يُتْم اليسار الإسرائيلي

تم نشره في الاثنين 20 كانون الأول / ديسمبر 2010. 02:00 صباحاً

هأرتس

جدعون ليفي 19/12/2010

سار بضعة آلاف من الإسرائيليين في مسيرة قبل اسبوع في تل ابيب احتفاء بيوم حقوق الانسان الدولي؛ وقد مثلوا ما لا يقل عن 130 منظمة مختلفة، ورفعوا لافتات صارخة وأعلاما متنوعة ? وكانوا كلهم أيتاما سياسيين. أصبح حزب العمل ايضا يتيما منذ زمن. إن لواء (احتياط)، مجده في احتجاجه الشجاع على حرب لبنان الأولى، قبل نحو ثلاثين سنة، وفي السنين الجميلة المدهشة التي قضاها في يروحام، هو الآن أمله الابيض، بدل الفريق الذي خيّب الآمال والذي لا توجد أدنى صلة بينه وبين اليسار.

إن اقبال عمرام متسناع المستقيم والمتواضع يشهد على أن هذا البديل من الأب لم يعد يستطيع المساعدة: حذره عضو الكنيست ايتان كابل ألا "يقترب بعصا" من الحزب. وثار وزير "شؤون الأقليات" افيشاي برفرمان على هذا "الانحراف الكثير جدا الى اليسار"، بطبيعة الأمر. فالتحذير في إسرائيل دائما هو من "الانحراف الى اليسار كثيرا".

وقد اصبحت ميرتس يتيمة منذ زمن. ان الاحزاب العربية، لا يجهد أكثرها نفسه بالتوجه الى المصوت اليهودي. كذلك ما يزال حزب حداش الثنائي القومية عربيا أكثر من كونه يهوديا.

"اليسار الوطني"، وهو مبادرة سياسية تستحق التقدير، يخطو خطواته الأولى، يتيما حتى الآن من القيادة، ومصاب بضعف النظر الثابت لليسار الاسرائيلي، فهو ايضا ينظر نحو المركز. لا يُبنى اليسار مع هجوم واضح على رافضي تجنيد انفسهم حتى لو كان وطنيا. هذا الانتظام ما يزال وعدا لم يتحقق، قد يصبح "كديما" اليسار. ماذا عن كديما؟ لا حاجة الى كثرة الكلام. انه مشارك كبير في عدد من المبادرات المعادية للديمقراطية والقومية جدا في الكنيست الحالية، وهو أكبر مضلل لمصوتي اليسار، وقد بدا أن حزب المركز، كالمتوقع، هو يمين غير معتدل لكنه متنكر.

نصيب اليسار هو اليُتْم السياسي والفراغ التنظيمي. إن الحديث ليس عن ملايين الإسرائيليين الذين ينقضون على الابواب، لكن الأقلية ايضا تستحق أكثر.

في المجتمع الإسرائيلي الرِخو القومي ما تزال توجد جزر من بضع مئات من آلاف المواطنين يفكرون تفكيرا مختلفا، ويزعزعهم ما يحدث ويقلقهم المكان الذي يمضون اليه. لا أب ولا أم لهم، ولا حزب سياسيا، ولا حركة فكرية ولا قيادة بديلة بيقين، يشايعونها ويسيرون في ضوئها. فيبقى أكثرهم على عدم اكتراثه ويأسه، والقلة منهم تجد الملاذ في العمل الفئوي الضيق جدا فيما لا يحصى من الجمعيات والمنظمات التي تسير في مسيرات من آن لآخر في تل ابيب.

إنهم يحاربون من اجل العمال الاجانب، ويحاربون العنف بالنساء، ويراقبون على الحواجز، ويناضلون الجدار، ويكافحون من اجل حماية البيئة، ويثورون على التنكيل بالحيوانات، ويحتجون على الحريديين بل على الفرو. كل هذه مبادرات تثير التقدير، لكنها لا تُجمع لتصبح نشاطا سياسيا مهما شاملا.

يوجد قاسم مشترك فكري بين جميع هذه النضالات ويجب ان تصبح نضالا عاما. لا يمكن ان تكوني نسوية مصممة ثم تؤيدي تسيبي لفني، ولا يمكن ان تكون "أخضر" وتؤيد جلعاد أردان، ولا يمكن ان تهتم بمهاجري العمل وتتغاضى عن مصير الماكثين غير القانونيين الفلسطينيين الذين يُصادون كالحيوانات.

يجب الحكم على لفني وأردان بحسب تصورهما العام، وهو ليس تصورا ليبراليا وانسانيا حقيقيا. من نضال العنف بالنساء الى نضال الاحتلال، ومن حقوق الانسان الى حقوق الحيوان، النضال متصل بالنضال، ويتوحد كل ذلك في تصور عام. ولا تكفي جمعية من اجل ذلك، بل يُحتاج من اجل ذلك الى حزب.

مهمة انشائه صعبة، فاحزاب الرف ومجتمعات الهياكل، واليسار السابق كفّت عن الوفاء بغايتها، وتاريخ انشاء أطر جديدة في السياسة الإسرائيلية مملوء بخيبات الأمل والاخفاقات. لكن الفراغ يوجب ذلك. انه يصرخ من اجل بديل.

بغير نظر الى المركز وبغير نفاق لليمين، وبغير اعتذار عن الخيانة، وبغير استحياء وبغير تلعثم، يسار حقيقي حاد وواضح بلا أم وبلا أب. في مجتمع يكون "اليسار" فيه اسما معيبا، تكون تلك مهمة صعبة لكنه أصعب البقاء من غيرها.

التعليق