الجراح: القصيدة التي لا تغوي هي قصيدة فاشلة بالضرورة

تم نشره في الثلاثاء 22 حزيران / يونيو 2010. 10:00 صباحاً
  • الجراح: القصيدة التي لا تغوي هي قصيدة فاشلة بالضرورة

شاعر سوري يرى أن خوف الذكورة من الأنوثة مرده خشية من تجريب الانفكاك عن الموروثات السلبية في اللاوعي الجمعي

 

عزيزة علي 

عمان - قال الشاعر السوري نوري الجراح إن "القصيدة التي لا يمكن أن تغوي هي قصيدة فاشلة بالضرورة".

ورأى الجراح في المحاضرة التي ألقاها أمس في اتحاد المرأة الأردنية بعنوان "المذكر والمؤنث ورجولة المثقف العربي"، وأدارتها الكاتبة عبلة أبو علبة، أنه ما تولد قصيدةٌ حتى يكون الأثر الذي قاد اليها قد انمحى، "ليس لأنه زال تماماً، بل لأنه توارى، ليتيح للإغواء أن يتحقق".

وبين أن الخوف من "الأنوثة" على "رجولة ناقصة وركيكة!"، لا يمكن تفسيره إلا على أنه خوف من الذات ومجهول النفس لدى الرجل، وخوف من مغامرة الحرية وتجريب الانفكاك عن الموروثات السلبية في اللاوعي الجمعي "لدى الرجال والنساء معاً".

الجراح الذي كانت بداية محاضرته بقراءة أبيات شعرية لابن عربي يقول في بعضها "إنا إناثُ لما فينا يولّده، فلنحمد الله، ما في الكون من رجل"، أكد أن الموقف من المرأة، لا بد أن يعتبر معيارياً، ما دام وعينا يسلم بحقيقة أن الوجود ينهض على عنصري الذكورة والأنوثة، وأن الحياة لها صانعان، مشيرا إلى أن خبرة الوعي بالشيء هي المدخل لتغيير جوهري في الموقف من الأشياء.

وأكد الجراح أن المثقف بوعيه المتجدد هو الأقدر على التخلي عما اغتصبه (الرجل) عبر التاريخ من حقوق المرأة واعتبره حقاً مكتسباً، ممزِّقاً بذلك النسيج الروحي والنفسي المضيء الذي يلون الكائن بألوان الأنوثة والذكورة، ويصنع المتعدد فيه.

وأشار المحاضر إلى رأي المثقفين العرب الذين يصفون أنفسهم بـ‍"المتقدمين"، أو "التقدميين"، الذين أكدوا أن الكتابة الأدبية "رجلاً كان صاحبها أم امرأة" تصدر عن الإنسان الكلي، ابن المجتمع، الحاضر في لحظة التاريخ، المتمثل لمشكلات عصره، والناظر إلى المستقبل، بصرف النظر عن الجنس والهوية والعرق، وبعيداً عن أي اعتبارات للفروق الجنسية والاجتماعية والجغرافية.

وقال الجراح إن "المثقف التقدمي" يسلم بالأفكار الجديدة والجريئة، وعندما يصل الأمر إلى السلوك تتبدى مظاهر تلكئه وأحياناً عجزه عن المغامرة وخوفه من الأخذ بها أخذ السالك، حتى لتبدو الهوة بين الفكر وفعله في الوقائع، سمةَ ثقافةٍ، ودليلاً على شرخ عميق في الشخصية الثقافية العربية.

ورأى المحاضر أن السؤال، حول المؤنث والرجل يتيح فرصة لامتحان مدى استعداد المثقفين العرب وجديتهم في مراجعة منظومة كاملة من الأفكار والتصورات والأعراف التي أسست لقيمهم ومبادئهم ونظراتهم الخاصة إلى الوجود، بدءاً من وجودهم الخاص والتي تجد ترجمتها في مجمل الموقف من الحياة والمجتمع والثقافة والتاريخ، وفي الأساس منها النظرة إلى الآخر/الأنثى، وموقعها الاجتماعي.

وأشار الجراح إلى منظومة القيم السائدة في المجتمع العربي التي تقوم على تغيب الأنثى والمؤنث "كحيز اجتماعي مهمش تاريخياً" في مكان قصي من ذات الفنان، رمت ظلالاً قاتمة على هذا المكان من نفس المبدع العربي.

وبين المحاضر أن المبدع ليس في وسعه التعبير عن كلية الكينونة الإنسانية من دون تمثل الآخر المختلف، مشيرا إلى أن تمثله ليس مسألة نظرية، أي أنه لا يمكن أن يتم من دون الدخول في منطقة الأنثى، والأنثوي، والمؤنث، منوها إلى ذلك الروائي الذي يصوغ شخصياته النسائية، ويمنحها حياة من طراز معين، ويطلق لها حرية الحركة والفعل في نصه الروائي، من دون معرفة حقيقية بواقع المرأة.

وذكر الجراح أن الخوف من المرأة والخوف من الآخر. هو خوف لا مبرر حقيقياً له لدى الفنان، ما دام إبداعه يقوم على مناهضة الظلم ومقاتلة القيم البالية، ومنها تلك القيم المفرطة في (رجاليتها)، والتي تقف عقبة أمام اعتراف الفنان بما يتحرك فيه من نزوع مضاد لكل ما هو قمعي، بينما هو يستعد للعطاء المبدع بالمعنيين الفكري والجمالي.

واستعرض المحاضر تجربته مع مجلة "الكاتبة" التي أسسها ورأس تحرير من 1993 - 1995، وتعد أول منبر ثقافي عربي شهري يصدر من لندن، مشيرا إلى أهم المحاور التي تناولها المجلة أثناء صدورها إثارة الكثير من السجال الفكري من خلال نشاطات ونشطاء فكريين ينتمون إلى حركة الفيمينزم العربية.

وتحت عنوان "الإبداعي والجمالي: أنوثة الفكرة"، تحدث المحاضر عن القصيدة الجميلة التي هي سرّ عصي، لأن مصدرها الخبرات الشعورية والفكرية التي تحملها الكلمات؛ وتقدُّ هذا السّر علاقات من طبيعة ما، جديدة، بينها.

وبين الجراح أن سر القصيدة يكمن في الطبيعة التي ألّفت هذه القصيدة، وفي الخبرات غير المعلنة وغير المفصح عنها المتوارية، والتي تبقى أبداً متوارية بين السطور ووراء الصور ودلالاتها، في أكثر مناطق القصيدة إغراء وصعوبة معاً.

والجراح الذي أسس أول جائزة عربية للرواية التي تكتبها المرأة وهي "جائزة الكاتبة للرواية"، بين اعتقاده أن فكرة الإغواء تمنح عبر "القصيدة" صفة جديدة للمؤنث ما كان لها ان تتحقق وتنسجم لولا أنها مشتقة من طاقة مؤنثة فعلاً، كامنة في الذات الشاعرة للشاعر.

ورأى الجراح أن القصيدة هي نظام مؤنث للعب اللاعب المذكر، وصورة حيّة للطاقة المبدعة وهي تستعيد أشخاصها الشعراء من غربتهم في الشكل الاجتماعي الذي وضعوا فيه كرجال، مؤكدا أنهم الآن يكتبون القصيدة أكثر صفاء وصدقاً وجمالاً.

وتطرق المحاضر إلى العلاقة بين الشاعر والقصيدة، والشاعر والمرأة، والمرأة والشاعر، لافتا إلى أن ذلك "الشخص" الذي يخرج من وراء القناع الاجتماعي بمجازفة قاتلة أحياناً هو ذلك الباحث الأبدي عن نفسه خارج نفسه "كما قدمها له المجتمع"، وأنه الميّال أبداً إلى إعادة تركيز وجوده في المؤنث، وعلى مقربة منه.

وخلص إلى أن الشاعر هو الأقدر اجتماعياً على فهم المرأة "بمعنى الوقوف إلى جانبها ضد صرامة المجتمع"، مشيرا إلى أن الشاعر يبحث عن نفسه خارج نفسه الاجتماعية فلا يجد الشاعر بديلا من النظام الاجتماعي إلا بـ"نظام القصيدة"، رائيا بذلك أنها "رحلة العودة إلى الطبيعة الأولى، وخروجٌ من الأسر، وانشقاق عن القناع".

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صباح الخير (رانية)

    الثلاثاء 22 حزيران / يونيو 2010.
    أوَليس هناكَ صراعٌ دائم بين الجنسين من حيث التركيب الروحي العاطفي ؟! غير متجاهلين الترابط بينهما، فكل منهما انعكاس للآخر بمفهومه .