موظفون ورواتب: يوم لهم وثلاثون عليهم

تم نشره في السبت 17 تموز / يوليو 2010. 10:00 صباحاً
  • موظفون ورواتب: يوم لهم وثلاثون عليهم

سلافه الخطيب

إربد- بعضهم شبّههه بـ "القرود"، لعدم القدرة على السيطرة عليه، وآخرون بالسراب، لأنه لا يطفئ ظمأ ولا يسمن من جوع، كما يراه موظفون مُجنحا لا يكاد يحط حتى يطير بسرعة البرق.. إنه الراتب.

أما "الحسبة" التي تسبق استلام الراتب، فتلك قصة أخرى، لأنها، في الواقع، تمهيد لاحتراقه وتآكله، وهو ما يُشعر أبو محمد، بأن بداية الشهر مثل نهايته، لا فرق بينهما، على الرغم من ومضة "الفرج الخاطف" التي تترافق ويوم استلام الرواتب.

أما الخانة التي "تقضم" الراتب، وهو ما يزال "رقما مجردا" على دفتر الحسابات التي يجريها، في العادة، أبو محمد، فتذهب لتغطية الفواتير، التي يصفها أبو محمد بأنها مثل "كابوس" يضاف إلى جملة الكوابيس التي تثقل كاهل الأسر الأردنية، على غرار أسعار المواد الغذائية الأساسية، والبنزين، وارتفاع قيمة استهلاك المياه والكهرباء.

وتتفاقم الأعباء المالية إلى الضعف في أشهر الصيف، حيث تكثر المناسبات والأفراح، والالتزامات الاجتماعية، ما يدفع أبو محمد إلى الاقتصاد بالنفقات وترشيدها، لكن، وعلى الرغم من ذلك، يبقى راتبه الذي لا يتجاوز 300 دينار، عاجزا عن تغطية نفقات الشهر، من دون أن يدخل صاحبه في دوامة الديون.

ويضيف أبو محمد، الذي يعيل أسرة مؤلفة من 5 أفراد، إن "الراتب لا يكفي، وهو ما يضطرني إلى العمل الإضافي سائقا لسيارة أجرة "، ويقول "ما أحصل عليه يكفي لأن نعيش كل يوم بيومه، وفي اليوم الذي لا نجد فيه ما يكفي لتغطية الاحتياجات يصبح الدين أمرا اضطراريا".

ويؤكد أن مشاركته في المناسبات التي يجرها شهر الصيف تكاد تكون محصورة بأقرب المقربين، وبسبب تواضع راتبه فإنه يحرص على عدم تحميل نفسه ما لا يطيق، ويكتفي بشراء ما يلزم " لتبييض الوجه" أمام صاحب الدعوة، ذلك أن الجميع، بحسب قوله "بيعرف الطابق والمستور".

أما العائلات الصغيرة، فيلاحظ أن أصحابها لديهم من الجرأة ما يكفي لتدبر أمورهم، عبر الاستعانة بالقروض، لأنهم ما يزالون في سن العطاء، غير أن الدخول في دوامة اقتطاع جزء من الراتب، من أجل التسديد، يضع العائلة أمام "مطب كبير" بحسب منى عقل، الموظفة في أحد القطاعات الخاصة.

تقول عقل "يذهب من راتبي 150 دينارا لتسديد قرض سيارة اقتنيناها أخيرا، وزوجي أيضا يسدد 120 دينارا، ومع دفع فواتير المنزل يبقى القدر القليل، الذي لا يكفينا لتغطية نفقات آخر أسبوعين في الشهر، من دون الاستعانة بالعائلة الكبيرة".

ويبقى توفير الأساسيات عصيا على غالبية الأسر، بحسب عقل، التي تقول إن توفير العديد من متطلبات الحياة العصرية غدا أمرا ثانويا، لا سيما ما يتصل بشراء الألبسة، أو أي قطع جديدة يمكن إضافتها إلى أثاث المنزل، أو حتى الالتزامات الاجتماعية التي تحضر بقوة في شهر الصيف، وهو ما يدفع بالكثير من الأسر إلى الابتعاد عن توطيد علاقاتها مع الآخرين.

ويصف الخبير الاقتصادي مازن مرجي يوم استلام الراتب بأنه "يوم الفرج للأسر الإربداوية، التي يعيش أكثر من 95 % منها على راتب محدود".

لكنه يستدرك أن "طاقة الفرج ما إن تنفتح في الأيام الأولى حتى تغلق مرة أخرى، حيث يعيش المواطن في الأيام العشرة الأخيرة التي تسبق استلام راتبه، في بؤس وضنك ينعكسان على نفسيته على نحو سلبي".

ويشير مرجي إلى أن قلة الاستثمارات في المحافظة، وعدم توفر الوظائف ذات الدخل المرتفع، يجعلان من غالبية أهالي إربد يعتمدون على مصدر دخل واحد هو الراتب، مضيفا أن آخر إحصاءات رسمية، أشارت إلى أن إنفاق الأسرة الأردنية في السنة يبلغ حوالي 8 آلاف دينار، في حين أن دخلها لا يتجاوز 7 آلاف دينار، ما يعني أن قيمة العجز تبلغ ألف دينار.

ومع غلاء المعيشة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، والضرائب التي تفرضها الحكومة، فإن الأسر تقف أمام عدة خيارات، أفضلها ترشيد الاستهلاك، والاستغناء عن السلع الكمالية، وفق مرجي.

ويوضح أن البعض يلجأ إلى تغطية نفقات الشهر بالديون الشخصية من الأقارب، أما من يتقلد وظيفة ثابتة فيلجأ إلى القروض البنكية، والبعض يضطر إلى بيع ما يملكه من أراض.

وارتفعت نسبة الفقراء في المملكة إلى 13.3 %، أي ما يعادل 781.403 مواطنين، بحسب دراسة اعدتها دائرة الإحصاءات العامة للأعوام 2006-2008.

وبحسب الدراسة التي أعلن نتائجها مدير عام الإحصاءات العامة حيدر فريحات مؤخرا، فإن خط الفقر العام بالدينار للفرد سنويا، بلغ 680 دينارا، موزعة 292 دينارا، خط الفقر الغذائي بالدينار للفرد سنويا، و388 خط الفقر غير الغذائي للفرد سنويا بالدينار.

وبحسب مؤشرات الفقر 2008، بأساس سنة 2006، فإن متوسط إنفاق الأسرة السنوي يصل إلى 7057 دينارا، بينما متوسط دخل الأسرة 6166 دينارا، فيما يصل إنفاق الفرد إلى 1238 دينارا، ومتوسط دخله 1081 دينارا، علما بأن متوسط حجم الأسرة الأردنية 5.7 فرد.

وذكرت الدراسة أن خط الفقر الغذائي بالدينار للفرد شهريا، 24.3 دينار، وخط الفقر غير الغذائي للفرد بشكل شهري 32.3 دينار، ليبلغ خط الفقر العام للفرد 56.7 دينار في الشهر الواحد.

solafa.alkhateeb@alghad.jo

التعليق