مكتبة النابلسي: معلم عريق في الوحدات يبتهج بفيض مرتاديه وذكرياته

تم نشره في الأحد 9 أيار / مايو 2010. 10:00 صباحاً
  • مكتبة النابلسي: معلم عريق في الوحدات يبتهج بفيض مرتاديه وذكرياته

سوسن مكحل
 

عمان- تتخذ مكتبة النابلسي على عاتقها توزيع كتب المناهج على مدارس المملكة منذ تأسيسها مطلع الستينيات من القرن الماضي، وتعد من أقدم المكتبات في العاصمة عمان، وتحتضنها بتجاربها الطويلة منطقة الوحدات، حيث باتت معلما مميزا من معالم المنطقة، إذ تتوسط السوق الشعبية فيها.

وما إن تدخل تلك المكتبة حتى تمتلئ أنفاسك بمزيج من عبق المعاصرة والأصالة، على الرغم من شح الكتب القديمة التي لم يتبق منها غير النزر اليسير، ومنها الآلاف من كتب المناهج المتغيرة عاما تلو الآخر.

وبوجه بشوش ترافقه خطوط الزمن المتوهجة في ملامح محمود أمين النابلسي، صاحب المكتبة، يطالعك بفيض من الذكريات التي رافقت تلك المكتبة منذ بداياتها.

تشكلت خبرة النابلسي من مكتبة الاستقلال العام 1957، والتي تعد أقدم مكتبة في العاصمة، ثم استقر العام 1961 لفتح مكتبة متخصصة لبيع القرطاسية وكتب المناهج للطلبة.

ولا ينسى النابلسي فضل رفاق عمله في مكتبة الاستقلال آنذاك، وهم: كاظم القطب، وحسن رشيد خلف، وجودت شعشاعة، معتبرا إياهم أساتذة تخرج من مدرستهم في فتح المكتبات.

وعلى الرغم من تعرض مكتبة النابلسي للحريق، غير أن معاودة ترميمها كان خيار النابلسي الأكيد، عشقا منه لمهنته التي ارتأى أنها ينبغي أن تتواصل مهما كثرت الصعاب.

ويسرد النابلسي كيف كانت منطقة الوحدات في ذلك الوقت خالية من الهواتف والتمديدات الكهربائية والمائية، غير أنها تغيرت وأصبحت من أكثر المناطق حيوية مطلع السبعينيات ولغاية اليوم.

وتزخر رفوف المكتبة بمواد القرطاسية وكل ما يحتاجه الطلبة، إضافة إلى بعض الألعاب التي، وإن كانت سلعة جديدة في مكتبته، غير أن النابلسي يعدها مربحة، نظرا لأن تجارة القرطاسية لم تعد مجدية كما في سابق عهدها، لأسباب عدة.

ووسط هذه الرفوف المتهالكة من تعاقب الزمن، تلوح مجموعة كتب ثقافية، ودينية وروايات وقصص بوليسية للأطفال، يرى النابلسي أنها لم تعد مغرية لكثير من المواطنين، نتيجة لزحف الإنترنت وتغير عادات الناس، حيث أصبح وقت الفراغ حافلا بأدوات التسلية والترفيه، التي أبعدتهم عن القراءة.

ويتحدث النابلسي عن أسباب تراجع بيع القرطاسية بأسى ظاهر على محيّاه، فيقول إنه على الرغم من أن البيع يعد موسميا في بداية الفصول المدرسية، غير أن البسطات والعربات الموجودة في السوق أسهمت بدورها في اضمحلال مبيعات القرطاسية لدى الكثير من المكتبات.

ويضيف النابلسي أن أصحاب العربات، وعلى الرغم من تقديم شكوى بحقهم، فإنهم يقومون كل موسم بتغيير بضاعتهم، ففي العيد تمتلئ تلك العربات بالحلويات، وفي موسم المدارس بالقرطاسية، وإن كانت أقل جودة من نظيرتها في المكتبات، غير أن النابلسي يرى أنها أثّرت، على نحو كبير، على المهنة، ما دفع بالعديد من المكتبات إلى اللجوء لبيع الألعاب والهدايا، كأسلوب لزيادة الدخل.

ويرى النابلسي أن ارتفاع الأسعار، على نحو ملفت، قلّص من حجم المبيعات، ما استدعى تخفيض كمية المستوردات من بضائع المكتبة.

كما يرى أن جنون الأسعار طاول حتى الصحف اليومية، التي تتراكم بكميات كبيرة على إحدى طاولات المكتبة، فبعد أن كانت الصحيفة تباع بخمسة قروش، غدت اليوم بربع دينار، الأمر الذي ساهم بخفض مبيعاتها.

وعلى الرغم من عراقة مكتبة النابلسي، غير أنها لا تشتهر في منطقة الوحدات ببيع القرطاسية، فالمكتبة مقسمة إلى زوايا تباع فيه "منجات الصوف" والأشغال اليدوية، وكل ما تحتاجه المرأة من لوازم العمل اليدوي.

ولم يتورع النابلسي عن توريث مهنته لأولاده، منوها بأن أجمل الذكريات في حياته، تلك التي عايشها في أعوام الثمانينيات والتسعينيات، إذ كانت الحال "أصلح"، على حد تعبيره.

ولا يراود النابلسي أدنى تفكير بنقل أعماله من منطقة الوحدات إلى أماكن أخرى، فهو يعتبر المنطقة شعبية وحيوية، وقد رسخ اسما معروفا بها، وأصبح هذا الاسم متداولا لدى أهل المنطقة.

وتتداعى ذكريات النابلسي، فيتذكر يوم ذهب قاصدا العلاج عند أحد الأطباء، فعرفه الطبيب من ملامحه، وأخبره أنه صاحب المكتبة التي لطالما اشترى منها القرطاسية، ورحب به أجمل ترحيب.

ولئن كان النابلسي يرى أن منطقة الوحدات تغيرت عن سابق عهدها، فإنه يعزو الأسباب إلى ازدياد المشاكل فيها، فغدت مصدر قلق لدى كثير من زوار المنطقة، علما أن مكتبته ما تزال مقصد الرواد من سائر مناطق المملكة، ومنهم من كان يقطن المنطقة نفسها، وإن كان هجرها فإنه لم يهجر مكتبة النابلسي.

sawsan.moukhall@alghad.jo

التعليق