موسيقى 2010: ألحان من كل نوع كأن العالم ينام ويصحو على الأنغام

تم نشره في الجمعة 31 كانون الأول / ديسمبر 2010. 09:00 صباحاً

علي عبد الأمير

عمّان - تبدو أي مراجعة لأحداث الموسيقى والغناء في العام 2010 صعبة لأنها تعني متابعة فنون صارت مرادفة لنبض البشر أينما كانوا، خاصة مع ثورة الاتصالات وإمكانية الوصول إلى أكبر التظاهرات الموسيقية، وأروع الألحان بكبسة واحدة على الكومبيوتر، أو بإعادة توجيه مفتاح تغيير القنوات التلفزيونية، ومنها عشرات باتت متخصّصة بالأغنيات والموسيقى ومن كل نوع.
انطلاقا من هذا كيف يمكن رسم ملامح حصيلة العام 2010 غنائيا وموسيقيا؟
ويبدو أن أفضل طريقة للإجابة عن هذا السؤال هو أن نخوض في واقعنا الموسيقي العربي، وأبرز ما سجله في العام، ففي وفرة الأصوات والألحان يمكن تسجيل عدد من المهرجانات الغنائية والثقافية التي اعتنت بالموسيقى وخصصت لها حيّزا كبيرا، مثلما يمكن تسجيل حضور جميل لأغنيات وألحان رغم طغيان الكثير من الأغنيات السطحية والعابرة صوتا وألحانا وكلاما وحتى صورة، طالما أنّ الفيديو كليب بات اليوم واحدا من عناصر الأغنية وتذوقها.
وفي حين تتعدد المهرجانات الموسيقية في أكثر من عاصمة عربية إلا أنّ لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية الذي تستضيفه مصر كل عام ومنذ 1991، ملمحا خاصا وبارزا وفيه يصبح المهرجان إحدى الدعائم الكبرى للموسيقى العربية الأصيلة، مع نهجه القائم على الانفتاح على الجديد الرصين في الغناء العربي، وتكفي مراجعة أولية لنجومه هذا العام لتأكيد تلك المعادلة الصعبة التي حرصت الأستاذة رتيبة الحفني على الالتزام بها: الدفاع عن الرصانة مع الانفتاح على الجديد الجميل والرقيق في الغناء والموسيقى مصريا وعربيا.
للأردن أيضا مهرجانه الثقافي السنوي وللموسيقى فيه حصة بارزة كذلك وإن كان بتعدد أكثر في لبنان، والأمر ذاته أي تعدد المهرجانات الموسيقية نجده في تونس والمغرب وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث مهرجان أبو ظبي 2010 واحتفالية الذكرى المئوية الثانية لولادة المؤلف الموسيقي الشهير شوبان، والحدث ذاته وجد حفاوة أيضا في الأردن بتوقيع من أوركسترا عمان السيمفوني.
ومثلما تنشط المهرجانات الموسيقية في العواصم العربية، تتعدد الأشكال النغمية، فمن الغناء العربي الكلاسيكي إلى العناية بالتجارب الحديثة كـ"الجاز الشرقي" و"الفيوزن" الذي يمزج الأنغام الموروثة بالألحان والإيقاعات الحديثة، فضلا عن أنّ أغلب العواصم العربية أصبحت لها أمسياتها من الموسيقى الكلاسيكية الغربية عبر فنانين عرب أو أجانب يقصدون تلك العواصم لمزيد من الاتصال الثقافي والفني، بل إنّ دار الأوبرا المصرية تنظم مهرجانا خاصا بمؤلفات عربية وفق أساليب الموسيقى الأوروبية الكلاسيكية.
وكانت أسطوانة المطربة الكبيرة فيروز "ايه في أمل" واحدة من العلامات المثيرة في الغناء العربي للعام 2010، لجهة قدرة صاحبة أغنية "نحنا والقمر جيران" على أن تغني وتحث على الأمل والحب حتى وهي في عقدها السابع، على الرغم مما أثارته الأسطوانة من ملاحظات تتعلق بالألحان التي صاغها زياد الرحباني، وبالتعب الذي أمكن ملاحظته على صوت المطربة الكبيرة.
وعلى سيرة الأصوات الجميلة وأغنياتها، هناك لمسة حب رقيقة في أغنية وائل جسار الجديدة "مليون احبك"، مثلما هناك لمسة حب أنثوية لطيفة تقدمها أنغام التي نالت تكريم مهرجان الموسيقى العربية هذا العام، كذلك نجد اللمسة ذاتها عند صوت نانسي عجرم في أغنيتها "في حاجات"، بينما كانت أغنيات شيرين عبدالوهاب في اسطوانتها العام 2010 بمعظمها موفقة وتؤكد حضور الصوت المصري الأسمر بحلاوته وتميزه، كذلك نجد الصوت المغربي جنات وهي تستمر في أدائها وحضورها اللطيفين.
ويواصل الصوت العاطفي فضل شاكر مشواره الرقيق فيترك بصمة على جديد الغناء في 2010 عبر اسطوانته "أنا اشتقتلك" التي تضمنت أغنية بالعنوان ذاتها من النادر العثور عليها في مشهدنا الغنائي العربي المعاصر، فيما تواصل أصوات رجالية مصرية وعربية شابة تقديم بعض الغناء الخفيف ولكن دونما إسفاف وهو ما يوفر لها قبولا طيبا، غير أنها ليست بذات التأثير الذي تأتي عليه أصوات مدعومة من فضائيات شركات الإنتاج الغنائي التي تروج لبضاعتها وهي على الأغلب ليست معنية بالعناصر الفنية وبالأصول الموسيقية الراقية.
الجميل والرقيق من النغم لم يكن يأتي عبر الغناء وحسب بل عبر الموسيقى الآلية التي صارت لها الكثير من الفرق عربيا والتي راحت تجرب تقديم أعمالها إلى جمهور لم يتذوق هذا الشكل من اللحن العربي كثيرا، فهو جمهور اعتاد الغناء كشكل وحيد للموسيقى، لكن محاولات كالتي نجدها مثلا في مهرجان الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية في تنظيم حفلات لفرق من مصر ودول عربية تقدم موسيقى آلية وتجذب معها مزيدا من الجمهور.
من هنا لم يكن النتاج الموسيقي والغنائي العربي بمجمله سيئا مثلما لم يكن جيدا ورصينا لكن علامات الجودة فيه تتقدم وتخط طريقها وإن كان ذلك بصعوبة.
عالميا لا تبدو الصورة مختلفة كثيرا عن راهن الموسيقى والغناء عربيا، لكن الصناعة الفنية هناك من الضخامة والاتساع ما يمكنها أن تخلط كل التظاهرات الإنسانية بالموسيقى والأنغام، فشاهدنا حشدا من كبار نجوم النغم في أميركا وأوروبا وأفريقيا في حفل افتتاح بطولة كأس العالم جنوب أفريقيا 2010، وتزامن إجراء أول بطولة لكأس العالم تقام على أرض أفريقية مع إقامة أكبر حدث ترفيهي في تاريخ القارة السمراء على الإطلاق، حيث جمع بين أبرز نجوم الموسيقى العالمية وأشهر الوجوه الفنية الأفريقية، إضافة إلى حضور بعض أساطير كرة القدم والمشاهير من مختلف المجالات الفنية والرياضية وغيرها. والحدث كان مؤشرا فعليا على الطابع الكوني الذي تتسم به كرة القدم والموسيقى على حد سواء، إضافة إلى القوة التوحيدية التي تميزهما.
وفي الموجات الأحدث للنغم الغربي المعاصر، نجد الظاهرة الغنائية الاميركية الجديدة "ليدي غاغا" التي تجمع بين موهبتها في كتابة الأغنيات وأدائها والظهور الغرائبي على المسرح عبر الملابس والرقصات والديكورات العجيبة الفوضوية. بينما تستمر مهرجانات موسيقى الجاز في أميركا وأوروبا في انفتاحها على تجارب موسيقية من شعوب أخرى، بحيث من النادر أن تبدو ألحان الجاز دالة على هوية أصحابها حتى وإن كانوا أميركيين أو أوروبيين، لفرط تداخلها مع ألحان وأنغام موسيقيين من قارات وشعوب أخرى.
وبينما شهدت بولندا احتفالات على مدار العام بالذكرى المئوية الثانية لموسيقارها شوبان شهدت عواصم عدة في العالم، ومنها كما أسلفنا عواصم عربية، تظاهرات موسيقية احتفالا بأعمال ذلك الموسيقار المرهف الحس والجميل النغم.
وإلى جانب الموسيقى الكلاسيكية تظل مؤثرة في حضورها تلك الأعمال الموسيقية التي تنطوي تحت شكل "موسيقى العصر الحديث" أو "نيو ايج ميوزيك"، وكان أن حضر هذا العام أحد أبرز أسمائها وهو الفرنسي جان ميشيل جار الى بيروت لتقديم عرض موسيقي آخر، لكنه لم يكل بمثل تلك الضخامة والإبهار والمتعة كما في عرضه المعروف عربيا عند الأهرامات مع بدء الألفية الجديدة.
وموسيقى العالم الحديثة ليست حفلات ومهرجانات بل موسيقى في الأفلام، في البرامج التلفزيونية، في الإعلانات، في رنين أجهزة الهاتف، في أماكن العمل، وفي الطرق العامة بل في كل مكان، ومن هنا كانت إشارتنا في عنوان هذه المراجعة، إلى أن العالم بات وكأنه ينام ويصحو على الأنغام.

التعليق