من يجعل القدس مستوطنة؟

تم نشره في السبت 17 نيسان / أبريل 2010. 10:00 صباحاً

هآرتس
 

زئيف شتيرنهل - 16/4/2010

بفضل محاولة السيطرة الاستيطانية على الشيخ جراح، تحول هذا الحي الهادئ في القدس الشرقية إلى نموذج مصغر للأمراض التي تسمم العلاقات بين اليهود والعرب، وأكبرها رفض الاعتراف بتأزم الوضع الذي تشكل في نهاية حرب الاستقلال. يمكن أن نفهم اليمين الاستيطاني الذي يعد استمرار احتلال البلاد هدفا وجوديا له. ولكن كيف يحتمل أن تساهم مؤسسات الدولة عمليا في سحب الأرضية التي نقف عليها من تحت أقدامنا؟

بالفعل، لا يجري الاستيطان هذه المرة بمجرد القوة الغاشمة مثلما في باقي أجزاء الضفة بل من خلال وثائق من عهد الإمبراطورية العثمانية. فقد توجه المستوطنون إلى المحاكم وهم مسلحون بالكواشين التركية والتي في أصلها كانت لدى لجنة الطائفة الاسبانية، وعلى هذا الأساس صدرت أوامر إخلاء للسكان العرب. اليهود جاءوا ليقرروا المبدأ: أرض كانت ذات مرة بملكية يهودية حكمها أن تعود إلى أيدي اليهود. ويطرح السؤال: "كم من الوقت سيكون ممكنا الإبقاء على وضع يكون الإسرائيليون فيه مخولين بأن يطالبوا بالملكية على ملك يهودي بقي في الجانب الشرقي من الخط الأخضر، بينما محظور على العرب المطالبة بحقوق الملكية على أملاكهم المتبقية في الجانب الغربي من ذات الخط؟ فعلى أي حال لدى الفلسطينيين، حتى اولئك الذين يسكنون في القدس الشرقية، وثائق ملكية لمنازل في الطالبية وفي القطمون القديمة وفي البقعة وفي أحياء أخرى من المدينة اليهودية.

إذا كانت القدس هي مدينة موحدة وكل سكانها، كما تدعي السلطات، متساوون أمام القانون، فعلى أي أساس أخلاقي يتقرر بأن ما هو مسموح لليهود ممنوع على العرب؟ في أيدي مؤسسات الدولة الآن فرصة ذهبية ليس فقط كي تظهر بأن المساواة أمام القانون ليست مجرد كلمة فارغة بل لتعلن أيضا بأنه في العام 1949 تشكل وضعا سياسيا وقانونيا لا رجعة عنه. كل نهج آخر سيعتبر تمييزا لا يطاق وسيشكل ثغرة لمطالب لا تنتهي إلى المؤسسات الدولية.

للشيخ جراح أهمية رمزية أيضا من ناحية أخرى: الـ28 منزلا المرشحة للإخلاء السريع هي منازل للاجئين من الـ 48 من كل أرجاء البلاد. ومقابل قطعة من الأرض بنت عليها كل عائلة بيتها، تنازل السكان عن مكانتهم كلاجئين وعن المعونة التي تترافق وهذه المكانة. هؤلاء الأشخاص، الذين يأتون اليوم لإبعادهم، حققوا في واقع الأمر مصلحة إسرائيلية أولى في سموها: فقد كفوا عن أن يكونوا معوزين ومدعومي إغاثة وانخرطوا في نسيج الحياة في مكان سكناهم.

فلو تصرفوا في لبنان وفي الضفة الغربية بذات الطريقة لكان قسم كبير من المشاكل التي نقف أمامها قد حل منذ زمن بعيد. فما الأفضل بالنسبة لإسرائيل: الشيخ جراح كحي سكني يمر عليه كل يوم بيومه مئات الإسرائيليين في طريقهم إلى الجامعة العبرية والوزارات الحكومية أم الشيخ جراح كمخيم لاجئين آخر مصاب بالفقر والكراهية. وبدلا من جعل الشيخ جراح قدوة للتعايش، توشك إسرائيل على أن تسمح للمستوطنين بأن يعيدوا لسكانه مكانة لاجئين وجعل المنطقة بأسرها رمزا جديدا للتعسف والظلم وتشويها للقانون من جانب الإسرائيليين. بالفعل، القدس ليست مستوطنة: من يجعلها الآن مستوطنة هم المستوطنون أنفسهم. ليس صعبا أن نتوقع أن أي إضافة للوقود سيؤدي إلى إشعال نزع الشرعية المتواصل عن إسرائيل في العالم.

في هذا السياق يجدر بنا أن ننتبه إلى معطيات نشرت في بداية الأسبوع: أحد المعاهد للبحث في اللاسامية أفاد بارتفاع دراماتيكي، في أعقاب حملة "رصاص مصهور" في الأحداث التي تعرف كـلاسامية. ومن المشكوك فيه جدا أن تكون الدوافع في كل هذه الحالات أو حتى في معظمها لاسامية حقا. ومن المعقول الافتراض أنه في بعض الحالات يدور الحديث عن مواقف مناهضة لإسرائيل آخذة في الاحتدام.

إحدى مزايا اللاسامية هي حقيقة أنها لا تتعلق بالأفعال الموضوعية لليهود أو حتى بوجودهم. اللاسامية كانت موجودة حتى في الأماكن التي لا يرى فيها يهود. بالمقابل، هناك صلة واضحة وثابتة بين العداء لإسرائيل وبين أفعال الإسرائيليين. وليس صدفة أن مناهضة الإسرائيلية هي ظاهرة الجيل الأخير ومصدرها تعمق الاحتلال والاحساس المتجذر حتى لدى مؤيدين قدامى للصهيونية في العالم، بأنه ليس لإسرائيل لا الإرادة ولا القدرة على وضع حد للسيطرة على حياة وحرية واستقلال شعب آخر. وعلى ذلك أيضا يجدر بنا أن نفكر، بين يوم الكارثة ويوم الاستقلال.

التعليق