الانترنت: تواصل حضاري يؤثر في تعميق الروابط الأسرية أو تفكيكها

تم نشره في الجمعة 15 كانون الثاني / يناير 2010. 10:00 صباحاً
  • الانترنت: تواصل حضاري يؤثر في تعميق الروابط الأسرية أو تفكيكها

رنّه العامر

عمان- سهلت مفردات التكنولوجيا وأدواتها الكثير على الناس، ومدت بينهم جسورا للتواصل على اختلاف الدول والأقطار التي يقطنونها، في حين وقعت كثير من العائلات تحت وطأة استخدام هذه الأدوات بشكل خاطئ وأفرزت العديد من المشاكل الأسرية.

وتقرّ العشرينية كوكب بأن وجود التكنولوجيا سهّل عملية تواصلها مع زوجها الذي يعمل في إحدى دول الخليج، وتقول "لولا توفر الهاتف الخلوي لوجدت مشقة في الحديث مع زوجي".

التكنولوجيا ظاهرة تواصل حضارية خلقتها ظروف العصر وسهّلت على الأهل والأقارب والأصدقاء التواصل مهما اختلفت بهم الأمكنة، وبأسرع الطرق وبأقل التكاليف في رأي اختصاصي علم الاجتماع د.حسين محادين الذي يذهب إلى أنها أصبحت صلة وصل مهمة بين أفراد الأسرة الواحدة.

اختصاصي الأمراض النفسية والعصبية د. جمال الخطيب يرى أن التكنولوجيا هي العنصر الرئيسي في تطور الحياة البشرية عبر القرون، وتترك آثارها الإيجابية في حال تم استخدامها بطريقة سليمة.

من جهتها تشكو منى (30عاما) تهرب زوجها من واجباته المنزلية من مشاركة في تربية الأبناء وتوجيههم، أو الجلوس معها لتبادل أطراف الحديث، والتحاور في قضايا تتعلق بحياتهم.

وما يدفع زوج منى للابتعاد عن العائلة ومشاركتها يومياتها هو انشغاله معظم الوقت بالتحدث مع أشخاص لا تعرفهم من خلال شبكة الإنترنت.

وحال عبير (28عاما) لا يختلف عن الوضع الذي تعيشه منى، إذ خرجت من عشّ الزوجية بعد قصة طلاق سببها شبكة الإنترنت التي كانت تشغلها عن واجباتها طيلة فترة غياب زوجها عن البيت.

عبير التي وجدت في الإنترنت ملاذا لقتل أوقات الفراغ التي كانت تمر عليها ببطء، تذهب إلى أن "الشات" كان وسيلة الترفيه الوحيدة لديها والبوابة التي تربطها مع العالم.

وتضيف "وفر لي الإنترنت فرصة التعرف على أحد الأشخاص والذي تقرّب مني كثيراً، وتطورت علاقتنا، إلى أن أتى يوم وعلم زوجي بالأمر، واعتبر ما حصل خيانة وطلقني".

صاحب أحد مقاهي الإنترنت أيمن رفاعي (36عاما) يؤكد أن التكنولوجيا ساهمت في قتل علاقته الزوجية، ويقول "تعرفت على زوجتي عن طريق الإنترنت، وأعجبت بشخصيتها وتقدمت لخطبتها بناء على الصورة التي تشكلت في ذهني عنها".

ويستدرك قائلا "بعد مشاركتي لها الحياة اليومية، أيقنت أنها أدمنت الإنترنت وتقضي معظم وقتها عليه ولديها أصدقاء كثر ولا تستطيع الاستغناء عنه".

والإنترنت من وجهة نظر محادين، أصبح ملاذا لأرباب البيوت الذين يعانون من التوتر في العلاقة، خصوصا أؤلئك الذين يفضلون الهروب من مشاكلهم بدلا من مواجهتها، لافتا إلى أن "الشات" لا يظهر إلا محاسن من يتحدثون معهم، الأمر الذي يسهم في تدمير الترابط الأسري.

واستخدام التكنولوجيا في رأي  هناء الرملي أدى إلى عزل أفراد الأسرة عن بعضهم، حيث يتوفر في الكثير من البيوت الميسورة الحال عدة أجهزة كمبيوتر وخطوط الإنترنت في غرف نوم الأبناء من مراهقين وأطفال، وكذلك أجهزة "اللاب توب" واستخدام تقنية "الواير لس"، فيأخذ كل مستخدم زاوية له في المقهى أو المنزل، لينفرد وينعزل عن بقية أفراد الأسرة، بالإضافة إلى توفر أجهزة الموبايل التي أصبحت في متناول الجميع.

وبعض الأسر التي تكون العلاقة بين أفرادها شبه مفقودة أو مشوهة، كما تقول، تتجه للتكنولوجيا لتعويض النقص الحاصل ونسيان الهموم وتمضية الوقت بالبحث عن علاقات أخرى".

وهذا ما تشير إليه الدراسات، وفق الرملي، والتي أثبتت أن غالبية مدمني الإنترنت يعانون من الفجوة النفسية والعملية مع أفراد أسرهم.

والأثر السلبي للتكنولوجيا من وجهة نظر الخطيب، يعتمد على طريقة استخدام الشخص لها، ممثلا على ذلك بالطاقة النووية التي يمكن أن تكون مصدر رخاء للبشرية أو تدمرها، لافتا إلى أن الإدمان على الكمبيوتر، لا يصنف ضمن الاضطرابات النفسية المعروفة لدى منظمة الصحة العالمية.

والمفارقة التي تحدث عند استخدام المواقع الاجتماعية مثل الفيس بوك وغيرها في رأي الرملي هو أن المستخدم يتذكر موعد عيد ميلاد أحد معارفه عبر الإنترنت وينسى عيد ميلاد أحد أفراد أسرته، وقد يتنبه لغياب صديقه ومشاركاته من دون أن يتنبه لتأخر أخيه أو ابنه عن العودة للمنزل، أو أن يلبي دعوة لأحد معارفه عبرها، وينسى دعوة أقاربه على غداء أو غيرها.

ويؤكد محادين ضرورة تسليط الضوء على كيفية استخدام هذه الوسيلة، بأن يكون الهدف منها تعميق العلاقة الأسرية القائمة على الثقة، لا الالتفاف عليها وخلق بذور التشظي في منظومة الأسرة.

في حين تذهب الرملي إلى ضرورة استخدام التكنولوجيا بطريقة تعمل على مد جسور الألفة والتقارب بين أفراد الأسرة، بالحوار والنقاش الودي الفعال.

وتطالب الأهالي بوضع جهاز الكمبيوتر في غرفة المعيشة، وتشدد على أهمية التقارب الأسري والحوار الدائم عن التكنولوجيا واستخداماتها، لحماية الأبناء من مخاطرها واستخدامها بما يعود عليهم بالنفع والفائدة.

التعليق