التشكيلي أبو زريق يقترح شكلا آخر للمرأة والحلم في "فضاء مخاتل"

تم نشره في الجمعة 2 تموز / يوليو 2010. 10:00 صباحاً
  • التشكيلي أبو زريق يقترح شكلا آخر للمرأة والحلم في "فضاء مخاتل"

غسان مفاضلة

عمان- حال لافت ومستهجن في الآن ذاته؛ بعض صالات العرض في عمان، التي ينوف عددها على العشرين صالة جلّها حديث الولادة والنشأة في حراك محيطها الثقافي والاجتماعي، صارت أخيرا قيّمة على سوية الأعمال الفنية التي تتناغم مع إيقاع المتلقي، الذي تُسميه مجازا "المستهلك"، وعينها مفتوحة على المقتني المخدوع بضرورة اقتناء أعمال، يَعتقد من فَرط "السيولة" و"الفراغ"، أنها أعمال فنية.

وليس الحال الذي واجهه أخيراً معرض التشكيلي والناقد الزميل محمد أبو زريق "هذيان في فضاء مخاتل"، الذي عرضه قبل نحو الشهرين في قاعة فندق كمبنسكي، ويواصل عرضه الآن في مركز الملك عبدالله الثاني الثقافي في محافظة الزرقاء مدينة الثقافة الأردنية لهذا العام، هو الحال الوحيد الذي تعرض لغُبن غَبش العين واحورارها، حين رفضته بعض القاعات التي تُخفي، بحسب أبو زريق، "ما تطمح إليه"، حين رأت أن أعماله "لا تتناسب مع ذوق المستهلك، لأنها ملغزة بتراجيديا الواقع ومرارته".

سبق لفنانين مرموقين التعرّض لحال قد يكون أسوأ مما تعرض إليه أبو زريق في معرضه الأخير؛ فمنذ الحراك التشكيلي المفاجئ والمتواتر في امتداده الأفقي على الساحة المحلية مع أواسط تسعينيات القرن الماضي وما يزال حتى الآن، شهدت الساحة التشكيلية ظواهر ومفارقات عديدة لا تخرج عن كونها، بحد ذاتها، موضوعا للتشكيل والتندّر والتعبير.

فنانون مرموقون بنتاجهم الإبداعي وحضورهم الثقافي على امتداد الساحتين المحلية والعربية، ما أن غامروا بعرض لوحاتهم في تلك القاعات، حتى عادت إليهم بعد انتهاء العرض من دون نقصان. أما "الزيادة"، التي أضافتها تلك القاعات المبشرة بالجديد والحديث والمغاير على المشهد التشكيلي الذي استنهضته بروافع "البزنس" العابر للأسواق والأذواق، مثّلتها مهارات "البيع بالجملة" لمعارض قبل أن تعرض في القاعات نفسها، أو غيرها في العاصمة عمان!؟.

المشهد نفسه يحيلنا إلى مفارقة تاريخية أسست لحداثة الفن التشكيلي العالمي قبل نحو 150 عاما، وما تزال فاعلة في خريطته المعاصرة حتى الآن، حين رفضت كبرى قاعات العرض في باريس عَرض أعمال أحد رواد الحداثة التشكيلية إدوارد مانيه وآخرين في "صالون باريس" العام 1867، ليسمح نابليون الثالث، بعد التماس من الفنانين المرفوضين آنذاك، بعرضها في "صالون المرفوضات" الذي كان نقطة تحول في تاريخ الفن ومفاهيمة الحداثية بامتياز.

لكن أين نحن من المشهد الثقافي والسياسي والاجتماعي، الذي كان يخيّم على فضاء تحولات الفكر ولإبداع الأوروبيين آنذاك؟. ومن هو القيّم لدينا على سوية الإبداع ومعاينة سويته التعبيرية والجمالية، لينبري بعد ذلك بتحديد معيار ما هو "مقبول ومرفوض" في خضم سيل الاستهلاك الجارف؟، الذي ما تزال يداهم أرواحنا وأذواقنا وعقولنا مع كل زيف وتقمّص وانتحال؟!.

أبو زريق، الذي أقام منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي نحو 15 معرضا فرديا، وشارك في أكثر من 30 معرضا جماعيا في غير مكان من العالم، وصاحب العديد من المؤلفات والأبحاث النقدية والجمالية في الفنون التشكيلية، يقترح في معرضه "هذيان في فضاء مخاتل"، شكلاً آخر للمرأة والحلم، عبر لوحة أقرب ما تكون إلى شهادة تصالح "حَذِر" بين رغبة الإحاطة بمادية العالم المرئي من خلال المرأة، والإقامة مع التجريدات الروحية، والتماهي مع مرجعياتها الوجدانية التي ينشدها في فضاء لوحته من خلال الحلم.

احتضنت لوحة صاحب مؤلَّف "من التأسيس إلى الحداثة في الفن التشكيلي العربي المعاصر" بخطابها الجمالي والرؤيوي، المفردات البصرية للتراث الزخرفي العربي والإسلامي، ضمن إيقاع حداثي يستجيب لروح العصر بأدوات وتقنيات متنوعة.

وبلغة أقرب إلى تداعيات البوح الحميم مع تجربته في معرض"هذيان في فضاء مخاتل"، الذي جعل فيه من مفردة المربع لمسةً ونافذةً وأفقا مفتوحا على التجاذبات والتنافرات المخاتلة في فضائها الرّجراج، يتساءل أبو زريق، بعد أن أصبحت جميع الأشياء موئلاً للاحتمال والسؤال، "لماذا تجيء إلي الثعالب في هيئة الخيل؟ ولماذا تتطاول هذه الخيول في عنفوانها؟، كثر النفاق في ضجيج الطواحين وهدير الموج. أما أنا فما أزال طفلا يناطح التيار، وأبدع من السكون الملغّز هذا الدمار".

ghassan.mfadleh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكر لجريدة الغد (سهير محمد مناصرة)

    الجمعة 2 تموز / يوليو 2010.
    اشكر الكاتب غسان مفاضله على مقاله المميز واهتمامهة بنشر مقال عن اخبار الفنانين الاردنين الاميزين وخصوصا الفن التشكيلي وممثل بالفنان المبدع والميز ابو زريق الرجاء الاهتمام بمثل هذه المواضيع التي تغيب عنا في خضم لاخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفن والذوق من الاشياء التي لا تلاقي اهتمام اعيد شكري للكاتب والجريدة بالنجاح والتوفيق