سطوة الخوف في روايات "المتشائل" و"قصر الأحلام" و"شرفة رجل الثلج"

تم نشره في الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010. 10:00 صباحاً
  • سطوة الخوف في روايات "المتشائل" و"قصر الأحلام" و"شرفة رجل الثلج"

منى حمزة أبو الراغب*

أي شيء يمكن أن يجمع بين سعيد أبو النحس العميل الخائن في رواية "المتشائل" لإميل حبيبي ومارك عالم الموظف في مؤسسة تفسير الأحلام وتحليلها بطل رواية "قصر الأحلام" لإسماعيل كاداري وبهجت حبيب الصحافي في رواية "شرفة رجل الثلج" لإبراهيم نصرالله؟

إنه الخوف: السمة الرئيسية التي تميز شخصية كل منهم، الخوف من الحياة ومن الناس، الخوف من كل شيء ومن لا شيء. يقيد الهلع أرواحهم فيضيق العالم الرحب إلا من مساحة ضيقة لا يتجاوزها الواحد منهم مختارا، لا مكرها خوفا من الوقوع في ما لا تحمد عقباه، وطمعا في طمأنينة العيش وراحة البال.

إن السبب الرئيس الذي خلق من هؤلاء شخصيات سلبية، هو الخوف، وكأن حياة كل واحد منهم لا تستمر إلا إذا خاف صاحبها وتملكه الرعب والهلع، واقتنع بالخوف جزءا لا يتجزأ من حياته...

جميعهم شخصيات سلبية نسجوا من مخاوفهم قيودا لأرواحهم، يحسبون ألف حساب لكلمة ينطقون بها، فما بالك بمعاناتهم وترددهم قبل إقدامهم على القيام بأي شأن من شؤونهم، مهما كان بسيطا أو تافها؟ الخوف، والحيطة، والحذر، والتردد، وتسمية الأمور بغير مسمياتها الفعلية هي أبرز الصفات التي تجمع هذه الشخصيات الرئيسية في أعمال أدبية رائعة جعلتهم أبطالا مرغمين مذعنين غير مستحقين.

الشخصيات الثلاثة رغم أنهم أبطال للروايات، إلا أنهم لا يحملون من سمات البطولة ولو سمة واحدة. إنهم نماذج لشخصيات تكاد تكون غائبة غير مرئية في حياتنا اليومية لا توليها اهتماما يذكر إذا التقيتها، فإما أن تتجاهلها أو تنساها بسهولة؛ ولكن نجح إبراهيم نصر الله وإسماعيل كاداري وإميل حبيبي في جعل هذه النماذج الإنسانية العادية شخصيات رئيسية لأعمالهم الأدبية.

***

في "شرفة رجل الثلج" نتعرف على بهجت حبيب الصحافي المغمور الذي تراه زوجته (قمر الدنيا ومحطم قلوب العذارى) أما هو " فكان يعرف انه ليس كذلك. وهنا تكمن المشكلة، إذ كان على يقين من أن من يراه لا يمكن أن يعود فيتذكره، وهكذا كان يقدم نفسه للشخص الواحد عشر مرات، أو أكثر: "هل تتذكرني؟ أنا بهجت حبيب!" الخوف فضيلته الكبرى، أما حلمه الأكبر فأن يرى اسمه منشورا على الصفحة الأولى في الصحيفة التي يعمل فيها.

***

سعيد أبو النحس المتشائل الذي ينفرد ليس فقط بعنوان الرواية ولكن بسرد أحداثها كافة فهو يواري حقيقته المخزية في محاولته إيهام من حوله بأنه شخصية متميزة: "فأنا إنسان فذ... علّمني بحياتك، الإنسان الفذ من يكون؟ أهو الذي يختلف عن الآخرين، أم هو الواحد من هؤلاء الآخرين؟ قلت إنك لم تحس بي أبدا، ذلك انك بليد الحس يا محترم. فكم مرة التقيت اسمي في أمهات الصحف؟ ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في ساحة الحناطير يوم انفجار البطيخة؟ كل عربي ساب في حيفا السفلى على الأثر حبسوه، من راجل ومن راكب. وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذين حبسوا سهوا وآخرين. آخرون- هؤلاء أنا. الصحف لا تسهو عني. فكيف تزعم أنك لم تسمع بي؟ إني إنسان فذ!".

***

مارك عالم بدأ حياته العملية موظفا بسيطا في "قصر الأحلام"، هذه المؤسسة الحكومية التي أنشأتها الدولة العثمانية وأوكلت إليها مهمة دراسة أحلام مواطنيها، وتفسيرها، وتحليلها؛ وهي مؤسسة على درجة عالية من الأهمية والخطورة، إذ ترتبط مهمتها بأمن الدولة، فجميع المؤامرات والانقلابات تبدأ من أحلام الشعوب، والتفسير السليم لحلم ومض كشرارة في دماغ واحد من ملايين النائمين في أرجاء الامبراطورية الواسعة، يمكن أن يعمل على إنقاذ الدولة أو السلطان من كارثة كانت محققة الوقوع، يمكن لحلم أُحسن تفسيره وتحليله، أن يعمل على تفادي الوقوع في حرب أو منع استشراء وباء، كما تساهم الأحلام في خلق أفكار جديدة. إن قصر الأحلام ليس مجرد وهم أو خيال، إنه أحد الأعمدة الأساسية للدولة.

مارك عالم شخصية منعزلة يدور تائها دائما في ممرات وأروقة القصر المرعبة، يكاد يكون غير مرئي لأحد، يخشى الاختلاط مع الآخرين، ويتجنب الحديث معهم، ما استطاع، كي لا يقع في خطيئة التفوه بكلمة من الممكن أن تكون محظورة. ولكن رغم جبنه وضعفه، تكون المفارقة في أنه، وبسبب نفوذ خاله، يصل إلى ترؤس أهم إدارات قصر الأحلام، وهي دائرة الحلم الأساسي، وهو الحلم الذي يحظى باهتمام السلطان بشكل خاص، لأنه من الممكن أن يؤدي إلى تغييرات خطيرة وعظيمة في حياة الإمبراطورية. الإمبراطورية الأولى في تاريخ البشر التي قامت ببناء مؤسسة على هذه الدرجة العالية من التنظيم لتفسير الأحلام، تأكيدا منها على الدور الذي تلعبه الأحلام في التنبؤ بمصائر الدول والأشخاص الذين يتولون الحكم.

تقوم الروايات الثلاث على مشاعر وأفكار وخواطر شخصية رئيسية واحدة، رغم ضآلتها تستأثر بالرواية من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، تجعلنا نتابع باهتمام وتأمل كيف يفكر سعيد أبو النحس، وكيف يعيش عميل لسلطات الاحتلال الإسرائيلي معروف بإخلاصه المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها، ما هو معلن منها وما سوف يُعلن. الخوف والخيانة لم تؤديا به إلى الإحساس بالأمان، واختتمت صفحات بطولته بإقامته في مستشفى للإمراض العقلية: " وفي الصباح ، قلت لي : يا أماه، إنك تتكلم في منامك، فاحترس بكلامك في منامك!.. وكنت أدندن في الحمام، فصاح بي أبي: غيّر هذا اللحن. إن للجدران آذانا، فاحترس بكلامك!

أريد ألا احترس بكلامي مرة واحدة! كنت اختنق!".

***

لو لم يكتب إبراهيم نصر الله "شرفة رجل الثلج"، هل كان احدنا ليتمهل ويتابع مجريات حياة هذا الكائن المذعور كفأر، بهجت حبيب: "كان الخوف هو الذي يتحكم بي، وبكل الأيتام الذين مثلي، من له أصل وفصل ومن ليس له، وكأننا تُركنا لنخيف أنفسنا بأنفسنا ونستدعي أنفسنا إلى غرف التحقيق الخاصة التي بنيناها بأنفسنا لنحقق مع أنفسنا بأنفسنا".

ويطل بهجت حبيب من شرفته متسربلا بخوفه رغم أن الشرفات عادة ما تمنح فسحة مضيئة للتحرر والانفتاح على الحياة:" كنت حانقا مثل الكثيرين وصامتا مثلهم أيضا، مكتفيا بالخوف من كلّ دائرة رسمية تصلني منها رسالة أو هاتف أو فاتورة يحملها إليّ موظف من الدرجة العاشرة. أو مثلما قال ذلك الرجل، في ذلك الفيلم الجميل الذي شاهدته ذات يوم وهو يخاطب صديقه الوحيد: حياتي ليست مسلية. رجل ضائع، لم أقدّم أي أشياء عظيمة في حياتي التي أصبحت في نهايتها .. وجهي عادي، وجه مواطن طيب بعينين يمكن أن تقولا شكرا، وفم يرسم بين فترة وأخرى ابتسامة، ابتسامة دون معنى، حين أكون حزينا تكون ممزوجة بالدموع".

ويختتم بهجت حبيب صفحات الرواية التي يقوم فيها بدور البطولة بتحقيق حلمه بخبر طريف نُشر على الصفحة الأولى عن غربان فقأت عينيه لينتهي رهين المحبسين: خوفه وعماه.

أما مارك عالم فيغرق في عالم الأحلام يدرسها، يفسرها، يعيشها، وينسى أن ينظر إلى العالم الخارجي ولو لوهلة، وينسى أن شباب عمره يمضي قاحلا من دون امرأة. تغيب المرأة عن صفحات الرواية إلا من أم مارك عالم التي يقتصر دورها على زرع المزيد من الخوف والتردد في نفس ابنها الوحيد، خوفا عليه وعلى نفسها من فقدانه..

وحدها الصفحة الأخيرة من رواية "قصر الأحلام" رسمت كلماتها صورة جميلة للربيع يتفتح خارج عربة مارك عالم الذي اغرورقت عيناه بالدموع وهو يتأمل كل الأشياء الجميلة التي كان يتظاهر بتجاهلها، خوفا من الانفلات من قبضة قصر الأحلام.

*كاتبة أردنية

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Way to go Mona (Eman al Daoud Bilbeisi)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    Mona, I was stunned by your choice of plots and analysis. Very interesting layout of the study. Looking forward to read more of your work.
  • »Way to go Mona (Eman al Daoud Bilbeisi)

    الخميس 22 نيسان / أبريل 2010.
    Mona, I was stunned by your choice of plots and analysis. Very interesting layout of the study. Looking forward to read more of your work.
  • »jتقييم للمقاله (عايده الشوا السحيمات)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    تحليل يتسم بالابداع وينمّ عن فهم عميق للروايات الثلاث, وقدره على ربط المفاهيم والافكار وايجاد الروابط المشتركه , كل هذا بلغه ادبيه سليمه وباسلوب يعكس ذكاء" وفهما" للمحتوى.وأنا أرى فيك مشروع كاتبه في المستقبل القريب,أتمنى لك التوفيق.
  • »jتقييم للمقاله (عايده الشوا السحيمات)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    تحليل يتسم بالابداع وينمّ عن فهم عميق للروايات الثلاث, وقدره على ربط المفاهيم والافكار وايجاد الروابط المشتركه , كل هذا بلغه ادبيه سليمه وباسلوب يعكس ذكاء" وفهما" للمحتوى.وأنا أرى فيك مشروع كاتبه في المستقبل القريب,أتمنى لك التوفيق.
  • »مقال جميل جدا... (اسعد حمزة)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    مقالك جميل واكتشافك فكرة واحدة مشتركة بين الروايات الثلاثةتحتاج الى قراءة متعمقة. اتمنى لك التوفبق
  • »مقال جميل جدا... (اسعد حمزة)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    مقالك جميل واكتشافك فكرة واحدة مشتركة بين الروايات الثلاثةتحتاج الى قراءة متعمقة. اتمنى لك التوفبق
  • »وصف دقيق مختصر (جيهان ابو الراغب)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    ابدعت الكاتبة في ايجاد وجه الشبه بين هذه الروايات الثلاث كما انها اعطت فكرة عامة عن الروايات مما يتيح للقاريء تصور الميزة التي تجمع بين هذه الروايات و فهمها, اسلوبها شيق و مختصر .
    اتمنى لها التوفيق
  • »وصف دقيق مختصر (جيهان ابو الراغب)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    ابدعت الكاتبة في ايجاد وجه الشبه بين هذه الروايات الثلاث كما انها اعطت فكرة عامة عن الروايات مما يتيح للقاريء تصور الميزة التي تجمع بين هذه الروايات و فهمها, اسلوبها شيق و مختصر .
    اتمنى لها التوفيق
  • »روايات ابراهيم نصرالله (اسعد حمزة)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    زمن الخيول البيضاء،شرفة العار، شرفة رجل الثلج،براري الحمى،وطيور الحذر روايات ابراهيم نصرالله رائعةكلها.
  • »روايات ابراهيم نصرالله (اسعد حمزة)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    زمن الخيول البيضاء،شرفة العار، شرفة رجل الثلج،براري الحمى،وطيور الحذر روايات ابراهيم نصرالله رائعةكلها.
  • »روايات جميلة (اسراء شبيب)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    مقال بمستوى راقي
  • »روايات جميلة (اسراء شبيب)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    مقال بمستوى راقي
  • »شكرا للغد اهتمامها بالروايات القيمة (شيري السيد)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    تفسيرالاحلام وملاحقتها !!فكرة مرعبة حقا ، تبدو"قصر الاحلام"رواية مبتكرة.
  • »شكرا للغد اهتمامها بالروايات القيمة (شيري السيد)

    الثلاثاء 20 نيسان / أبريل 2010.
    تفسيرالاحلام وملاحقتها !!فكرة مرعبة حقا ، تبدو"قصر الاحلام"رواية مبتكرة.