الفنان بينو يرسم درويش في الأماكن العامة ليبقى شاهدا على يوميات فلسطين

تم نشره في الثلاثاء 16 آذار / مارس 2010. 09:00 صباحاً
  • الفنان بينو يرسم درويش في الأماكن العامة ليبقى شاهدا على يوميات فلسطين

يوسف الشايب

رام الله
- كان الشاعر الكبير محمود درويش يراقب عن كثب قمع جنود الاحتلال لمسيرة نسوية عند حاجز قلنديا، في "عيد ميلاده"، لربما لم تسعفه لياقته البدنية في التدخل، أو تقديم قصيدة جديدة، فيكفي أن يكرر "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، لكنه خبأ البعض من رصاصات طائشة أو غاز يسيل الدموع والشجن على وطن بات مستباحاً "أكثر من اللزوم"، وربما سجل شتيمة نابية بحق جندي أرعن.

وكان "لاعب النرد" في الوقت ذاته يتفرج بصمت على ملامح العابرين قرب دوار المنارة وسط رام الله، كما كان أيضاً يلقي التحية باسماً على أهالي مخيم الدهيشة قرب بيت لحم وزواره، وكأنه يقول لهم جميعاً "... وأنتم بخير".

ومنذ أن أقام درويش في تلك الأماكن وغيرها، وهو يشهد على الكثير من الأحداث وربما الأسرار... طابور السيارات المستمر عند الحاجز القميء في قلنديا.. أصوات البائعين.. شاي وسحلب في الشتاء، وتمر هندي بارد في الصيف.. هذه توبخ ولدها لأنه أضاع "الشيكل"، وهذا يلعن الدنيا والأوضاع، وتلك تتمتم وتدعو أن تبشرها العاملة في المختبر بحمل لطالما انتظرته وزوجها، وتلك تهمس في أذن حبيب ما يزال يبحث عن عمل "والله بحبك"، بينما يختلس هو مسكة يد عابرة للأحاسيس.. يرصد حكايات "ختيارية" المخيم لأحفادهم عن قرى مهجرة كان هو يوماً أحد أبنائها، ويراقب عن كثب ذلك المفتاح العملاق، الذي لا يجد أصحابه البيت، حيث ترك والده الحصان وحيداً، ولم يدرك ربما أن "البيت أجمل من طريق البيت".

منذ عام تقريباً، يقف درويش في الكثير من الأمكنة، مع أن جثمانه هناك في حديقة البروة، قرب قصر رام الله الثقافي.. يقف بكامل أناقته ووسامته وطلته ذات الرونق الخاص، يرتدي بنطالاً أسود وقميصاً شبه أبيض.. إنه درويش كما رسمه الفنان الفرنسي آرنست بينو، أحد أصدقائه، وزرع رسوماته كشجر اللوز في كل مكان، والأهم "بين الناس".

ويقول بينو "أعرف درويش جيداً.. نحن أصدقاء.. لقد زار مرسمي في فرنسا قبل أشهر من رحيله، وشاهدني أرسم واقترح عليّ حينها أن أقدّم عملاً فنياً في فلسطين.. كان مقرراً أن آتي إلى فلسطين في أيلول (سبتمبر) من العام 2008، لكنه للأسف توفي في آب (أغسطس)، أي قبل أسابيع على الموعد المتفق عليه، لذا قررت أن يكون مشروعي الفني حول درويش نفسه. عرفت القضية الفلسطينية عبر أشعار محمود درويش.. بالنسبة لي فلسطين هي محمود درويش، ودرويش هو فلسطين".

ويضيف "حين قمت برسم درويش في الأماكن العامة، كنت أقصد أن يبقى درويش جزءاً من الحياة اليومية في فلسطين.. الرسم يعكس حالة من التواضع، وهو بذات حجم درويش الحقيقي، ولم أضع تمثالاً ضخماً يبدو غير متجانس مع المكونات الحياتية المحيطة.. وحين قررت أن تكون بعض الرسومات في المخيمات وعلى جدار الفصل العنصري؛ كنت أدرك تماماً أن المحور الرئيسي في أعمال محمود درويش كان استنكار الأعمال العدائية التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وكل الأعمال العنصرية في العالم".

ويحرص العديد من الفلسطينيين والزوار العرب والأجانب على التقاط صور تذكارية مع رسومات درويش هذه.. ولعل ذلك، كما يفسر، نابع من أن "هذه الرسومات عمل إنساني وليس ميكانيكياً"، وأن أماكن التواجد متنوعة، فتراها على جدار الفصل العنصري، وقرب المستوطنات، وفي الأسواق، وعلى جدران منازل في مخيمات وقرى ومدن، وحتى في المتاجر، وذلك حتى تكتسب سياقات ومعاني مختلفة، وحيوات مختلفة أيضاً.

ويكشف بينو "على مدى شهر، ومن بين ثلاثين صورة لمحمود درويش خرجت بهذا الرسم الذي يعبر عن درويش الذي أعرفه.. شاب متطلع إلى الأمام دائما يتقدم للمواجهة، يحمل أشعاره.. تم تعليق ستين نسخة من هذا الرسم في أماكن مختلفة، بحيث يبقى درويش بين من أحبهم وأحبوه".

yousef.alshayeb@alghad.jo

التعليق