"كلارينيت": مونودراما فلسطينية تمسرح ذاكرة الحرب بين الواقع والحلم

تم نشره في الجمعة 7 أيار / مايو 2010. 09:00 صباحاً
  • "كلارينيت": مونودراما فلسطينية تمسرح ذاكرة الحرب بين الواقع والحلم

غسان مفاضلة
 
عمان
- على أصوات الانفجارات ودويّها، تستعيد المونودراما الفلسطينية "كلارينيت"، التي عرضت مساء أول من أمس على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي، عديدا من صور الحرب ومشاهدها، التي اختزنت في ذاكرة طفل فلسطيني، عايش أهوالها أثناء حرب بيروت، واجتياح الجيش الإسرائيلي لها العام 1982، وتنفيذه مجزرة صبرا وشاتيلا بحق العزّل المدنيين بدم بارد.

وببنائها المحكم في تكامل عناصر العرض المونودرامي لجهتي الشكل والمضمون، راحت مسرحية "كلارينيت"، التي قدمها مسرح سفر، ضمن فعاليات مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي، تعاين تداعيات الحرب، وتستطلع ترسباتها "الكابوسية" في ذاكرة الطفل بين الواقع والحلم.

تتداخل صور وأحداث المسرحية، التي جسّد شخصياتها الممثل فادي الغول، وأخرجها أكرم المالكي، وتتقاطع وتتفارق فيما بينها، على النحو الذي جعلها أقرب ما تكون، إلى عملية المونتاج الذهني لاختزانها في الذاكرة والوجدان.

وفي المونودراما بشكلها العام، عادة ما ينتظر الجمهور، الفعل الذي سيقوم به الممثل الواحد الوحيد فوق خشبة المسرح، ليقنعهم ويمتعهم، ويملأ مساحات المسرح حركة وأداء ومعنى، يمكث ويترك أثره في المشاهد؟ وكيف سيقيم توازنات البناء، وسط مفردات سينوغرافيا العرض، وفي مختلف جهات المنصّة؟ وإلى أي حد يتقن ذلك الممثل الواحد، مهارة الانتقال بين مستويات أداء التعبير المتعددة؟. أجاب الممثل البارع فادي الغول، عن تلك الأسئلة وغيرها، بفصاحة ميدانية، وتسلسل مدروس، بين "قصص حقيقية"، بدأها كما ختمها بالعزف؛ مرة على البيانو "في مشهد الاستهلال"، وأخرى على الكلارينيت "في قفلة العرض".

مؤثرات المسرحية الصوتية، موسيقاها، إضاءتها، ديكورها، وقبل ذلك كلّه وبعده، أداء الغول، وإحساسه وقدراته الشخصية والفنية اللافتة، التي تكاملت جميعها لصالح العرض وخدمة فكرته.

وفي كثير من مشاهده ومراحله، أشار العمل ولم يقل، أبان ولم يكشف، وحافظ في مختلف مراحله على لغة فنية راقية، احتشدت من أجلها موسيقى مارسيل خليفة، ومعزوفات وأغنيات أخرى، حمل كثير منها نفساً عالمياً، مثل أغنية جلوريا غيرنر I Will Survive ومعزوفة بلاتو والموسيقى الروسية، وأغنيات فيروز والثورة، في تمازج لم يطغ معطى منه على آخر.

فلسطينيو الشتات، ولاجئو لبنان على وجه التحديد، شكلوا هاجساً في عرض، طلعت فيه الآلة الموسيقية كبديل ممكن لآلات الموت وأسلحته الفتاكة.

النفس الإنساني، واللحظة التلقائية الصادقة في التعامل مع الموقف، واستخدام اللغة المناسبة له، تجليا هما أيضاً، كروافع لعمل مونودرامي كثرت روافعه، وظهر واضحاً حسن الإعداد، ومثابرة التحضير، والقدر العالي من احترام ذائقة التلقي، ونقلها إلى مناطق فنية أكثر خصباً وأرحب عطاء.

لا يهرب الفلسطيني من مرويته، ولا ينسى أينما حل أو ارتحل مدوّنته، وعندما يخوض في جدلية الحب والحرب داخل فضاءات ساحة أخرى غير فلسطينه، فلأن الهم واحد والقدر والذاكرة والمصير.

وعند قبر الأم وبين يدي شمعتها التي لا تنطفئ، فإن أعظم ما يمكن أن ينثره الولد الباكي فوق قبرها، في مخيم المذبحة المتواصلة، هو عزف على "الكلارينيت"، ليس كمقترح نشيد وطني جديد، ولكن بوصفه رسالة صغيرة، تفيد بأن الذين شردوا وذبحوا ولوحقوا هم بشر لهم حيواتهم وأحلامهم.

ghassan.mfadleh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نقد رائع (كلارينيت)

    الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    أن من يستطع تقمص كل هذه الشخصيات وبهذه البراعة لا بد أن يكون فنانا مبدعا،فهو حامل رسالة راقية تتلخص بالانسانية واستبدال الات الموت بألات الحياةوالفرح.