هذا هو الموجود

تم نشره في السبت 14 آب / أغسطس 2010. 10:00 صباحاً

هآرتس

الوف بن

13/8/2010

منحت لجنة تيركل هذا الأسبوع، الإسرائيليين كشفا نادرا لرؤساء الدولة والجيش في ظهور حي ومباشر امام الكاميرات والميكروفونات. "قضية الأسطول" حطمت الصمت الإعلامي الذي فرضه على نفسه رئيس الوزراء، وزير الأمن ورئيس الأركان، الذين امتثلوا في قاعة مداولات اللجنة في القدس، تحدثوا على مدى ساعات وردوا على الأسئلة.

المحاضر التي نشرت في الزمن الحقيقي، ليس مثلما في لجنة فينوغراد، تعرض اصحاب القرارات كما هم. حتى من استعد مسبقا وسجل لنفسه النقاط وصفحات الرسائل، مكبل بطبيعته وتجربته. لا يمكن للمرء ان يختبئ في شخصية اخرى في جلسة طويلة امام سبعة محققين، حتى لو كانوا لطفاء مثل القاضي تيركل ورفاقه.

وماذا اكتشفنا؟ ان بنيامين نتنياهو وإيهود باراك وغابي أشكنازي يشبهون جدا تصورنا المسبق عنهم، شخصيات من "بلاد رائعة" (برنامج تلفزيوني ترفيهي يقلد الزعماء). رئيس الوزراء سطحي، يهتم اساسا بالصورة ويشعر بالضغط مما يقال عنه. ولهذا سارع إلى "إيضاح الشهادة" بعد ان رأى العناوين النقدية على مواقع الانترنت.

وزير الأمن يعتمد على ماضيه في وحدة "دورية قيادة الأركان" ("قضيت اهم سنوات عمري في العمليات")، يستهتر بالتجربة المدنية ("فاكنين ضد بلدية بيت شيمس او بالعكس") ويستمتع في أن يرى بأنه الولد الأذكى في الصف، الذي يفهم في الاستراتيجية وفي التفاصيل أيضا. رئيس الأركان شعر بارتياح في منصب قائد السرية مع السكين بين الأسنان، ويتحدث باللغة العسكرية المقتطعة التي تمنحه المصداقية ("من ناحيتي"، "ادارة مخاطر"، "الرمز الجيني للجيش الإسرائيلي").

ترتيب الشهادات، كما اشتكى هذا الاسبوع احد المسؤولين الكبار، قرر النتيجة في الرأي العام: نتنياهو وباراك اتخذا في وسائل الإعلام صورة من يهربان من المسؤولية ويسقطان الملف على المرؤوسين، بينما خرج أشكنازي رجلا بكل ما في الكلمة من معنى. لو كانوا استدعوهم بترتيب معاكس، رئيس الأركان أولا وبعده وزير الأمن فرئيس الوزراء لبدوا جميعهم مسؤولين وجديين.

الفوارق بين الروايات ليست كبيرة. كل الثلاثة برروا الإغلاق البحري على غزة كضرورة امنية ترمي إلى منع تهريب السلاح. وادعوا بأن اتخاذ القرارات قبل وقف الأسطول التركي كان معقولا ونقاط الخلل كانت في التنفيذ، واجتهدوا للدفاع عن مؤسسة التحقيق العسكري ومنح المقاتلين وقادتهم حصانة من المسؤولية الجنائية.

كما أن القصص التي رووها متشابهة: عندما تجمعت أنباء عن أسطول كبير ينظم في تركيا لكسر الحصار البحري على غزة في ربيع هذه السنة، حاولت إسرائيل تأخير انطلاقه بوسائل دبلوماسية وبأعمال استخبارية سرية، ونجحت في تقليص حجمه من دزينة سفن إلى ستة. السفن التي اصرت على الوصول إلى غزة تقرر وقفها بالقوة، فجر 31 أيار (مايو).

المعلومات الاستخبارية كان فيها خلل، وطريقة العمل التي اختيرت لم تتناسب والحدث، بحيث إن الجنود وجدوا في حالة بائسة وأداروا معركة إنقاذ على دكة "مرمرة" ضد جمهور مشاغب، عنيف ومسلح. تسعة مسافرين أتراك قتلوا وإسرائيل تعرضت لانتقاد في العالم، ولكنها لن تغير سياستها تجاه "حماسستان" التي تهدد في غزة، باستثناء تسهيلات رمزية على دخول البضائع إلى القطاع عبر معابر الحدود البرية.

التفاصيل التي عرضت مشابهة، ولكن الفوارق في الاسلوب وفي النهج قدمت للجمهور قيادة متنازعة رؤساؤها يتملصون من مسؤولياتهم. أشكنازي، الذي تمتع بتفوق استخباري على المسؤولين عنه - فقد قرأ شهاداتهم قبل أن يشهد بنفسه - اختار نهج الجساس الأعمى: "كن رجلا، كن خرقة، أهن نفسك".

استعداده لان يقول "أخطأت" اكسبه تفوقا هائلا على باراك وعلى نتنياهو اللذين يعترفان بأخطاء غيرهما فقط. خرج أشكنازي بطل هذا الأسبوع وظهر كمن يفهم في الإعلام أكثر بكثير من رئيس الوزراء ووزير الدفاع، رغم انهما اكثر تجربة منه في الحياة العامة.

وعرض نتنياهو وباراك مذهبا مشابها: إسرائيل هي فيلا في الغابة، الموقع المتوقع للديمقراطية الغربية في المواجهة ضد "الارهاب الراديكالي الإسلامي"، دولة ليبرالية منفتحة مع صحافة حرة وجهاز قضاء مستقل حولها "يوجد فقط ارهاب وطغيان". من أجل البقاء على قيد الحياة في مثل هذه البيئة الفظيعة يجب للمرء أن يكون قويا، ولكن هذا لا يكفي. ليس أقل أهمية التمتع بالشرعية الدولية. رئيس الوزراء يتوجه إلى "أناس نزيهين ومستقيمين في أرجاء العالم"، ووزير الأمن يتمنى دعم "الناس المستقيمين في العالم الحر".

جيد لنا ان نعرف بأنه يوجد في العالم أولياء كهؤلاء: مشكلة إسرائيل، انهم لا يشترون قصتها. إسرائيل تصر على أنه لا توجد أزمة انسانية في غزة، وان الغزيين شبعى والاسواق مليئة، وفي العالم لا يصدقونها. نتنياهو يميز بين "الحقيقي"، بمعنى الواقع، وبين "الحقيقة السياسية الإعلامية" التي تدور فيها المواجهة مع الفلسطينيين، في نظر زعماء الدول ومستهلكي الإعلام في الغرب.

ما العمل؟ تقدير الوضع مشابه، ولكن نتنياهو وباراك يستخلصان منه استنتاجات مختلفة. بيبي يهمه اساسا "الحقيقة السياسية - الإعلامية"، وهي الدافع لقراراته. من ناحيته، للسياسة تجاه غزة يوجد ثلاثة اهداف: قبل كل شيء، تحرير جلعاد شاليط، "موضوع يمس شغاف القلب لنا جميعا، قلب كل شعب إسرائيل". بعد ذلك رد فوري على النار من القطاع على إسرائيل، واخيرا، منع أزمة إنسانية في غزة.

بالنسبة لباراك، هدف رقم واحد هو "عزل وإضعاف حماس مقابل السلطة الفلسطينية". أما نتنياهو فهذا لا يهمه على الإطلاق. الهدف التالي لباراك هو تقليص ومنع النار من غزة، وشاليط فقط في المكان الاخير. وهذا يشرح لماذا نتنياهو اكثر شعبية من باراك بين الجمهور الإسرائيلي. رئيس الوزراء يفكر قبل كل شيء بما يعني ناخبيه، اعادة جلعاد شاليط إلى الديار، وليس على تعزيز السلطة الفلسطينية، الأمر الذي لا يرفع الاستطلاعات إلى الأعلى حتى ولا بنصف نقطة.

تستخلص من ترتيب الاولويات المعاكس أيضا الحلول المختلفة: نتنياهو يعنى بالتكتيكات الصغيرة لـ"الإعلام الوطني" وهو لم يتذكر على الإطلاق التفاصيل العملياتية التي بحثت في جلسة السباعية في 26 أيار (مايو)، حيث أقرت العملية لوقف الأسطول. من ناحيته، النقاش عني "بالاستعدادات للحدث بشكل منسق من ناحية اتصالاتية، اعلانية ودبلوماسية".

وقد تذكر التعليمات التي اصدرها "لتقليص الضرر الإعلامي بوسائل مختلفة"، مثل إشراك مراسلين اجانب على سفن سلاح البحرية. أما وزير الدفاع فاهتم أقل بكثير بمكان المراسلين في القوة الغازية وتذكر نقاشا جديا في السباعية "طرح فيه بصراحة وبشكل افتراضي البدائل".

ولكن حسب روايته كان النقاش سطحيا: "استعراض استخباري موجز ووصف عملياتي قصير أعطاه رئيس الأركان. الحل لأزمة إسرائيل السياسية يكمن، برأي باراك في مبادرة سياسية لاتفاقات سلام مع الفلسطينيين، مع سورية و"إن شاء الله مع لبنان أيضا"، وليس في تحسين زاوية التصوير لجنود الجيش الإسرائيلي. هكذا هو باراك، يحب الخطوات الاستراتيجية الكبرى ويقع في الصغائر.

أحباء وزير الأمن في لجنة السباعية الوزارية هما الوزيران دان مريدور وبيني بيغين، وليس صدفة: فقد كانا أول من دافع عنه في وسائل الإعلام (إلى جانب النائب السابق اوري اور) في الرد على الادعاءات التي نشرت عشية دخوله إلى السياسة، وكأنه ترك الجرحى في مصيبة تساليم لمصيرهم ("إيهود هرب").

الآن يثني باراك على بيغين ومريدور، كمن طرحا التحفظات وسألا أسئلة فهيمة عن المخاطر التي ينطوي عليها وقف الأسطول. القصة تثير التساؤل: ما جدوى هذه الأسئلة اذا لم يترجمها احد إلى أجوبة عملياتية؟ شهادات كبار المسؤولين امام لجنة تيركل تدل على أن الناس لا يتغيرون، وأنهم يتذكرون فقط ما يعنيهم ومن الصعب عليهم كسر حدود خلفيتهم وتجربتهم. من أقام حياة مهنية في التلفزيون، في الدبلوماسية وفي السياسة سيتصرف خلافا لمن خطط وقاد عمليات خاصة في الجيش.

لا يوجد "بيبي جديد" و"باراك مختلف". البضاعة هي ذات البضاعة. وفقط الشاهد الثالث، أشكنازي، استعد جيدا وأظهر سيطرة مثيرة للانطباع على التفاصيل العملياتية والإعلامية وانفتاحية نحو التقدم التكنولوجي.

وهو الوحيد الذي ادخل الفيديو إلى محاضرته وكشف عن معرفة للإنترنت ووسيلة الإعلام الجديدة "يو تيوب" والصفحات الشخصية على الإنترنت. على خلفية صمته الطويل كرئيس أركان، كان شهادته الأكثر تشويقا منهم جميعا. ولكن أشكنازي هو أيضا يتغذى من ذات المذهب ومتمسك بذات مفاهيم تفكير المسؤولين عنه. في إسرائيل 2010 هذا هو الموجود.

 

التعليق