كتب الأطفال العربية: إنتاج قليل يفتقر لجودة النظير الأجنبي

تم نشره في الأحد 7 شباط / فبراير 2010. 09:00 صباحاً
  • كتب الأطفال العربية: إنتاج قليل يفتقر لجودة النظير الأجنبي

عوائق اقتصادية وفنية وعدم مراعاة المرحلة العمرية تحول دون انتشار أدب الصغار

مريم نصر

عمان- الطفل رامي نبيل (9 أعوام) يملك في مكتبته الصغيرة عشر قصص للأطفال، لا تحتوي تلك القصص على واحدة باللغة العربية، ليس لعدم إجادتها؛ بل لأنه لم يجد كتاباً بلغته الأم يجذبه، حتى يطلب من والده شراءه.

وفي كل مرة يصطحب أبو رامي طفله لشراء القصص يلحظ انجذابه التلقائي للكتب الانجليزية ؛بسبب ألوانها ورسوماتها الجذابة وطريقة تصميمها المميزة.

ويبدي أبو رامي استياءه ؛من عدم توفر كتب أطفال باللغة العربية  بالجودة نفسها التي تميز  الكتب الإنجليزية، ولأنه يتمنى أن يرى ابنه يقرأ قصة عربية ،قام بشراء واحدة له غير أنها لم تلق إعجابه على الإطلاق، لا من حيث الصور ولا حتى المضمون.

وبامتعاض شديد يقول أبو رامي "القصص العربية مش حلوة ومملّة"

ويوافقه الرأي الطفل سند (11 عاما)، مؤكدا أنه يتجنب اقتناء القصص العربية؛ لأنها "بتفكّر الأطفال جاهلين"، في حين يحبّذ الإنجليزية التي تثري خياله وتجعله متعطّشاً لقراءة المزيد.

المشرفة الفنية في مكتبة حكواتي، شيماء حامد، تؤكد أن الإقبال على القصص الأجنبية بشكل عام أكثر من العربية، وبحكم عملها في المكتبة ،تعتبر أن "قصص الأطفال باللغة الإنجليزية أكثر جاذبية من العربية".

ومع حرص العاملين على تشجيع قراءة واقتناء القصص العربية، إلا أن الأطفال الذين يرتادون المكتبة ،يميلون للإنجليزية بالرغم من أنها أكثر ثمناً، وفق حامد.

ويرى كتّاب وخبراء في مجال صناعة أدب الأطفال، أن السوق العربية تعاني نقصاً وأزمة حقيقية بالنسبة لكتاب الطفل، فضلاً عن غياب الدراسات المتبعة في إعداد القصص الموجهة لهذه الفئة ،التي تنتج في الوطن العربي كل عام.

ويعزو خبراء تراجع الاهتمام بأدب الطفل في العالم العربي، إلى نقص المؤلفين المتخصصين، وارتفاع التكلفة المالية، إضافة إلى ضعف التقنيات التكنولوجية إلى جانب قلة الفنيين من رسامين ومصممين. 

الفرق الذي نشهده بين الكتاب العربي الموجّه للأطفال ونظيره الأجنبي في المضامين، يعود الى حقيقة مهمة هو أن "العالم الغربي له تقليد في الكتابة للطفل يعود إلى أكثر من 400 عام، بينما الاهتمام بهذا الأدب في عالمنا العربي لم يظهر إلا في القرن الماضي ،وبإنتاج شحيح جداً لم يصل بعد حد الإبداع، بحسب مؤسِّسة دار المنى للنشر منى زريقات هنينغ.

وتبين زريقات ،أن ما يسيطر على الإنتاج العربي الغالب في هذا  المجال هو كتب تعليم الأحرف الهجائية والحساب والقراءة والكتابة، لافتة إلى أنه "إنتاج تعليمي تربوي يلبّي طلب وزارات التربية والتعليم التي تقاعست في الأعوام الماضية عن تطوير مناهجها التعليمية فوجدت في القطاع الخاص عوناً لها".

ومن هذا المنطلق ترى أنه "لا يمكن مقارنة هذه الكتب بكتاب أدبي للنشء في مستوى توم سوير أو مؤلفات تشارلز ديكنز مثلا".

من جهتها تنوه الكاتبة هدى أبو نوار، أن الأطفال يقبلون على قراءة القصص والمجلات الموجهة لهم، أكثر من إقبالهم على قراءة كتبهم المدرسية، مشيرة إلى "أن الدراسات العالمية حول الجوانب المختلفة لميول القراءة عندهم، تكشف أنهم يعرفون تماما ما الذي يرغبون في قراءته، وأن لديهم شعوراً محدداً بالنسبة للمواد المقروءة في أذهانهم ،لأن المطالعة عند الأطفال هي عملية إمتاع كاملة".

ومن المشكلات الأخرى التي تواجهها قصص الأطفال العربية، بحسب الكاتبة هدى فاخوري، "افتقار الكاتب للحرية؛ إذ يعاني الكتاب من مراقبة شديدة تفرض على المؤلف ولا تفسح المجال له أن يغوص في الخيال لوضع نص قوي ومبدع".

الكاتب هاشم غرايبة يقول "إن نقص الدراسات الميدانية في هذا الأدب، تشكل أحد أسباب الضعف"، لافتاً إلى أن هذه الدراسات من شأنها أن تعرف المتخصصين في هذا المجال، بما يناسب الأطفال وما يشدهم ويعجبهم.

ويضيف "ثمة نقص في الخبراء المتخصصين في إنتاج كتاب الأطفال من رسامين ومصممين، فضلاً عن أنه يتم التعامل مع الطفل كحالة سكونية ساذجة، ولا نعامله كفرد يملك عقلاً ذكياً متفتحاً".

"الجهود المكرّسة للإنتاج الأدبي الخاص بالطفل في العالم العربي، هي جهود فردية"، وفق فاخوري ،التي توضح أن المسؤولين "لا يولون المنتج الثقافي اهتمامهم، في حين أن صناعة الكتاب عند الغرب ،فنّ بحد ذاته تشرف عليه مؤسسات كبيرة، تهتم بإنتاج كتاب مبهر سواء للأطفال أو الكبار".

وعن مواصفات ما يكتب للأطفال ،توضح زريقات أن "الطفل يريد مادة فنية تواكب تقدمه العمري في الخيال، وتتكلم عن قضاياه ومشاعره وأحاسيسه.. عن فرحه وحزنه..  عن مغامراته التي يعيشها هو أو يعيشها عبر شخصيات الأطفال، الذين يقرأ عنهم"، موضحة أن "الإنتاج العربي يفتقر إلى الأبطال الذين يجسدون الطفولة بأروع مظاهرها، كما يبحث عنهم الطفل العربي".

وتشدد أبو نوار على ضرورة أن يأخذ القائمون على صناعة كتاب الأطفال بعين الاعتبار، معرفة خصائص القراءة المقدمة لهم، وعلى الكاتب أن يملك قدراً من المهارة للوصول إلى عقولهم ،وأهمها ما يسمى "بمعرفة التمييز"، بالإضافة إلى استعانته بفريق كامل من رسامين ومنتجين ومصممين ،للوصول إلى الهدف المنشود.

وتنصح أبو نوار من يؤلف للأطفال "احترام عقولهم ووعيهم وقدرتهم على إشباع حاجاتهم، ورغبتهم في الاكتشاف، وولعهم بطرح السؤال، والنزوع إلى الحرية الفكرية، فضلاً عن منحهم قدراً كافياً، من الاهتمام لتقديم  حسهم الجمالي".

مدير وصاحب دار المنهل للنشر، المتخصصة في كتب الأطفال، خالد البلبيسي، يرى أن هنالك جملة من العوامل أضعفت كتب الأطفال العربية منها:- أن صناعة الكتاب للطفل العربي في السوق ماتزال حديثة العهد إذ بدأت في السبعينيات من القرن الماضي بالمقارنة مع الكتاب الأجنبي المخصص للطفل ،الذي بدأ منذ مئات السنين.

ويضيف أن الإمكانات التكنولوجية والميزانية متوفرة لدى الغرب بشكل كبير، بينما يشكل البعد المالي عائقاً في صناعة الكتاب للطفل في العالم العربي، موضحاً أنه "إذا أردنا إنتاج كتاب للأطفال بجودة تضاهي الكتب الأجنبية فإن ذلك سينعكس على كلفتها، التي قد لا تكون في متناول الجميع"، مشيراً إلى أن "كلفة توفير صور للكتب، كبيرة مما يجعل بعض دور النشر تعتمد على الكتاب المترجم".

وينوه غرايبة إلى أن عدم توفر قصص عربية ذات مستوى رفيع للأطفال "ساهم في ضعف إقبالهم على القراءة من جهة ،ومن جهة ثانية عززت عندهم الميل لممارسة ألعاب الكمبيوتر أو تصفح قصص الإنجليزية".

الأم ريما زريقات ترى أن "شح الكتاب العربي يدفع أطفالنا للتخاطب مع بعضهم باللغة الإنجليزية التي يتعلمونها في المدرسة ويطالعونها من خلال قصص شيقة وجميلة".

وللقصص الغربية تأثيرها السلبي على أطفالنا العرب، كما تقول فاخوري، التي تجملها بـأنها "تكرس صوراً نمطية، أن الشقراء والبيضاء هي البطلة التي يتزوجها الأمير.. وما إلى ذلك وهذا يجب أن يكون سبباً لدفع الكتّاب العرب لإنتاج ما يناسب مجتمعنا وأطفالنا".

ولا تقع المشكلة على عاتق الناشر أو الكاتب وفق ريما التي تقول "إن الأسرة الأردنية لا تقدر على دفع 15 ديناراً، على سبيل المثال، ثمن قصة للأطفال"، مشيرة إلى أن "إنتاج كتاب بمواصفات جيدة يتطلب أن تكون كلفته مرتفعة".

وترى ريما أن على دور النشر والكتّاب مواجهة الأمر؛ لنتشيط سوق الكتاب العربي الموجه للطفل، فضلاً عن اهتمام المعنيين بتبني هذه القضية، التي تهدد أجيالاً قادمة تنغمس في اللغة الإنجليزية وثقافتها، وتنسى اللغة الأم.

ويبدي غرايبة استهجانه، من استفادة الغرب من تراثنا لإثراء مكتباتهم مثل؛ قصص سندباد وغيرها، في حين يعرض الكتّاب العرب، عن القيام بهذا الدور، منوهاً إلى أن "جداتنا كن أكثر قدرة على إمتاعنا بالقصص المشوقة والمفيدة من غالبية قصص الأطفال الحالية".

وفي  السياق نفسه تؤكد فاخوري، أن "تراثنا العربي غنيّ جدّاً بالقصص، التي يمكن الاستفادة منها"، عازية تجنب الكاتب العربي لذلك "لأنه في الحقيقة غير مطلع على الثقافة والتراث العربي".

ومع وجود هذه العوائق إلا أن البلبيسي يشير إلى "التقدم الملحوظ في صناعة أدب الأطفال في العالم العربي خلال الفترة الماضية، فتحققت قفزة نوعية في هذا المجال، لكنها ما تزال تحتاج الى تطوير"، منبها إلى أن الأمر لا يتعلق بالمضمون فحسب، بل لابد من "إفراد ميزانية ضخمة  للصور والتصميم وطريقة العرض".

ويذكر أن دار المنهل نشرت في العام الماضي، نحو 70 كتاباً للأطفال، كلها بغلاف "soft cover" في محاولة أن تكون كلفتها بمتناول الجميع.

الاختصاصية التربوية الدكتورة عايدة أيوب تشير إلى أن هنالك فرقاً بين الكتاب العربي والإنجليزي، من حيث الهدف والموضوع وطريقة العرض لكن هذا لا يعني أنه لا توجد كتب عربية مهمة وجيدة للأطفال.

وتلفت أيوب إلى أهمية الكتاب في تنمية قدرة ومهارات الطفل "يعمل الكتاب على تنمية اللغة لديه وتوسيع مخيلته وتنمية قدراته النفسية، وتقوية العلاقة بين الأم وطفلها؛ إذ تستطيع من خلال الكتاب أن توجه سلوكه بطريقة غير مباشرة".

وللكتاب رسالة مهمة على الكتّاب أن يراعوها ،فمثلا من خلال القصة يمكن للأم أن تمنع طفلها عن عادة الكذب، وفق أيوب التي تقول "هنالك دراسة أعدها مؤخراً الطبيب ديفيد كوك من جامعة كندا بينت، أن الطفل الذي يقرأ يختلف بطريقة إيجابية عن أقرانه الذين لا يقرأون؛فهو يصبح سريع الحفظ ،وتتكون لديه قدرة على التفكير المنطقي وتنمية المفردات وذلك يسهم في قدرته على التعبير عن نفسه".

وتنصح أيوب أن يراعي الأهل عمر الطفل في اختيار الكتاب ، فالكتب المخصصة للأعوام الأولى، مثلاً، تتميز بكثرة الصور وكبر حجمها واحتوائها على كلمات كبيرة، مشددة على ضرورة تخصيص عشر دقائق في اليوم مع الطفل لقراءة قصة ومحاولة انتقاء الوقت المناسب حتى لو كان وقت استحمامه، لافتة إلى "وجود كتب بلاستيكية لا تتأثر بالماء".

التعليق