"وقاية الشباب من الأمراض المنقولة جنسيا": برنامج مجتمعي يسعى للحماية من الأوبئة الجنسية

تم نشره في الأحد 21 شباط / فبراير 2010. 10:00 صباحاً

خبراء يؤكدون أهمية التثقيف الجنسي للأبناء في مرحلة مبكرة

منى شكري
 
عمّان- لمّا كان الناشئة اليوم مطلعين بشكل غير منضبط على الأمور الجنسية أكثر مما يعتقد الكبار الذين يواجه معظمهم ذلك بسكوت طال بحجّةِ الحياء، حتى تفشّت الأمراض الجنسية وهم لا يدركون خطرها، كان من الأهمية بمكان التصدّي لهذه الأوبئة وكسر حاجز الصمت.

ومع تفشي المثيرات من كتب ومجلات هابطة وأفلام إباحية، وما تنفثه بعض المواقع الإلكترونية والفضائيات وما يختزنه الشباب من عجائب وممارسات لا تخطر على بال أصبحت تداهم بفخاخها من لا يبحث عنها فتستدرجه، بات من الضروري إيلاء التربية الجنسية أهمية كبرى، باعتبار التثقيف الجنسي الوسيلة الأهم للوقاية والحد من هذه الأمراض، وفقا لإحصائيات الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، التي تنفق الكثير من الأموال لقيادة وإقامة البرامج التثقيفية في هذا المجال، وتحذر من التستر عن أي مرض جنسي وشعارها في ذلك "الخجل والإخفاء يُضاعف الوباء".

مشروع يسعى لوقاية الشباب من الأوبئة المنتقلة جنسيا

ومن المشاريع الرائدة بهذا المجال "وقاية الشباب من الأمراض المنقولة جنسيا والإيدز" الذي بدئ العمل به منتصف العام 2005 في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعد اعتماده من الاتحاد العالمي للجمعيات الطبية الإسلامية، وهو مؤسسة غير حكومية ولا ربحية أسست في الولايات المتحدة الأميركية وسجلت فيها رسمياً العام 1982.

ويهدف المشروع، وفق مديره التنفيذي الدكتور عبدالحميد القضاة إلى رفد الجهود الوقائية المختلفة؛ الرسمية والمدنية لوقاية الشباب من الآفات والأوبئة المنتقلة جنسيا من خلال التعاون مع الجمعيات الخيرية والنوادي والمراكز الشبابية باستقطاب متطوعين لتدريبهم وتأهيلهم على يد خبراء في دورات تطوعية مجانية؛ علمية ودينية، يتم تزويدهم مع المحاضرات المصورة بملفات وكتب ومواد مساعدة مجانا؛ ليقوم كل متطوع بإلقاء 10 محاضرات سنويا في المدارس والنوادي والمساجد ومراكز الشباب والشابات، كل في منطقته.

أما الإنجازات التي حققها المشروع فيجملها القضاة بعقد خمسين دورة في تسع دول عربية. وتخريج أكثر من 1680 متطوعاً ومتطوعة في دورة إعداد المحاضرين، إضافة إلى توزيع أكثر من نصف مليون نسخة من الكتب الخاصة بالمشروع مجاناً، إلى جانب توزيع عشرات الآلاف من الأقراص المدمجة والخاصة بهذه الأمراض والمصورة تلفزيونياً. كما تم تأليف أربع قصص حوارية لتثبيت مفاهيم شرعية في الثقافة الجنسية عند الأطفال بإشراف مستشار شرعي إضافة إلى وضع "الميثاق الأخلاقي للعاملين في التثقيف الجنسي" لاستعمال المتطوعين والالتزام به ليحكم أجواء الدورات والمحاضرات الخاصة بالتثقيف.

ويضيف القضاة: بادر متطوعون من الشباب من كلا الجنسين بعد تدريبهم بإلقاء أكثر من خمسة عشر ألف محاضرة، كما أوجدوا أربع واجهات إلكترونية تخدم الشباب بخصوص هذا المشروع، فضلا عن إجراء أكثر من مائة لقاء إذاعي في دول مختلفة، وهناك محاولات جادة من بعض المتطوعين والمتطوعات لإنتاج أفلام كرتونية تهدف إلى توعية وتثقيف الأطفال بهذا الخصوص.

وعن تجربة جمعية العفاف في هذا المجال يرى مدير الجمعية ومنسق المشروع الدكتور مفيد سرحان أنها "ناجحة إلى حد كبير؛ حيث تم تدريب مجموعات من الذكور والإناث ليكونوا مثقفين فيما يخص الأمراض المنقولة جنسيا بالتعاون مع الاتحاد العالمي للجمعيات الطبية الإسلامية".

ويلفت سرحان إلى أن تجاوب المتدربين، فضلا عن إقبال المؤسسات المختلفة على طلب تنظيم المحاضرات التي ينظمها المشروع، ومما يسترعي الانتباه، وفق سرحان "التجاوب الكبير من عنصر النساء مع هذا المشروع سواء من حيث المشاركة في التدريب أو الإقبال على حضور المحاضرات التوعوية".

أحد المتطوعين في المشروع مدير مختبرات طبية أسامة مطير يشير إلى أنه التحق بدورة مركّزة على مدار ستة أيام وبمقدار ست ساعات متواصلة، تم فيها تقديم التوعية للمشاركين من خلال عرض كل ما يتعلق بالأمراض المنقولة جنسيا بشكل مكثف من خلال استخدام الأفلام والسيديات العلمية المخصصة في هذا الموضوع.

وعن تجربته يقول "استفدت كثيرا منها وقمت بإعطاء 120 محاضرة تثقيفية بهذا الخصوص؛ منها دورات مخصصة للكشافة وطلبة المدارس والجامعات وأخرى خاصة بالأهل".

مطير الذي يتطوع في المشروع منذ ما يقرب من 4 أعوام ينوه إلى أن التغذية الراجعة "إيجابية في التفاعل مع المحاضرات والنشرات التوعوية"، إذ تم اكتشاف حالات مصابة بأمراض جنسية وتحويلها إلى المراكز المختصة، لافتا إلى أن المتطوع جاهز لأي استفسار ولتحقيق الفائدة تم تزويد الفئات المستهدفة بالبريد الإلكتروني الخاص بالمثقِّف وبأرقام هواتف للاتصال عند الضرورة.

ويكشف مطير عن وجود حالات سيلان بين طلاب مراهقين ومتسربين من المدارس، كما أن هناك حالة واحدة اعترف صاحبها بإصابته بالايدز، عدا عن حالات اعترفت بارتكابها ممارسات جنسية خاطئة وأرادت الاستفسار عن فحوصات الإيدز والأمراض الجنسية وتم توجيههم لأماكن العلاج وعولج بعضهم مجانا.

سلسلة "لبيب ولبيبة والأسرة السعيدة"

وبهدف نشر التوعية تم التعاون بين المشروع وبين جمعية العفاف لإصدار سلسلة "لبيب ولبيبة والأسرة السعيدة" وفق سرحان الذي يشير إلى أن الفئات المستهدفة هم الأهل والأطفال والمراهقون، وتم إصدار الجزء الأول والثاني وبصدد الإعداد للثالث والرابع.

وينوه سرحان إلى أن جزءا من التوعية هنا موجه للآباء بهدف التركيز على ضرورة ممارسة دورهم تجاه أبنائهم وحمايتهم مما يحيط بهم وما يلزم ذلك من امتلاك الآباء أنفسهم لهذه الثقافة ولو بالحد الأدنى.

وعن بداية تعاونها مع المشروع تقول الكاتبة العُمانية بسمة الخاطري: قرأت عنه عبر الانترنت وأحببت التطوع فيه وبخاصة أنني أكتب قصصا منهجية للأطفال، فعُرض عليّ تأليف قصص في مجال تثقيف الأطفال جنسيا وبدأت التجربة بـ"لبيب ولبيبة والأسرة السعيدة"، مضيفة "قبل الشروع في الكتابة قرأت كثيرا في صلب المواضيع الجنسية المتخصصة وكتب تربوية وقصص القرآن وتفاسير القرآن الكريم الخاصة بالأطفال".

وعن الصدى الذي لاقاه الجزء الأول من السلسلة تقول "كانت النتيجة إيجابية وبحكم مهنتي كمدرّسة وزعت السلسلة على طلبة المدرسة الابتدائية المختلطة التي أعمل بها وفي حال كان هناك أي ملاحظة او استفسار كان الطلبة يلجأون لسؤالي، ما عزّز الفكرة لديّ أكثر وشجعني على الاستمرار في الأجزاء الأخرى".

ثقافة يتقبّلها المجتمع

اختصاصي علم الاجتماع الدكتور فاتح مثقال عساف يشيد بفكرة المشروع؛ لأنها تسهم في التوعية المبكرة وبخاصة أن المجتمع العربي والإسلامي يتحرّج من الحديث في الأمور الجنسية مع الأطفال عندما يستفسرون عن أمر يتعلق بها "فيواجهون بالقمع، على اعتبار أنه خط أحمر وتابو محرم وعيب".

غير أن سرحان يرى في شيوع العبارة المتداولة "إن المجتمع لا يتقبّل الحديث في الثقافة الجنسية" أمرا "مبالغا فيه وبخاصة من فئة الشباب التي تتقبل مثل هذه الثقافة"، ويشترط في تناولها "أن تكون مستمدة من العقيدة والقيم والأخلاق الحميدة".

تكمن فائدة التعليم للحياة الجنسية بشكل عام، وفق اختصاصي علم النفس العيادي الدكتور وليد الكيلاني، في التأثير الايجابي للتطور والنمو العام حتى يستطيع الفرد ضبط مشاعره ورغبته وحياته الجنسية ومن ثم ضبط سلوكه الجنسي.

ويوضح الكيلاني أن غالبية الدراسات الخارجية تشير إلى أن 82 % من الآباء يؤيدون أن يبدأ التعليم الجنسي من العائلة ومن ثم المدرسة. غير أن التساؤل الكبير كما يقول يكمن في: هل يمتلك الآباء جميعهم هذه الثقافة الجنسية التي تؤهلهم لتوعية أبنائهم؟ وهذا ما دفع إلى اعتقاد معظم الأهالي إلى الاعتماد على المدرسة إما لافتقارهم للمعلومة أو لخجلهم في طرحها.

ويشدد الكيلاني على ضرورة نظرية التعليم الخلقي قبل أن يبلغ الطفل 11 عاما فالمفروض قبل هذا العمر أن يعرف العادات الاجتماعية وقوانين المجتمع والعيب. وفي الخامسة من عمره يتم البدء بإعطائه معلومات جنسية والإجابة عن استفساراته، أما في الثامنة من العمر فيبدأ بالنمو والتطور ويوضح له ما سيطرأ عليه من تغيرات وسببها بأسلوب مبسط. أما في عمر 11 عاما فيصبح يافعا وهو بداية سن المراهقة وتبدأ التغيرات الجسدية بالظهور.

وتكمن أهمية التثقيف جنسيا، وفق الكيلاني، حتى يستقي الطفل والمراهق المعلومة من مصادرها وبحقائقها بهدف اكتساب المهارات ليتناسب سلوكه لاحقا مع المجتمع وينضج عقله ويكون مسؤولا وبشكل آمن لأنه إن حاول اكتشاف المعلومة الجنسية بنفسه فسيقع بأخطاء، مشددا على أن التربية الجنسية تقوّي شخصية الطفل وتجنبه اللجوء للشارع أو الإعلانات والتلفاز وكل ما لا يراعي مصلحة الطفل.

التثقيف الجنسي يشمل الأهل والأبناء

وفي هذا الإطار يرى الاستشاري الأسري الدكتور محمد أبو السعود أن هذا التثقيف أمر ذو شقين؛ الأول خاص بتعليم الكبار أما الثاني فهو موجه للأطفال وهدفه "الوقاية والتهيئة لبناء شخصية متماسكة قادرة على مقاومة الإغراءات".

ويوضح أن التنشئة الأسرية لها دور كبير في تعزيز السلوك الجنسي إيجابيا أو سلبيا، لافتا إلى أن التعليم يكون إما من خلال نمط السلوك الذي ينتهجه الوالدان كونهما قدوة، إضافة إلى التعليم الذاتي مثل تسريب المعلومة أو تمرير رسائل توعوية بطريقة غير مباشرة.

ويحذر سرحان من خطورة أن يلجأ الأبناء للحصول على المعلومات الجنسية إلى جهات غير موثوقة أو مأمونة كالإنترنت أو المواقع الإباحية أو الأصدقاء، ويشترط في حديث الأهل مع أبنائهم في المواضيع الجنسية؛ مراعاة سن الطفل والوعي والبيئة الاجتماعية فضلا عن التدرج في إيصال هذه الثقافة.

وفي هذا الإطار يوجه عساف اللّوم إلى "غياب المناهج المدروسة في التربية الجنسية من قبل متخصصين والتي يجب أن تدرس في المدارس والجامعات، باعتبارها مؤسسة تربوية تسهم جنباً الى جنب مع البيت في التربية".

ويبين عساف أن التوعية تبدأ من سن 10 الى 12 عاما حيث تتفتح عيون الأطفال على الجنس الآخر، أما عملية "التمايز" فتبدأ عند بلوغ الطفل 14 عاما ليتّجه كل طرف لأبناء جنسه وينظر له من بعيد.

الرسائل الجنسية التي يجدر أن يبثها الأهل للطفل الذي يتراوح بين 7-10 أعوام تتضمن الحديث عن النظافة وتمييز الصواب من الخطأ، وفق أبو السعود الذي يدعو لعدم التطرق في هذه السن للتفاصيل، موضحا أن الطفل قبل العاشرة من عمره يتلقّى الأوامر من دون أن يعرف ما وراءها؛ أما بعد ذلك يبدأ بالتساؤل عن كل التفاصيل وهنا يجب إجابته بتبسيط يحافظ على صحة المعلومة مثل اللجوء إلى الأمثال.

أستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية الدكتور منذر زيتون يلفت إلى أن التربية الجنسية تبدأ منذ الصغر، ويؤكد أنها "واجب" يُلقى على عاتق الأهل في المقام الأول وبخاصة الأم لأنها الأقرب إلى أولادها وخصوصاً البنت، ثم المدرسين في المدارس الذين لا بد أن يكونوا مؤهلين بمعارف وإرشادات وحصانة وأخلاقيات تمكّنهم من الخوض في غمار هذا الأمر المهم الذي إن أساؤوا ممارسته انقلب إلى ضده. منبّهاً إلى أن الطفل اليوم إن لم يجد بُغيته في المعرفة والتربية لجأ بنفسه إلى مصادر خاصة جُلها خاطئة.

ولا بد من الحذر عند القيام بعملية التربية الجنسية من الوقوع في محذور تشجيع الجنس وتزيينه عن قصد أو بغير قصد، بحسب زيتون الذي يرى أن التوعية الجنسية بحد ذاتها قد تقود إلى فتح آفاق المعرفة في ذلك المجال ومن ثم نشوء الحوافز النفسية تجاه الجنس، لذا على القائمين على التربية الجنسية أن يكونوا على وعي بذلك إلى جانب رصانة طروحاتهم وجديتها، ووضوح توجيهاتهم وإلباسها لباس العفّة والموضوعية "إذ يحفظ الأطفال والناشئة من خطر الانزلاق إلى الخطيئة، ويخوفهم من الانجراف إلى ويلاتها".

munashukri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »موفق الاختيار (heba)

    الأحد 21 شباط / فبراير 2010.
    الموضوع جيدوهام لاكن يجب التركيز ع التوعية في الجامعات والاهل بعمل دورات تثقيفية ومجانية لهم وشكرا
  • »موفق الاختيار (heba)

    الأحد 21 شباط / فبراير 2010.
    الموضوع جيدوهام لاكن يجب التركيز ع التوعية في الجامعات والاهل بعمل دورات تثقيفية ومجانية لهم وشكرا
  • »السلام عليكم (sarah)

    الأحد 21 شباط / فبراير 2010.
    شكرا لجريدة الغد فهي كالعاده متالقة بطرح مواد من المهم طرحها في مجتمعنا وفي الوقت الحاضر تحديدا والشكر ايضا لكتابة الموضوع على جهدها الواضح من خلال هذه الماده لطرح موضوع بهذه الصعوبة .. اما عن رأيي بموضوع التربية الجنسية فأنا أعيد سؤال الدكتور الكيلاني "هل يمتلك الآباء جميعهم هذه الثقافة الجنسية التي تؤهلهم لتوعية أبنائهم؟"هنا هي المشكلة فوعي الأهل بالتثقيف الجنسي والتربية السوية لأبنائهم جنسيا أمر في غاية الاهمية حيث أن كثيرا من المشاكل عند الأبناء خاصة الجنسية منها سببها يبدأ من الأهل وطريقة تربيتهم.. لذا من الضروري باعتقادي التركيز وبشكل مكثف على تثقيف الأهالي ونشر الوعي بينهم حول كيفية تربية الأبناء جنسيا وكيفية ايصال كل معلومة للأبناء بوقتها وبالسن المناسب للابن او الابنة
  • »السلام عليكم (sarah)

    الأحد 21 شباط / فبراير 2010.
    شكرا لجريدة الغد فهي كالعاده متالقة بطرح مواد من المهم طرحها في مجتمعنا وفي الوقت الحاضر تحديدا والشكر ايضا لكتابة الموضوع على جهدها الواضح من خلال هذه الماده لطرح موضوع بهذه الصعوبة .. اما عن رأيي بموضوع التربية الجنسية فأنا أعيد سؤال الدكتور الكيلاني "هل يمتلك الآباء جميعهم هذه الثقافة الجنسية التي تؤهلهم لتوعية أبنائهم؟"هنا هي المشكلة فوعي الأهل بالتثقيف الجنسي والتربية السوية لأبنائهم جنسيا أمر في غاية الاهمية حيث أن كثيرا من المشاكل عند الأبناء خاصة الجنسية منها سببها يبدأ من الأهل وطريقة تربيتهم.. لذا من الضروري باعتقادي التركيز وبشكل مكثف على تثقيف الأهالي ونشر الوعي بينهم حول كيفية تربية الأبناء جنسيا وكيفية ايصال كل معلومة للأبناء بوقتها وبالسن المناسب للابن او الابنة