"تشعيع الأغذية" طريقة فيزيائية تحل مشكلة فقدان الغذاء

تم نشره في الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً
  • "تشعيع الأغذية" طريقة فيزيائية تحل مشكلة فقدان الغذاء

عمان- لعل أعظم التحديات التي تواجه العالم اليوم إمكانية الحصول على إمداد كاف من الغذاء لمواجهة الاحتياجات المتزايدة للنمو السكاني. وبناء على تقديرات الأمم المتحدة للسنوات الأخيرة الماضية، فإن حوالي 18 % من سكان الدول النامية يعانون من الجوع والفقر ونقص الغذاء.

وبلدان العالم اليوم لا تستطيع أن تتحمل مزيدا من فاقد الغذاء، لا سيما دول العالم الثالث، التي غالبا ما تعاني من ارتفاع في درجات الحرارة والرطوبة، وهما العاملان اللذان يساعدان على سرعة فساد الأغذية، لذلك كان على الإنسان أن يطوع ما لديه من خبرة وعلم وتقنية في سبيل حل مشكلة الغذاء عن طريق تحسين الإنتاج الزراعي ووسائل الإنتاج، إلى جانب تطبيق كل ما لديه من معرفة في مجال حفظ الأغذية والمحافظة على سلامته.

ومن الطرق الحديثة، التي قد تسهم في الحد من مشكلة فقدان الغذاء، ما يعرف بـ:"تشعيع الأغذية"، وهي: "طريقة فيزيائية لحفظ الغذاء تستخدم فيها الأشعة المؤينة لفترة محددة وبمقدار معين على الغذاء، والتي تحدث تأينا في ذرات الأغذية وتعمل على تكوين الجذور الحرة داخل الأغذية".

وتعرف الجذور الحرة بأنها ذرات العناصر التي تحتوي على إلكترون مفرد، وتعد مركبات غير مستقرة؛ حيث تتفاعل مع مكونات الغذاء بسرعة عالية لإنتاج مركبات أكثر استقرارا.

وتستعمل في تشعيع الأغذية عادة أشعة من نوع جاما، وهي الأكثر تطبيقا أو حزم الإلكترونات، أو الأشعة السينية، وذلك لحفظ الأغذية وضمان سلامتها لمدى بعيد.

وتستخدم الأشعة لقتل الأحياء الدقيقة المسببة للأمراض والمتواجدة في الأغذية وتلك المسببة لتلف الأغذية، وقتل الحشرات والديدان والطفيليات وبيوضها، وكذلك لمنع نموها وانتشارها داخل الأغذية، مع مراعاة عدم تغير الخواص الكيميائية والفيزيائية للأغذية.

إن استخدام الأشعة كوسيلة حفظ للأغذية تعد من الطرق الحديثة نسبياً وغير المألوفة للمجتمع العربي، وإن أي قارئ لعنوان الموضوع ليست لديه أي معلومات عن تشعيع الأغذية باستخدام أشعة جاما تتبادر إلى ذهنه العديد من التساؤلات؛ أهمها: ما أشعة جاما وما إيجابياتها وسلبياتها؟ وهل استخدام هذه الأشعة في حفظ الأغذية يعد سليماً وآمناً ولا يسبب أي أضرار صحية لمستهلكيها؟ وهل تعرض الغذاء لتلك الأشعة يجعل من الغذاء مشعا؟ هل يوجد من الدول الصناعية الكبرى من تستخدم هذه التقنية، وما رأي مستهلكيها؟ هل استخدامها في الأغذية يؤثر سلباً أو إيجاباً على جودة الغذاء وخصائصه الحسية؟ وكيف للمستهلك أن يعلم أن الغذاء تم تعريضه للإشعاع؟

أشعة جاما

تنتمي أشعة جاما إلى الأشعة الكهرومغناطيسية، وهي عبارة عن موجات تتكون من مجال كهربائي ومجال مغناطيسي متعامدين دائما، وتنتقل هذه الأشعة في الفراغ بسرعة الضوء، أي ما يعادل 186 ألف ميل في الثانية.

وتخرج أشعة جاما على شكل حزم صغيرة من الطاقة تسمى بالفوتونات، ويرجع انبعاث أشعة جاما نتيجة لاضطرابات في النواة؛ حيث تكون الطاقة فيها زائدة عما هي عليه في الحالة الطبيعية، وكي تتخلص نواة الذرات غير المستقرة من الطاقة الزائدة، فإنها تقوم بإصدار أشعة جاما وجسيمات أخرى؛ مثل جسيمات ألفا، وجسيمات بيتا.

ويستخدم النظير المشع لعنصري الكوبالت (كوبالت- 60) والسيزيوم (سيزيوم-137) كمصدر لأشعة جاما، إلا أن كوبالت-60 هو الأكثر استخداما. وأشعة جاما هي أشعة ذات طاقة عالية وقدرة اختراق جيدة، ما يجعل هذه الأشعة أداة جديدة وفعالة في حفظ الأغذية، وتستخدم الوحدة جراي أو الكيلوجراي للتعبير عن مقدار امتصاص الأغذية لهذه الأشعة.

إيجابيات وسلبيات تشعيع الأغذية

أسوة بغيرها من وسائل وطرق حفظ الغذاء، فإن تشعيع الأغذية ينضوي على جملة من الإيجابيات والسلبيات. ومن أهم الفوائد والإيجابيات التي يمكن جنيها من تشعيع الأغذية:

1 - زيادة فترة صلاحية الأغذية المشععة من دون أن تتحول إلى أغذية مشعة.

2 - التقليل بشكل ملحوظ من محتوى الغذاء من البكتيريا الممرضة للإنسان؛ مثل السالمونيلا والإيشيريشية القولونية.

3 - قتل الحشرات والديدان والخنافس والسوس والفراشات المتواجدة داخل وخارج الأغذية، وخصوصا في الحبوب والبقوليات.

4 - تعقيم الأغذية من دون التسبب في رفع درجة حرارتها، لذا فإنها تسمى بطريقة التعقيم البارد، والتي لا تؤثر على الخواص الحسية للأغذية.

5 - عدم وجود متبقيات للأشعة بعد تعرض الغذاء للتشعيع، كما يحصل مع متبقيات المبيدات.

6 - عدم تكون أي مركبات ضارة أو مسرطنة للإنسان أو الحيوان عند استخدام جرعات التشعيع الموصى بها عالمياً للأغذية.

7 - إمكانية تشعيع الأغذية المجمدة والمغلفة.

8 - تثبيط إنبات درنات البطاطا أو البصل أثناء الخزن لفترات طويلة.

9 - تأجيل نضوج العديد من الفواكه؛ مثل الفراولة والطماطم، من خلال تثبيط هرمونات النضوج فيها.

10 - التقليل من كمية العوامل المضادة للعناصر الغذائية، والمتوافرة بكثرة في بعض الأغذية النباتية؛ كالبقوليات، ومن الأمثلة عليها الليكتينات والصابونينات ومثبطات إنزيم التربسين الهاضم للبروتين.

وفي الوقت الراهن، هناك أكثر من 60 دولة، بحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية للعام 2007، سمحت بتشعيع الأغذية وسنت القوانين لتسهيل تصدير ودخول الأغذية المشععة إلى تلك البلدان؛ منها الولايات المتحدة الأميركية وكندا وجنوب أفريقيا وفرنسا والصين والمكسيك والدنمارك والبرازيل والأرجنتين وروسيا.

أهم السلبيات المترتبة على تشعيع الأغذية

1 - التكلفة العالية لوحدة تشعيع الأغذية.

2 - فقدان البكتيريا والأنزيمات النافعة أثناء التشعيع.

3 - احتمالية تطور أنواع معقدة من الأحياء الدقيقة تصبح مقاومة للتشعيع.

4 - سموم الأحياء الدقيقة لا تتحطم مع التشعيع، بل تعد أكثر مقاومة للتشعيع من البكتيريا.

5 - عزوف المستهلك عن تناول الأغذية المشععة، وذلك لقلة المعلومات المتوفرة عن تشعيع الأغذية وعدم فهم طبيعة الغذاء المشعع من حيث كونه غير مشع ولا ضار، وأن المركبات الناتجة عن التشعيع مشابهة لحد كبير للمركبات الناتجة عن معاملة الأغذية بالوسائل التقليدية.

ففي أحد البلدان الصناعية الكبرى، ارتفعت نسبة الأفراد المستهلكين للغذاء المشعع من أقل من 15 % إلى أكثر من 75 % من مجمل عدد المستهلكين، وذلك بعد أن قامت الحكومات بعمل حملات تثقيفية من خلال وسائل الإعلام المختلفة لزيادة مستوى الوعي في أذهان المستهلكين وتحسين صورة الأغذية المشععة لديهم.

تطبيقات التشعيع على الأغذية

يعتمد تطبيق أشعة جاما على الأغذية على عدة عوامل من أهمها:

1. طبيعة المادة الغذائية؛ كونها من اللحوم أو الخضراوات أو الحبوب؛ فالأغذية التي تحتوي على نسب عالية من الدهون؛ مثل السمنة أو الزبدة، لا يمكن تشعيعها نظراً لزيادة الروائح غير المرغوب بها، والتي يعمل التشعيع على تسريع تفاعلات التزنخ فيها.

2. نوع الأحياء الدقيقة أو الحشرات المراد التخلص منها: فمثلا تحتاج الفيروسات إلى جرعات تشعيع أعلى من البكتيريا للتخلص منها، كما تحتاج البكتيريا إلى جرعات تشعيع أعلى من الحشرات والديدان.

3. تقل كفاءة التشعيع إذا كان هنالك غلاف حول المادة الغذائية أو إذا كان الغذاء مجمداً أو إذا تم التشعيع في ظروف خالية من الهواء.

ورغم أن التشعيع لا يجعل من الغذاء مشعاً، إلا أن هنالك العديد من المركبات التي تنتج وتتجمع داخل الغذاء المشعع، والتي تعرف بـ"المركبات المتحللة بفعل الإشعاع"؛ حيث أشارت الدراسات إلى أن هذه المركبات تنتج بكميات ضئيلة جدا بما يعادل 3 أجزاء من المليون عند تعرض الغذاء إلى 1 كيلوجراي جرعة تشعيع، وأن هذه المركبات ليست حصراً على الأغذية المشععة، بل من الممكن أن تتواجد طبيعياً في الأغذية أو بعد معاملة الغذاء بالحرارة. ومن هذه المركبات: الجلوكوز وحمض الفورميك وأسيتل-ألديهايد وثاني أكسيد الكربون.

وقد أثبتت دراسات السمية ولفترات طويلة أن التشعيع لا يسبب أي أضرار صحية أو يعمل على إنتاج السموم، كما أنه لا يسبب أمراضاً سرطانية أو طفرات جينية عند تناول الأطعمة المشععة من قبل الإنسان أو الحيوان على حد سواء.

د. فراس سلطان العزة

دكتوراه في التغذية والتصنيع الغذائي

firasazzeh@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقال جميل جدا (sawsan)

    الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2010.
    اشكرك د فراس على الافادة والى الامام