"فن القصة: وجهة نظر وتجربة": كتاب جديد لعدي مدانات

تم نشره في الأحد 31 كانون الثاني / يناير 2010. 10:00 صباحاً
  • "فن القصة: وجهة نظر وتجربة": كتاب جديد لعدي مدانات

 

عمّان- الغد - عن الأهلية للنشر والتوزيع، صدر مؤخراً كتاب جديد للقاص والروائي عدي مدانات، بعنوان "فن القصة: وجهة نظر وتجربة".

ويشتمل الكتاب على جملة من الموضوعات التي تناقش: القصة والحياة، قدرات العقل، الانتباه، المبادرة، الذاكرة، الخيال والمخيلة، الفكر والتفكير، الإرادة، المزاج والذائقة، الخلق، سجايا النفس الحسنة، القصة القصيرة وآلياتها، القصة.. الحمل والولادة، حدث القصة وأحوال النفس، وعناصر القصة وتوافقها.

جاء الكتاب في 286 صفحة من القطع المتوسط، ويلقي الضوء على فن القصة معرّفاً بآلياته، ومستكشفاً آفاقه وقدراته على الاستفادة من كل أنواع الإبداع، بصرف النظر عن المرحلة التي نشأ فيها وتطور واكتسب كماله، وبصرف النظر أيضاً عن الغزوات التنظيرية المستحدثة التي ليست كلها قادرة على الثبات، كما يرى مدانات.

يتميز الكتاب بالحيوية والتشويق، ذلك أن مدانات يعرج، في الوقت الذي يتحدث فيه عن تقنيات القصة، على تجربته الذاتية في كتابة هذا اللون من الإبداع الفني، ومسيرته التي تتقاطع معه، ويؤكد: "أحببت القصص المكتوبة والمروية منذ طفولتي، وقبل أن أتعلم القراءة، ولا غرابة في ذلك، فقد كان والدي يحضر لي القصص المصورة ويبسطها أمامي ويقرأ ما تيسر، وكانت والدتي، وأحياناً جدتي لأبي، تقصّان عليّ القصص التي تحمل في طياتها عِظات حسنة، ولكنها تحمل أيضاً قدراً من الإثارة، مما جعلني أفتن بالقصص وأتشوق إليها". ويتابع: "تعلمت القراءة وصرت أقرأ بمفردي القصص التي دأب والدي على توفيرها لي، وفي ما بعد، تلك التي توفرت في مكتبة المدرسة، ثم القصص التي صرت أختارها بنفسي وأشتريها".

وحول المنجم الذي يستمد منه خامة قصصه ومادتها الثرية، يؤكد مدانات، من واقع تجربته، أن لا فصل بين الواقع ومادة القصة، فهما وجه واحد للحياة، فيقول: "لأنني أحببت قراءة القصص، فقد أكثرت منها، وهذا ما جعلني أرى في حياة الناس قصصاً منثورة، شبيهة بالقصص المكتوبة، كما أرى في الناس شخصيات قصصية، كتلك التي تعرّفت عليها في الكتابات القصصية، والعكس صحيح".

هذا التأمل الفطن في مفردات الحياة لم يكن كافياً وحده للكتابة القصصية، كما يوضح مدانات، مؤكداً أن تجربة الكتابة "تحتاج أكثر مما توفره الحياة من قصص، تحتاج إتقان اللغة الحاملة للمعاني، ومعرفة أدوات القص وأساليب الكتابة، وقبل كل هذا، نضج التجربة الحياتية والفنية".

اختط البحث في هذا الكتاب منحى الخوض في الصلة الحميمة بين كاتب القصة والحياة، لأن ذلك بحسب ما يرى الكاتب أنه يثري الكتابة أكثر مما يثريها الخوض في الآليات والبنى والأنساق، وإن كان لا غنى عن إجادة كل ذلك. مشيراً: "صلة المادة القصصية بالحياة، هي وجه آخر لصلة الكاتب نفسه بالحياة، ولا يستقيم أمر كتابة القصة من دون معرفة الحياة وتلمس ذائقتها، بحلوها ومرها، وهي التي ستثري كتابته وتكسبها ذلك الوهج الغريب والآسر الذي يجعلنا نعيد النظر في ما عشناه واكتشاف ما خفي علينا وأهملناه".

يطعم مدانات نثارات من تجربته الغنية سواء في الحياة أو في الكتابة، مورداً أمثلة توضح مثلاً مرانه الدائم على كتابة القصة، ومن ذلك لقاؤه بأصدقاء الدراسة الثانوية، حيث  يكون على أحدهم أن يبدأ بجملة قصصية، بداية حدث مما يجري مثله في الواقع، ثم يسلّم جملته لآخر، ليبني عليها من بعده ويضيف، ثم يسلّمها لآخر، مما يساعد على بلورة قصة من مجموعة الأحداث المتتابعة بمساهمة الجميع. يقول مدانات: "تبين لنا أن الحدث الواحد، قد يمضي في سياقات مختلفة وينتج آثاراً مختلفة، وهكذا هي الحياة".

ويؤكد الكاتب: "اعتقدت في البداية وأنا أتحرّى في الوجوه عمّا يختبئ في الصدور، أن وجه الإنسان وحده مرآة نفسه، بعينيه، بنظرته، بضمة شفتيه وانفراجتيهما، بتقطيبة جبينه، بقسمات وجهه، بنبرة صوته، فوجهت اهتمامي إلى الوجه أستدل من تعابيره على حالات النفس المختلفة، وكنت أقترب من الصواب في كثير من الأحوال، غير أنني اكتشفت أن جسد الإنسان كله يشترك بتلك الخاصة، ويكشف لنا ما خفي علينا، فالجذع واليدان وأصابع اليد والسيقان، تعكس كلها حال الإنسان كذلك. الجذعُ المنتصب غيرُ المتهالك، واليدان المسبلتان بهدوء غيرُ المتشنجتين، والأصابع المسترخية غيرُ التي تنقبض أو تنقر جانب المقعد. وسّعت دائرة انتباهي، وتوصلت إلى أن الجسد يكشف أمر صاحبه أكثر مما يفعل الكلام، فأدرجت كل هذا في قاموسي".

ينطوي الكتاب على خليط راقٍ يجمع بين توجيه خطى المقدمين على كتابة القصة، عبر نماذج تطبيقية مما كتبه مدانات أو مما كتبه آخرون، ويؤشر على مفاصل من تجربة الكاتب في الكتابة، حيث يدرج أمثلة لقصص كتبها ثم أجهضها وهو يتحسس دربه في هذا المضمار الشائك، أو يدرج قصة ثم يأخذ بتشكيلها ككرة من معجون طيّع ليدلل على حيوية هذا الفن، والوجوه المتعددة التي يمكن أن تتشكل منها القصة الواحدة، كما كان في كل ذلك يوجّه القارئ، بالمطلق، نحو عيش الحياة والتمتع بكل تفصيلة فيها والانتباه لما حوله مما يفتح أمامه الجمال على مصراعيه.

يقول مدانات: "اكتساب المعارف والتجارب والمهارات الأساسية، فن بحد ذاته، يأتي للمريد على مهل وفي وقت مبكر من حياته. ولهذا يتقدم هذا الجانب على غيره من مكونات الشخصية القصصية، مما يقتضي معه حثّ الكاتب وتحفيزه على تطوير قدراته الإدراكية وإثراء تجاربه الحياتية والسعي لتعويض ما فاته، بفتح أبواب نفسه لاستقبال الحياة من غير ترفع، لكي يتمكن من لمس نبضها، واستقبال رفعة الفن وجماله، واعتياد هذا الفعل، وهذا ممكن دائماً".

يركز مدانات في كتابه على دور الكاتب، خلال مسيرة حياته الشابة، في تنمية قدراته في هذه المجالات مجتمعة، فهي التي ستؤهله للتنطع لهذا الفن الصعب، حين يشتد عوده ويستكمل عدته، مؤكداً أن "الكتابة الإبداعية من دون تاريخ إبداعي تعبوي يشوبها العوز والفاقة".

ويتابع مدانات: "لكتابة القصة همومها وشجونها، كما هو شأن كل أنواع الإبداع الإنساني، وقد صارت الحاجة ملحّة للبحث فيها على خطى متزنة، بعد أن كثرت النزعات التجريبية، وتعددت الاتجاهات النقدية، وساد الخلط واللغط، مع نشوء نوع من الكتابة، تتستر بالحداثة، وتعطي أهمية خاصة للنص المفتوح، على حساب مجمل الكتابة القصصية الواقعية المتجددة وآلياتها ومضامينها".، ويستدرك: "أعرف أنني سأبدو، كمن يرفض التجديد ويتمسك بقرون الماضي حتى لا يفلت من يديه. الأمر هنا، ليس كذلك بالتأكيد، فأنا أعرف أن أحداً ليس بوسعه أن يجعل التاريخ يكف عن حركته وتحولاته، غير أن التاريخ لم يلقِ بهذا اللون من الإبداع في سلة المهملات، وأن القصة ما تزال قادرة على النهوض بمهمتها على أفضل وجه".

ويوضح مدانات أن الأمر هنا، من منظور ماركسي، وبكل قوة هذا المنهج الذي لا يعرف الجمود وحيويته، "أراهن على قدرة الواقعية المنفتحة المرنة على استيعاب المفيد من كل ما هو جديد، ونبذ البدع الاستهلاكية في الفن".

التعليق