اليسار ضد الجيش

تم نشره في السبت 24 نيسان / أبريل 2010. 09:00 صباحاً

معاريف

بن – درور يميني

23/4/2010

جامعة باركلي في كاليفورنيا حصن معروف لـ "قوى التقدم". التعبير الرئيس عن ذلك في السنين الأخيرة هو كراهية إسرائيل. إذا أصغى غريب للكلام هنا، في الاجتماعات والمنشورات والنشاطات المختلفة فسيعتقد أن الحديث عن الجامعة الإسلامية في غزة.

قرر مجلس الطلبة في المدة الأخيرة فرض قطيعة على شركات أميركية تكسب من الاحتلال الإسرائيلي. لا نستخ بالأمر. صحيح أن الحديث عن قرار ذي صبغة رمزية فحسب. لكن المعنى أبعد من ذلك. إن ما يحدث هناك يتفشى على نحو عام في جامعات أخرى في العالم. ومن ينشأ هنا ينشر دعوى الفظاعة في مناطق حضانة أخرى. ويمكن أن نجد علامات أيضا في المستويات العليا في إدارة أوباما.

في الدورة الأولى اتخذ قرار المقاطعة بأغلبية 14 مؤيدا مقابل 6 معارضين. بيد أن رئيس المجلس، ويل سملكو، فرض قرار نقد للقرار. وللالتفاف على النقد احتاج المؤيدون إلى أغلبية خاصة من 14 من ضمن 21 من أعضاء المجلس. كانت تلك إشارة البدء للحملة الدعوية التي تجاوزت حدود باركلي. وقد جندت أفضل الأسماء لهذا النضال وبينها ديزموند توتو وجوديث باتلر، التي ألقت خطبة عن التراث اليهودي الذي يوجب تأييد المقاطعة. ووصل ما يزيد على 12 ألف رسالة الكترونية إلى المجلس تؤيد المقاطعة وتعارضها. وتحمس الحرم الجامعي. وأوضحت طالبة أيدت العقوبات موقفها قائلة: "لا يستطيع من نجا من الكارثة إحداث كارثة جديدة". هل هي معادية للسامية؟ لا. إنها فقط شابة تعرضت إلى غسل دماغ، وتعتقد أن إسرائيل تنفذ مذبحة ضد شعب وفظائع بلا انقطاع. وهي على العموم يهودية اسمها سيغال مورغن. وقد كتبت على قميصها عبارة "حقوق الانسان". أصبح هذا هو الاسم الشفري لكل عرض لكراهية إسرائيل. ودخل الجانب المؤيد لإسرائيل العمل وبدأ نشاطه هو أيضا. 6 من الفائزين بجائزة نوبل، مع إيلي فيزل، نشروا رسالة تعارض المقطاعة. وقد قاموا بذلك بالتعاون مع "محاضرين من أجل السلام في الشرق الأوسط" (SPME)، وهو جسم يؤلف بين 55 ألفا من الاكاديميين، يعارضون التيار المعادي لإسرائيل ويؤيدون تسوية سلام عادلة في الشرق الأوسط.

ومع ازدياد الصراع سخونة، جندت القنصلية الإسرائيلية في سان فرانسيسكو خاصة أشخاصا يساريين ومن ضمنهم مشاركون في مبادرة جنيف والأديبين أ.ب يهوشع وعاموس عوز. وكتبوا في توجههم إلى مجلس الطلاب: "تثور في العالم اليوم لأسفنا موجة معاداة للسامية وعداوة لإسرائيل من حلقات يمينية وعنصرية، ومنكري كارثة على اختلافهم، لا يهدفون إلى جلب السلام للشرق الأوسط، بل إلى التنديد بإسرائيل تنديدا كاسحا وباليهود مهما كانوا. وتضاف إلى ذلك أيضا تهديدات شاملة على وجود الدولة اليهودية من إيران وحليفاتها التي تهدد باستعمال السلاح الذري أيضا".

إنهم مخطئون. بل قد يكونون عميانا. لأن جزءا كبيرا من العداوة لإسرائيل – معاداة الصهيونية اللاسامية – يأتي خاصة من حلقات اليسار. اليمين منقسم. إن بعضا منه، كما في هنغاريا، أو مثل ديفيد ديوك الأميركي – يتبنى كراهية اليهود القديمة مع كراهية إسرائيل الجديدة ويتهم إسرائيل بجرائم ضد الانسانية. لكن يوجد أيضا يمين آخر، مثل هيرت فيلدر الهولندي الذي يعتبر مؤيدا بارزا لإسرائيل. وفي اليسار العالمي خاصة لا يكاد يوجد انقسام وتعرض كثرته الغالبة نهجا واحدا يتبنى كراهية إسرائيل. بيد أن خطأهم هامشي. وفي الظروف المشار إليها قد يكون مرادا أيضا. وذلك كأن نقول لمؤيدي المقاطعة: حذار، إن اليمين المعادي للسامية هو الذي يتهم إسرائيل. لا تسيروا في طريقه.

ليس جميع العاملين في مواجهة إسرائيل معادين للسامية. فعداوتهم لإسرائيل ناتجة عن غسل دماغ. ويحتاج هذا الجمهور إلى أصوات أكثر صدقا وجدية من إسرائيل. هذا هو المكان الذي يستطيع فيه يهوشع وعوز العمل. وكذلك أيضا مثقفون بارزون في الغرب مثل برنارد أنري ليفي، وايلان فينكليكراوت وايلان دارشوفيتس (أكبر المدافعين عن إسرائيل في الولايات المتحدة). إنهم يؤيدون إسرائيل لكنهم يعارضون بشدة إسرائيل الكبرى ولا سيما مشروع الاستيطان. ويوجد عندنا من يسميهم يسارا. هذا تعريف مشوش. لأن البعد بين دارشوفيتس وفينكليكراوت، واليسار العالمي هو كالبعد بين الثرى والثريا.

لا يستطيع اليمين الإسرائيلي أن يفتح فمه إزاء صناعة الأكاذيب والشيطنة. لأن من يتحدث في فضل البؤر الاستيطانية أو السيطرة الأبدية على العرب، أو روائع استمرار الاحتلال لن يستقبل بالمباركة. الحديث من وجهة نظر قوى التقدم عن برهان على صدق كلامهم. أعطوهم محدثي الشغب في يتسهار، وسيحظون بعرض حي لتسويغ كل مزاعمهم. ستتفشى المقاطعة لإسرائيل كالنار في الهشيم.

وهكذا بقينا مع مجموعة واحدة فقط قادرة على رد العدوان. سموها مرة يسارا صهيونيا. نفضل أن يقال المعسكر الصهيوني. ليس معاديا للصهيونية ولا صهيونيا مفرطا. لأن كلمة "يسار" قد أصبحت بغيضة. وبرغم ذلك، يوجد جمهور آخر، هو صهيوني ويساري أيضا بحسب معايير التصنيف القديمة. إنه يسار يعرض موقفا واضحا يؤيد دولتين للشعبين أحدهما الشعب اليهودي. إنه يسار يفضل دولة يهودية صغيرة على دولة واحدة أو ثنائية القومية كبيرة. إنه يسار يميز بين انتقاد شرعية إسرائيل وبين الشيطنة المريضة لإسرائيل. وهو يسار يشمئز من سلب العرب ومن مشروع الاستيطان، أو من بعضه على الأقل لأنه يقضي على المشروع الصهيوني ولا يسهم فيه.

وهذا اليسار، إذا أمكن أن نسميه يسارا، هو وحده القادر على مكافحة أعداء الصهيونية. وعندما استقر الرأي في باركلي على المقاطعة لإسرائيل، جندت على الخصوص مدافع اليسار الصهيوني لمكافحة كارهي إسرائيل بل انضمت جي ستريت، وهي الجسم اليهودي الذي أنشىء ليكون معادلا لمنظمة الإيباك، إلى مكافحة المقطاعة. ونجح الكفاح. وكانت هناك حاجة، من أجل التغلب على النقض، إلى كثرة من 14 صوتا في مجلس الطلبة. ولما كان في التصويت الأصلي 14 مؤيدا، كان يبدو أن النقض سيلغى وأن قرار المقاطعة سيجاز. لم يحدث ذلك. في التصويت الحاسم أيد 12 عضوا من مجلس الطلاب فقط المقاطعة وعارضها 7. ليس هذا سببا للاحتفال. فما تزال هناك أغلبية لمؤيدي المقاطعة. بيد أنه إذا أخذنا في الحساب حقيقة أن الحديث عن حصن قوى التقدم فقد كان ذلك إنجازا كبيرا للقضية الإسرائيلية. وهذا الانجاز كله أو أكثره يعود لفضل ما يسمى اليسار الصهيوني.

وفي الشأن نفسه. بين الصحافي جدعون ليفي في المدة الأخيرة في مقابلة مع "الكترونيك انتفاضة"، وهو الموقع الفلسطيني الأهم لمقاومة إسرائيل أنه "لا يطيق اليسار الصهيوني". وهو يعلم لماذا. وهو يشعر أيضا بأن "المستوطنين أكثر استقامة". وقد عبر عن موقف مشابه البروفيسور يهودا شنهاف، الذي لا يتهم بجرثومة الصهيونية، في كتابه الأخير (الذي يستحق اهتماما مستقلا). إنه ضد اليسار الصهيوني. وله لغة مشتركة مع المستوطنين خاصة. فهم يقودوننا إلى دولة ثنائية القومية. وتتشابه رغبتهم مع رغبته. وليس هذا مفاجئا. كتبت ألف مرة أن معادي الصهيونية والمفرطين في الصهيونية هم معكسر واحد. ويقدم ليفي وشنهاف البراهين على ذلك. فعدوهما هو اليسار الصهيوني وهما أكثر قربا للمستوطنين.

يعاني الصندوق الجديد فصاما. فهو يسار ويسار عام أيضا. فمن جهة انضم الصندوق إلى العناصر التي عملت في مقاومة المقاطعة في باركلي. ومن جهة ثانية يؤيد الصندوق "عدالة" أو "أطباء من أجل حقوق الانسان"، الذين أيدوا العقوبات أو تحالف النساء من أجل السلام وهو جسم يدعو إلى مطاردة إسرائيليين في محاكم دولية.

أحد العناصر في تحالف النساء من أجل السلام هو "نساء في السواد". وفي أحد مواقع الانترنت لـ "نساء في السواد" يظهر تقرير لبربارة لوبن، يجب مسح الأعين لتصديق أنه قد نشر. الحديث هناك عن جنود إسرائيليين طلبوا من أم فلسطينية أن تختار خمسة من بين أبنائها العشرة "هدية" لإسرائيل. إنفجرت الأم بصراخ خائف واختاروا بدلا منها. وهكذا بحسب القصة الفظيعة قتل جنود إسرائيل بدم بارد الأبناء الخمسة. عبثا.

ليست هذه قصة تستحق الدحض. فحتى الفلسطينيون لا ينشرونها لانها لم تحدث. وليست هذه نشرة رسمية للصندوق أيضا. لكن الصندوق يتحمل مسؤولية. لأنه ينفق على جهات تتصل بالادعاء على إسرائيل. لم يؤيد الصندوق ولا يؤيد الفرية الدموية التي نشرت في أحد مواقع "نساء في السواد"، لكن رئيسة الصندوق، نعومي حزان، نشرت هي نفسها نبأ عن "ذبح" الفلسطينيين.

يستحق الصندوق التهنئة لانضمامه إلى رسالة معارضة المقاطعة في باركلي. بيد أن عملا مناسبا لا يكفر عن عريضة تحريض رئيسة الصندوق. والعمل المناسب لا يكفر عن مساعدة جهات تؤيد المقاطعة وتنشر الافتراءات ضد إسرائيل. وإذ يزعم الصندوق أنه يواج حملة تحريض ضده، فإنه عندما يكف الصندوق عن مساعدة التحريض المسموم ضد إسرائيل، سيكون من الممكن أن نأخذ مزاعمه بجدية أكبر.

التعليق