانة "أصوات بدائية" التي رشح لجائزة غرامي عنها وجمعته الى العازف والمؤلف الهندي امجد علي خان.

وفي سلسلة اسطوانته التي توثق مراحل من سيرته الفنية والحياتية هناك أول اسطوانة له "بغداد الثانية"، "موسيقى عراقية"، "صداقة"، "حين تصفو الروح" و"الوطن ثانية" التي تحمل مؤلفات حملت مشاعر الحاج حين عاد إلى وطنه العراق بعد سنوات في المنفى، ففي العام 2004، عاد إلى بغداد لتقديم حفل موسيقي في منزل أسرته، لكنه أوضح أن أصدقاءه الذين شب معهم أطلقوا لحاهم تدينا، وبدا عليهم عدم الارتياح إزاء عزفه الموسيقى، حيث يجري النظر إلى الموسيقى باعتبارها من المحرمات.

ذلك الشعور بالغربة وإن كان في الوطن هذه المرة، كان واجهه العام 1999 عندما وصل الحاج الى جنوب غرب الولايات المتحدة كلاجئ سياسي، كان معدما ولكن مضيفيه أجروا ترتيبات ليحصل على عمل في مطعم من سلسلة مطاعم ماكدونالدز لكسب بعض المال. وشرح لهم الحاج الذي لم يكن يعرف الإنجليزية أنه كان في بلاده موسيقيا محترما لا يعزف عادة في المطاعم، لكنهم هزوا رؤوسهم باستخفاف. وبدلا من ذلك حصل على عمل كحارس أمن ليلي فتمكن من ممارسة العزف على العود الذي يعرف بأنه أبو الآلات الوترية كلها، وتعلم الإنجليزية بدراسة ترجمة لكتابه المفضل للفيلسوف الالماني نيتشه، لكنه ظل خائفا من مواجهة سؤال يتعلق بمستقبله الموسيقي في الولايات المتحدة.

وجاء الجواب على سؤال كهذا عبر اول اسطوانة للعزف المنفرد على العود، كما عبر حفلات اقامها في عشرات المدن الاميركية، كان الحاج خلالها يحمل هويته الروحية والثقافية العربية حاملا هما خاصا اسمه كيفية الحفاظ على التراث الموسيقي العراقي الذي يخشى ان يكون مهددا بالفناء بعد اكثر من عشرين عاما من الحروب والدمار.

كما انه يبدو مرعوبا من التضييق اليوم على الموسيقى في العراق، مشيرا إلى أنه اكتشف خلال عودته إلى بغداد أن أحد صانعي العود الذين يعرفهم اضطر لممارسة عمله سرًا في ورشة صغيرة فوق سطح منزله. وفي صباح أحد الأيام، استيقظ الحاج داخل منزل عائلته على صوت ابنة أخيه تشدو بأغنية عراقية عاطفية شهيرة، لكن الكلمات تم تغييرها، بحيث لم تعد تتحدث عن الحب الرومانسي، وإنما عن الحرام والحلال وعن الجنة والخطايا، ما دفعه للتساؤل حول السر وراء هذا التغيير الذي تحولت معه الحفلات الموسيقية، التي كانت شائعة في وقت من الأوقات، إلى نشاط سري، وكيف أن معلمي الموسيقى من أصدقائه راحوا يتصرفون بحذر أكبر ويتوقفون عن الحديث عن دراستهم، والزعم أنهم يدرسون الرسم أو التاريخ أو اللغة الإنجليزية بدلا من الحديث صراحة عن كونهم مدرسي موسيقى.

هذا الاحساس بالخوف كان خبره الحاج في العام 1991، عندما غادر العراق وعلى الحدود، صادر أحد الحراس آلة العود الخاصة به والتي كانت أعز ما يملك كونها من صناعة اشهر صناع الآلة في العالم: محمد فاضل. وما يزال الحاج يتذكر أنه عندما رأى العود يختفي من بين يديه، انتابته رعشة وأصابه إحساس بالمرض. ويؤكد "تلك هي أكثر لحظات حياتي حزنًا".

في أعمال الحاج الموسيقية لا تحضر الهوية الثقافية العربية والشرقية وحسب، بل المشاعر الإنسانية من خلال مؤلفات غاية في الرهافة، تصور المشهد الإنساني في تجلياته الواسعة، ففي أسطوانته "صداقة" هناك عمل لا تخفى ملامحه الشرقية الأصيلة ولكنه منفتح تماما على عصرنا لجهة التركيب والتصوير اللحني، والأمر ذاته نجده حاضرا في عدد من مؤلفات أسطوانته "تحت ظلال الوردة" التي تقدمه، فضلا عن إمكاناته عازفا على العود، مؤلفا موسيقيا منفتحا على هواجس العصر من دون أنْ يتخلى عن هويته الثقافية والإنسانية الأصلية.

التعليق