"في انتظار صعود المياه": درس جميل في الإنسانية في عالم عدواني مخيف

تم نشره في السبت 18 كانون الأول / ديسمبر 2010. 03:00 صباحاً

ماريز كوندي تنال الجائزة الكبرى لرواية ميتيس

مدني قصري

عمان - عن روايتها "في انتظار صعود المياه" نالت ماريز كوندي في الأيام الأخيرة، الجائزة الكبرى لرواية ميتيس 2010 (وقيمتها 5000 يورو)، لتلتحق بذلك، بقائمة الجوائز الأدبية الفرنكوفونية.

ماريز كوندي كاتبة فرنسية، ولدت في غوادولوب العام 1937. أصدرت العديد من الروايات التاريخية، ومنها رواية "سيغو"، و"أنا وتيتوبا... الساحرة".

تثير الأديبة ماريز كوندي، عملاقة الأدب الفرنسي، دهشة القارئ بنصها الذي يجتمع فيه ثلاثة رجال حول صبية صغيرة تبحث عن أصولها. في هذه الرواية نتعرف على قصة باباكر، وهو طبيب مختص في طب التوليد، من أصل إفريقي، يعمل في غوادولوب، ويعيش وحيدا مع ذكريات طفولته الإفريقية، ومع ذكريات أمه ذات العينين الزرقاوين، التي تأتي لزيارته في الحلم. ويعيش أيضا مع ذكريات حب قديم، حبه للفتاة أزيليا التي اختفت هي أيضا، ومع أحلام أخرى من عمر الشباب، قبل أن يهاجر إلى غوادولوب، مهد عائلته. لكن القدر، أو العناية الإلهية تشاء أن تضع في طريقه طفلة صغيرة، ترغمه على هجر عزلته، وكوابيسه. لم يكن للطفلة اليتيمة أنيس يرعاها ويحميها غير هذا الطبيب. لقد فارقت أمهما وهي مهاجرة هاييتية، الحياة وهي تضع حملها، لتنقل إلى طفلتها التي كتبت لها الحياة، هروبَها وبؤسها. ويريد باباكر أن يتبنى الطفلة، وأن يمنحها مستقبلا آخر مختلفا، فيقرر السفر بها إلى هاييتي، إلى تلك الجزيرة التي يدمرها العنف، والحكومات الفاسدة، والعصابات المتمردة. هناك في تلك الجزيرة الجميلة الساحرة يبحث باباكر عن عائلة الطفلة أنيس... عن خالة، أو عمة، عن جدة أو جد، يروون له قصة تلك الطفلة. لكن من دون جدوى. فلم يلتق باباكر بأحد، ولا يسعه أن يعوّل إلا على نفسه، وعلى صديقيه موفار وفؤاد، وهما رجلان يشبهانه، مهاجران يعيشان في العزلة بحثا عن نفسيهما، ويجدان في هاييتي أجوبة عن أسئلتهما، ومكان أمان وسط الركام والأنقاض.

رواية ماريز كوندي ""في انتظار ارتفاع المياه" رواية بأبواب كثيرة، تستكشف ماضي العديد من الشخصيات، ونص معقد بأصوات متعددة. رواية تتيح للقارئ السفر إلى إفريقيا، وإلى جزر الأنتيل، واكتشاف عالم مجهول، تهزه وتبلبله حالات الفوضى السياسية، والحروب. فمشاهد الفوضى تفيض في هذه الرواية المثيرة، وهو ما يجعلها قاتمة للغاية: العنصرية، التعذيب، الاعتقالات التعسفية، على خلفية من الانقلابات والحروب الأهلية. ففي مهب رياح الفوضى تتأرجح شخصيات الرواية باستمرار، وتهتز تحت رحمة الحكومات، والميليشيات، والأقدار. وأخيرا يفقد باباكار، على التوالي، كل نساء حياته، إذ تُغتصَب منه نساؤه جميعا. قصة حزينة، إذن، تلك التي تعيشها هذه الشخصية المسكينة التي تشدنا إليها عبر صفحات الرواية.

تستكشف هذه الرواية أيضا موضوع الأبوة، وتظهر ببراعة واحتشام أننا نستطيع تجاوز صلة القرابة، وأننا في حاجة إلى "دنا" DNA حتى نحس بأبوة الأب لطفله. العلاقة ما بين باباراك الطبيب وما بين الطفلة أنيس علاقة تلقائية، تثير القارئ بدفئها وحميميتها. لكن على الرغم من ظروف الحياة التي أثرت في كل واحد من الشخصيات، سواء باباراك، أو موفار، أو فؤاد، فإن الرجال الثلاثة يظلون متماسكين، وقادرين على الإنسانية والحب.

انطلاقا من هذا النسيج الروائي، إذن، تبني الروائية قصة تختلط فيها أقدار شخصيات مختلفة ترتبط فيما بينها. وفي سياقها تظل قصة هاييتي حاضرة وفاعلة، وكذلك أقدار تلك البلدان الإفريقية التي تدمرها الحروب الأهلية.

من ميزات هذا الكتاب تداول الأصوات، وأحداث الشخصيات المتعددة التي تختلط بنسيج الرواية الرئيسي. فهكذا نكتشف بيروت بعيون فؤاد، عندما ينفتح على باباراك، أو على ماضي هذا الأخير الذي نلتقي فيه بواحدة من الشخصيات القوية المؤثرة في الرواية "أنا، تيتوبا الساحرة"، أم الشخصية الرئيسية في الرواية.

قصة باباكر قصة مثيرة ومزعجة في آن، لفرط تردد باباكر في اتخاذ القرار، فيما بقية الأشخاص من حوله يأخذون زمام أمورهم بأنفسهم في شجاعة. فهو شخصية ترقبية وانهزامية. إنه يبكي ماضيه بلا انقطاع، والآخرون هم الذين يدفعونه إلى التقدم في الحياة. ويتابع القارئ هذه المغامرات وهو ينتظر البقية، ويأمل في أن تمنحه بقية الأحداث بعض الراحة والطمأنينة، لكنه يعلم عن يقين، أن تلك الطمأنينة لن تأتي أبدا.

أما طريقة السرد التي اختارتها الكاتبة فهي أصيلة، إذ تركز على شخصية باباكر الذي يأتي السرد من وجهة نظر هو. فيما مع بقية شخصيات الرواية تختار الروائية طرقا مختلفة في السرد.

إجمالا نقول إن رواية "في انتظار ارتفاع المياه" قصة مضللة، لكنها ساحرة آسرة، بأسلوبها البسيط الشفاف، وقصتها المعقدة، المرصوصة. إنها درس جميل في الإنسانية، في عالم صار مخيفا وعدوانيا.

ماريز كوندي، التي نقرؤها بمتعة كبيرة، أديبة يجهلها الكثير في بلدها الأصلي فرنسا. ففي ألم وحسرة تقول عن نفسها: "لماذا يجهلني الناس إلى هذا الحد، وفي بلدي الأصلي بالذات؟ إنني مع ذلك أكتب منذ العام 1976. ذات يوم التقيتُ بنحو ثلاثين من أصحاب المكتبات. فلا أحد منهم كان يعرفني! إنه لأمر لا يصدق!".

madani.guesseri@alghad.jo

 

التعليق