عبد اللطيف عربيات: هدوء يدجّن "العواصف" من السلط إلى مجلس النواب

تم نشره في الأربعاء 2 حزيران / يونيو 2010. 09:00 صباحاً
  • عبد اللطيف عربيات: هدوء يدجّن "العواصف" من السلط إلى مجلس النواب

مجد جابر
 
عمان- ما إن يُذكر عبد اللطيف عربيات، حتى تكتسي المفردات بظلال من المهابة والرخامة، فهو امرؤ اعتاد الإنجاز في خضم الضجيج، مطبوع بخجل إنساني عذب يغلّف صلابة لا تقبل المساومة على المبادئ، ولا يسعى إلى المناصب، بقدر ما تسعى إليه، فقلدته أرفعَها، من وكيل وزارة، إلى وزير، ثم إلى رئاسة مجلس النواب لثلاث دورات متتالية.

وفي ظل أجواء حميمية تبسط أجنحتها على تلك الأسرة المتواضعة، التي تضمها ربوع السلط بحنو، ويسودها مناخ مفعم بالحب والحنان، والاحترام في علاقاتها، نشأ عبداللطيف عربيات، طفلا هادئاً لطيف المعشر، في كنف عائلته.

كان عربيات في الصف السابع، حين توفي عنه والده، الذي كان يمتهن الزراعة، آنذاك، وترتيبه السادس بين إخوته. وقد امتازت علاقته بوالده ووالدته بالطيبة، معتبرا إياها منطلقا لحياته كلها لاحقا.

يقول عربيات، بهذا الصدد "إن طاعتي لوالدي ورضاهما عني من أهم القرارات التي أعتز بها في حياتي".

وتتداعى صور الذكريات إلى مخيلة عربيات، فيصف الحياة في ذلك الوقت بالهدوء، ويقول "المجتمع كله امتاز بهذه الصفة، لا سيما بين الطبقة المتوسطة، وكانت العلاقات جيدة داخل البيت وخارجه".

من ثم تفتّح أفق عربيات على عالم سياسي واجتماعي جديد، "أشعر أني نشأت نشأة واعية هادفة، تنطوي على نظرة للمستقبل، وتحمل المسؤولية لما هو أكبر"، كما يقول.

ويضيف: "والدي كان يستشيرني في قضايا البيت، وأنا في السابع الابتدائي كشخص كبير وناضج"، وكذلك الحال بالنسبة لوالدته التي كانت تراعي شعوره إلى أبعد الحدود حتى من خلال الكلمات.

حصل على تعليمه المدرسي في مدرسة السلط الثانوية، ويحتفظ بمجموعة من الذكريات الغنية والكثيرة التي تفرحه، على غرار امتحان " المترك" الذي مكنه من الانتقال إلى المرحلة الثانوية، وحصل عليه العام 1954.

كما امتازت علاقته مع الطلبة والأساتذة والمحيط الاجتماعي بالطيبة، وكان منهم، كما يقول، "الزميل د.إسحق الفرحان، والمهندس عوني الشاكر، والمهندس منير الكيلاني، والمرحوم محمود الكايد، وعدنان حياصات"، إضافة إلى عدد كبير من الطلاب الذين كان على وفاق معهم، وما تزال علاقته مستمرة معهم حتى الآن.

عربيات الذي امتاز بكونه طالبا عاقلا في المدرسة، يصف علاقته مع الأساتذة بأنها كانت علاقة مميزة جداً، سواء على صعيد النشاط المدرسي أو الشخصي، ومنهم أستاذه الذي اعتبره مربي الأجيال كلها حسن البرقاوي.

ومن أكثر الذكريات حضورا في ذهنه، مشهد أستاذه البرقاوي، الذي كان كبيراً في السن ويعاني من مشاكسة الطلاب له أثناء شرحه للحصة، فكان الأستاذ يقوم وبمجرد دخوله الصف بتعيينه عريفاً عليهم يقف إلى جانبه لضبط الصف أثناء الشرح والمحافظة على النظام.

ولا ينسى عربيات ذكرياته عندما كان في الصف الأول، حيث كان الأستاذ يقسّم الصف إلى ثلاث مجموعات، أ، ب، ج، ويضع الأكثر تميزاً في المجموعة (أ)، ونتيجة مرضه في تلك الفترة تغيّب عن المدرسة لمدة شهر، وكان متخوفا من أن ينقل إلى مجموعة غير (أ)، وفي اليوم الذي أحضره أبوه إلى المدرسة، قام المعلم عبد الحافظ أبوعميرة باستقباله استقبالا رائعا، وغنى له هو والطلاب أغنية "الضفدعة".

وتمر الأيام، فيشب عبد اللطيف عربيات، وينخرط في عالم الوظائف، حتى يتولى منصب أمين عام في وزارة التربية والتعليم.

وكان أن جاء أستاذه أبو عميرة لزيارته في مكتبه، فخرج إليه عربيات مسرعا، واستقبله ببشاشة، متذكرا موقف أستاذه، في الأيام الخوالي، وكيف عمد إلى استقباله وهو صغير، فما كان منه إلا أن أجلسه باحترام، وأكرمه، وحرص على تلبية كثير من طلباته.

ويعتبر عربيات أن المرحلة الثانوية هي "مرحلة التأسيس للحياة الثانية، وهي المرحلة التي اكتمل فيها الإعداد التربوي والقيادي والعلمي".

أما عن مستواه الدراسي، فكان عربيات من الطلاب الناجحين الذين يهتمون بالأنشطة المدرسية، وكانت علاماته جيدة، ويصف دراسته بأنها كانت مريحة جداً، مبيناً أن أكثر المواد حباً إلى نفسه هي العلوم الاجتماعية، ويقول في هذا السياق "كنت الأول بها بلا منازع"، كما أحب عربيات مساق الرياضيات، نظرا لإعجابه بأستاذ المادة شوكت تفاحة.

وفي ما يتصل بأنشطته المدرسية، كان عربيات عضوا في فريق المدرسة لكرة القدم، وكرة"السلة"، كما كانت تجري في المدرسة الألعاب السويدية، التي كان الطلبة يمارسونها كرياضة صباحية.

أما الهندسة الزراعية فكانت خيار عربيات في الجامعة، وكان يحب هذا التخصص، حيث يقول "خضعت في أميركا لامتحان القابليات والميول، فكانت المرتبة الأولى عندي تتمثل بالقضايا الاجتماعية، وبالقيادة الاجتماعية"، لافتاً إلى أن الميول السياسية عنده بدأت في الصف السابع.

أما قدوته في الحياة، فيؤكد عربيات أنها تتمثل برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

كان الحوار مع عبد اللطيف عربيات هادئا وعفويا فانعكست رزانة تلك الشخصية على اللقاء بأسره، ولا يملك من يلتقي عربيات غير أن يستحوذ عليه ذلك الإحساس بالسلام الروحي، وسكينة النفس، والتصالح مع الذات، وهي المشاعر المستمدة من شخصيته نفسها، ويحار المرء كيف استطاعت تلك الشخصية أن توازن ما بين الطمأنينة الراسخة في نسغها وبين صخب بعض المناصب التي تولاها، لا سيما في خضم "عواصف" مجلس النواب العاتية، ورئاسته.. وتظل الإجابة كامنة في أغوار تلك الشخصية المحافظة نفسها.. شخصية عبداللطيف عربيات.

majd.jaber@alghad.jo

التعليق