سليمان الشطي: المبدع الجزء الناطق من المجتمع فلا يستطيع الهروب من واجبه

تم نشره في الأحد 26 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً
  • سليمان الشطي: المبدع الجزء الناطق من المجتمع فلا يستطيع الهروب من واجبه

قاص كويتي يؤكد انتماءه إلى جيل يملك إحساسا بالمسؤولية الوطنية والثقافية

عزيزة علي

عمان - يرى القاص والروائي الكويتي د.سليمان الشطي أنَّ المبدعين "هم الجزء الرائي للمجتمعات، في حسهم مجسات دقيقة النفاذ إلى حاضر المجتمع"، مبينا أنهم "يصلون (المبدعون إلى تلك الخطوط الدقيقة الجامعة بين ماضيه وحاضره لتشير أسهمهم إلى حلم المستقبل".

ويتمتعُ صاحب مجموعة "الصوت الخافت" القصصية الصادرة في العام 1970 بثقافة شاملة في الأدب والمسرح والنقد، فهو ناقد متخصص في الأدب، والقصة القصيرة، وله العديد من الدراسات الأدبية.

والشطي واحد من الكتاب الذين أسهموا في تأسيس قواعد النهضة الفكرية والعلمية في الكويت، وهو رائد من رواد القصة القصيرة، يقول في حواره مع "الغد" إنه ينتمي إلى "جيل يملك إحساسا بالمسؤولية الوطنية والثقافية، بينما الجيل الحالي يفتقد إلى مثل هذا الإحساس".

اتجَهَ الشطي الذي كتب "مدخل إلى القصة القصيرة في الكويت" في العام 1993م مؤخرا إلى كتابة الرواية فصدر له "صمت يتمدد"، التي وصفتها الروائية الكويتية ليلى العثمان بأنها "رواية لم تكتب بالقلم، بل طرزت تطريزا كاملا بكل جمالياته وأناقته".

والشطي الذي صدر له "رجال من الرف العالي" في العام 1982، من الذين أجادوا صنع مرآة عصرهم، ومن الذين أثروا الحركة الأدبية بأعمالهم الأدبية والفكرية والنقدية بهمة دائبة وجهد موفق، فهو يشدد على أن المبدع "الجزء الناطق من المجتمع، فلا يستطيع الهروب من واجبه". وتاليا نص الحوار:

? عرف الشطي كواحد من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان قادرا على التعبير عن جزئيات الواقع المحلي من خلالها..؛ فلماذا الانتقال إلى الرواية؟

ـ لكل تجربة انبثاقاتها الخاصة، وكانت تجربتي في القصة القصيرة لا تسير في انتظام ممنهج: تفاعلت معها فأصبَحَت مزيجا من الحب والهواية والحرفة، لكنَّها كانت إطلالات تفرضُ نفسها بين فينة وأخرى، وهي إطلالات اختلفت وتباينت دوافعها، ومن ثم أساليبها.

لذا أقول إن كتاباتي القصصية في المرحلة الأولى والتي تمثلت في المجموعة الأولى، "الصوت الخافت"، كانت أقرب إلى روح القصة المعتمدة على اللقطة المركزة، وإن كانت تحتوي في داخلها على امتداد تاريخي يعبر عنه بإشارات دالة تضخم اللحظة الزمنية، خاصة وأن ثمة إحساسا غالبا للماضي والتحولات الحادثة اجتماعيا آن ذاك.

هذا التوجه حدث له تغير داخلي، فقد كان مسير التجربة، وتفاعلها مع التحولات واتسعت الرؤى فانتقلت إلى النص، وإن كان منطلق تجربة القصة القصيرة كامنا، فإن النفس المستطيل، والمسارات الكثيرة في النص أخذت تخرجه من حيز القصة القصيرة فاستطالت لتحمل في داخلها النفس الروائي الممتد. لذا كثيرا ما كان يواجهني الزملاء عندما كنت أنشر قصص المجموعة الثانية، "رجال من الرف العالي"، بأن هذه قصة أو تلك رواية أو خميرة رواية فلماذا توقفت، خاصة في بعض القصص ذات السمة الدائرية، والتي تتعدد مساراتها.

لذا كانت قصص المجموعتين الأخيرتين، أو بعضها، السمة الغالبة، شكلا وموضوعا، عليها كلها تخرج عن حدود القصة القصيرة المعروفة. فكان الانتقال إلى الرواية طبيعيا، بل منتظرا، وعندما أنهيت طبع المجموعة الأخيرة، "أنا ...الآخر"، ونشرت بعض القصص بعدها كان التوجه إلى الرواية جاهزا، وهكذا كان.. فجاءت "صمت يتمدد".


? تمدد الصمت أصبح ثيمة اجتماعية وسياسية، إلى أين تريد أن تصل حدوده، وكيف برأيك يمكن أن يتحول إلى فعل ايجابي؟

ـ أنا لا أريد ولا أسجل الصمت السلبي، أو غير المكترث بما حوله؛ فالصمت الإيجابي حوار مشتعل في الداخل، هو حركة أولا ضد القول السلبي، ومجاراة الآخرين، وتحويل الكلام إلى حالة من حالات التفريغ وإعفاء النفس من المواجهة، وضد أن تفقد الكلمة قيمتها الملازمة لها، والألسن التي تتضخم فتكون مثل حية ملتفة تطوي في داخلها صدق المواجهة وتبث سموم التخدير أو عهر المواقف.. لا أستطرد فحولنا كثير، لذا جاءت تلك الرواية لتسجل أنماطا من الصمت، وأنماطا من الهذر.


? ظهرت المرأة في روايتك "صمت يتمدد" بشكل سلبي وباهت؛ المرأة الضحية والأم التي تحمل حزنها في أعماقها وتصمت..

ـ عندما تناولت المرأة كان ثمة واقع قائم لا يمكن تجاوزه، ولكن هذا الواقع لا يمنع المرأة من أن تكون فاعلة ومؤثرة، كانت "مريم" ضحية مقولة الشرف المستحكمة، ولكن الأم كانت تحمل سخونة التجربة وقوة المواجهة، وهذه المواجهة أنماط وأنواع، لقد كان صمت الأم فاعلا مؤثرا زعزع وهز المواجهين لها من الرجال من الداخل، كشفت عجزهم وخواءهم وجبروتهم، كان رفضها قاضيا على من حولها، فرضت على أحدهم الصمت الذي يحفر في الداخل، وأدخلت في صدر الآخر الرعب الذي لم يستطع أن يتخلص منه.

امرأة أخرى التي احتضنت السياسي حينما قذفه رجال السياسة خارجا، كانت وحدها الفاعلة والراعية لفكره.. الخ، هناك سميرة التي فرض عليها الواقع السقوط، فاستطاعت أن ترتفع لتكون عنصر بناء وحققت نفسها بقوة على صعيد الواقع وظلت تسعى لتفرض الاعتراف بها..وهكذا.

إن إيجابية المرأة لا يجب أن تقاس بمسطرة الرجل، ولكن ينظر إليها من خلال قانونها الخاص بلعبة الحياة..

? إلى أي مدى يسهم الوعي الاجتماعي عند المبدع في تلمس هموم مجتمعه ونقلها من خلال نصوصه الأدبية؟

ـ المبدعون هم الجزء الرائي للمجتمعات، في حسهم مجسات دقيقة النفاذ إلى حاضر المجتمع، يصلون إلى تلك الخطوط الدقيقة الجامعة بين ماضيه وحاضره لتشير أسهمهم إلى حلم المستقبل، الذين يتجهون إلى الفن أقدر من غيرهم على اكتشاف الأغوار، لقد أشار فرويد إلى أن الفنانين والمبدعين هم الذين اكتشفوا الأغوار، وقال إنهم أساتذتنا في اكتشاف هذه المجاهل أما العلماء فقد وضعوا العلم لهذا الاكتشاف، لذا انطلقت مصطلحاته النفسية من معطيات الفن وشخصياته.

هذه ليست مقدمة لجواب، ولكنها الجواب نفسه، فإذا كانت هذه طبيعة الفنان وهذا دوره، فبداهة أن هذه المكانة وهذا التوصيف والثقة في الفنانين تحمل كل من يقترب من الإبداع أن يحمل هذه الهموم فهي صخرته التي لم يتوان في حملها متطلعا إلى الأعالي، يخفق كثيرا ولكن ما يحفره يبقى منارة ..

المبدع هو الجزء الناطق من المجتمع، ومن ثم لا يستطيع أن يهرب من واجبه، وهو يعي هذا الواجب، يتحمله مهما كانت وسائله وتوجهاته الفنية، واقعية كانت أو سريالية، أو ما بعد حداثية حتى ولو رفعت راية العدمية.

? هل تعتقد أن الجيل الجديد ممن يكتبون في الكويت قادر على أن يضيف إلى ما قدمته الأجيال التي صنعت الحياة الأدبية؟

- لكل جيل إضافته الخاصة، والجيل الجديد في رأيي أكثر إقداما من الجيل السابق على النشر، فهو معني بإنتاجه وقد قدموا مستويات عالية، وخاصة في الرواية، ودور الفتيات الكاتبات ظاهر جدا في هذه الحقبة، كما أن السوية الشعرية عند عدد من الشعراء جيدة وفيها تجليات وإقدام على دخول أي تجربة من دون تردد، فالعصر والوعي يفسحان المجال واسعا. لهذا أقول إن الجيل الجديد في الكويت يقدم إبداعا مبشرا، بل ممتعا، يشيع السرور بالنفس.

هذا جانب..، ولكن ثمة جانب آخر، تميز فيه الجيل السابق، وهو شبه مفتقد عند الجيل الجديد، وأقصد أن إحساس الجيل السابق بالمسؤولية الوطنية ثقافيا، وخدمة المؤسسات، والمشاركة في نشر الوعي وتدعيم المشاريع الكبرى التي قام بها الجيل السابق، وضحى، من دون انتظار لجزاء أو شكر، حتى وضع اسم الكويت ومساهمتها في مكانه في الساحة الثقافية العربية. هذا الدور لم يعد كما كان، من دون التقليل من شأن عدد ممن يبذلون جهدا في إقرار القيم الحضارية الحديثة.

? برأيك هل استطاع الأدب الكويتي أن يعبر عن التحولات الكبرى التي حدثت في المنطلقة منذ العام 1990؟

ـ لأني واحد من هذه المرحلة وحاولت الاقتراب من هذه التحولات والكتابة عنها، فلن أستطيع أن أقدم حكما أو رأيا مكتملا أنتزع منه ذاتي، ولعل غيري من المتأملين، وخاصة من أصحاب النظر الدقيق والمحايد يستطيع أن يعطي تقييما مناسبا لما قدم من إنتاج فني أو معرفي في العشرين سنة الماضية، ويجب أن تكون الوقفة عند ما حدث في العام 1990 من احتلال بلد عربي لآخر، وتشريد أهله واغتيالهم وكسر بقسوة ذلك الحبل الذي خلقه حلم القومية فتحول إلى خيط وهمي، ليس فقط بسبب من فعل الفاعل الرئيس، ولكن من تلك الاستجابات غير الواعية التي قفزت على القيم العليا استجابة لأوهام مخادعة بل قاتلة.

إن هذا الواقع الأليم الذي يصعب ترقيعه هو نتيجة مباشرة لما حدث، فإذا لم نسع بجد وصدق ليس إلى التجاوز، ولكن الفهم والتحليل ووضع مبادئ أساسية يكون تجاوزها يمثل خيانة للأمة. إذا لم نكن كبارا في المواجهة، نعرف كيف نغرس نصل الصراحة الحاد والمؤلم ونتحمل بشجاعة المسؤولية، فسنظل أمة كرتونية ينفخ عليها فتتشتت شذر مذر.

azezaa.ali@algahd.jo

التعليق