بن عيسى: وزارة الثقافة العربية مؤسسة ايديولوجية فاقدة للاستقلال

تم نشره في الأربعاء 21 نيسان / أبريل 2010. 10:00 صباحاً

سياسي عربي يدعو إلى جعل الثقافة رديفا للمعرفة والتنمية البشرية

عمان - الغد - أكد وزير الخارجية والتعاون المغربي السابق، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة في المغرب د.محمد بن عيسى، أن "البلدان العربية اتخذت من وزارة الثقافة، مؤسسة ذات رسالة ايديولوجية، فاقدة للاستقلال في التسيير والتدبير".

ولفت خلال محاضرة له في منتدى عبدالحميد شومان الثقافي مساء أول من أمس بعنوان "تدبير الشأن الثقافي في الوطن العربي: الواقع والتطلعات" قدمه فيها وأدار الحوار المدير العام للمؤسسة ثابت الطاهر، إلى أن أنظمة ألحقت الثقافة بقطاعات حكومية أخرى، مثل الإعلام، وفي أحسن الأحوال التربية والتعليم، ومن ضمنها المملكة المغربية التي لم تخص قطاع الثقافة بوزارة مستقلة إلا في عقد السبعينيات من القرن الماضي.

وبين بن عيسى أن أي حديث عن السياسة الثقافية (بالإفراد والجمع) يبقى غير دقيق، إذا ما أهمل المعطى المحلي، وغرق في ضباب العموميات.

ولفت إلى أن الحكومات الوطنية في أكثر الديمقراطيات الغربية، أصبحت تميل نحو التخلي الطوعي عن تدبير شؤون الثقافة، وجعلها ضمن صلاحيات السلطات المحلية، ما أتاح تعدد المقاربات، وأفاد التجارب من بعضها.

وقال المحاضر إن ذلك أدى إلى بروز أشكال من الشراكة في التدبير بين الفاعلين الخواص والعموميين في الميدان، مطالبا الحكومات العربية بتبني مثل هذا التوجه وتشجيعه، باعتباره منطلق المنهج الرشيد في تدبير الشأن الثقافي.

وأكد أن التدبير العصري، لأي مشروع أو مرفق عمومي أو خصوصي، يستلزم من منظور عقلاني، إجراءات عملية متعارفا عليها، يمكن إجمالها في: التخطيط، والتنظيم، والإنجاز ثم التقويم.

وبين بن عيسى في بداية محاضرته أهمية الموضوع المطروح نظراً لما يحمله من إشكالات، وأسئلة متجددة، وتحديات مستقبلية، تكاد محطاتها وملامحها وصورها تتشابه بين مجموع الأقطار العربية، إضافة إلى كونه موضوعا مهما لراهنيته وتشابكه وتعقده في الوقت نفسه، على اعتبار أن مسألة تدبير الشأن الثقافي العربي، تتداخل في تحديده عناصر عديدة، وأطراف مختلفة، وتتحكم فيه توجهات وإكراهات، تاريخية وثقافية وإيديولوجية متباينة.

وأشار إلى تجربتين ثقافيتين شخصيتين أثرا تجربته في الحقل الثقافي؛ الأولى بدأت العام 1978، عندما بادر مع ثلة من الأصدقاء، بتأسيس جمعية ثقافية هي "جمعية المحيط الثقافية " في أصيلة، التي انبثقت من صلب المجتمع المدني، ونهضت على تطوع الأفراد، واعتمدت شعار "الثقافة والإبداع من أجل التنمية"، وهي مستمرة في نشاطها إلى اليوم. والتجربة الثانية عندما تسلم وزارة الثقافة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حيث اجتهد في رسم سياسة بديلة للقطاع أرست أسس التصالح بين الدولة والمثقفين.

وانحاز المحاضر إلى تجربته في مؤسسة المجتمع المدني، حيث كانت أكثر وأكبر من تجربته في الوزارة، فقد مكنته من الاحتكاك المباشر، ومن معرفة مشاكل القطاع الآنية والموروثة، في شموليتها وتعقيداتها، وفي مقدمتها رسوخ تلك النظرة التقليدية، البيروقراطية، الجامدة، في التعاطي مع الشأن الثقافي. كما بينت له تجربة العمل الحكومي الحدود التي لا ينبغي أن تتجاوزها أي سياسة ثقافية تطمح إلى تسيير، ومن دون مخاطر، قطاع الثقافة، وفق منظور حديث.

وأشار إلى الأهمية التي تكتسبها الثقافة بعد أن أصبحت على درجة كبيرة من الأهمية، مثل الاقتصاد والتربية والتعليم، وغيرها من المرافق الحيوية الأخرى.

وأكد أن "القيام بعملية تحول ثقافي جذري في فكرنا، وفي مجتمعاتنا، تتطلب من الجميع، أفرادا وجماعات ومؤسسات أهلية، جهودا حثيثة ومتواصلة، من أجل تحقيق تنمية ثقافية حقيقية". مؤكدا أن المؤتمرات الدولية للسياسات الثقافية وثقت الصلة بين السياسات الثقافية والتنمية البشرية، وأقرت خطط عمل للسياسات الثقافية للتنمية، تبناها وزراء الثقافة في مائة وتسعة وأربعين بلدا من بلدان العالم، غير أنه لفت إلى أن التنمية الثقافية العربية ما تزال مشروعا طموحا ومطروحا بحدة في أجندة حكوماتنا ومؤسساتنا الأهلية العربية.

وبين أنه وبقدر تعدد تجارب التنمية الثقافة على الصعيد القطري، فإن ثمة تحديات عديدة ما تزال تواجه الثقافة العربية المعاصرة، على مستوى تضافر الجهود القطرية وتكاملها، من أجل تحقيق تنمية ثقافية عربية مشتركة ومتوازنة، حيث يبدو العامل الثقافي محوريا في إحداث التكامل الإقليمي العربي، وهو الأبقى، أمام صعوبة تحقق المدخل الأمني أو السياسي أو الاقتصادي العربي.

وأكد أن تدبير الشأن الثقافي لا ينحصر في تنظيم المكتبات، وترميم المتاحف وصيانتها، أي الاقتصار على الدور التقليدي الموكول لوزارات الثقافة، بل رأى أن التدبير، في معناه الشامل، أن تصبح الثقافة بمقتضاه رديفا للمعرفة والتنمية البشرية.

وأعاد بن عيسى التأكيد على أن المال وحده لا ينتج الثقافة، بل هي الموردة للمال إذا صدقت الإرادات الوثابة التي تصارع المعيقات من كل نوع، وتتصدى لها، حتى يزدهر الفكر المبدع. ولهذا السبب شكل المثقفون الطلائعيون في تجارب الأمم "العين" التي تبصر بها طريقها نحو التقدم والمجد.

ودعا المحاضر إلى إعادة الاعتبار للثقافة، باعتبارها ثروة قومية، مطالبا برفدها بدعائم ترسانة قانونية وتشريعات حديثة، وتيسير التدبير الثقافي وفق مقومات الحداثة والنجاعة.

وبين أن تلك التشريعات من شأنها تحديد الأدوار التي ستظل موكولة للدولة، والمتمثلة في التنظيم والضبط والمؤازرة، من منطلق أداء ديمقراطي، وليس بالاعتماد على وسائل التحكم البيروقراطي الإداري.

التعليق