المجتمع يحصد خيبات الفهم الخاطئ للمرض النفسي بصفته "جنونا"

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الثاني / يناير 2010. 10:00 صباحاً
  • المجتمع يحصد خيبات الفهم الخاطئ للمرض النفسي بصفته "جنونا"

 

عمان- أقفلت أم علي أبواب المركز الوطني للصحة النفسية على ابنتها ميس ذات الخمسة عشر ربيعا، لتبقى أسبوعين ريثما يتسنى للأسرة اجتياز حفلة زواج الابنة الكبرى، على ما أفادت به الريفية الخمسينية التي عبرت عن خشيتها من انفراط عقد الزواج إذا ما اكتشف أهل العريس وجود هذه الحالة المرضية في الأسرة.

وميس التي لجأت أسرتها إلى مواراتها خلف قضبان المستشفى، واحدة من آلاف الأردنيين الذين يراجعون نحو 13 عيادة نفسية حكومية في مختلف مناطق المملكة، وسط أرقام رسمية تؤكد أن في المملكة نحو مليون شخص يعانون من أشكال متباينة من الأمراض النفسية.

وفي أحد شوارع عمّان الشرقية، كان محمود يهيم على وجهه أشعث أغبر ولحيته متهدلة، وتبدو عليه آثار تعب وجوع، وهو منهمك في استجداء المارة، حتى بات علامة فارقة لهذا الشارع الذي يعج بحركة نشطة.

ووسط غياب دراسات مسحية شاملة وجادة لتحديد عدد مصابي الأمراض النفسية، فإن مصادر متطابقة، من بينها منظمة الصحة العالمية، تؤكد أن التقديرات توضح أن في أي مجتمع من المجتمعات هناك بين 20 -25 بالمائة من أفراده بحاجة إلى خدمات الصحة النفسية.

وحسب أرقام رسمية فإن نحو خمسة وعشرين ألف شخص راجعوا عيادة عمان الاستشارية العام 2008، بينما راجع عيادات المركز الوطني أكثر من 24 ألفا، وجاءت عيادة البشير ثالثا بنحو 17 ألف مراجع.

ويندرج تحت قائمة الأمراض النفسية؛ القلق والاكتئاب والمخاوف المرضية والوسواس القهري ومتلازمات التعرض للأزمات التي تشكل النسبة الأكبر من الأمراض النفسية، إضافة إلى الأمراض العقلية، فضلا عن أمراض عقلية تفقد المصاب تواصله الطبيعي مع محيطه.

ولاحظ أمين عام المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا الدكتور عادل الطويسي، اشتباكا في الفهم المجتمعي للصحة العقلية والنفسية، ما ينتج تصورا سلبيا مسبقا يرى الإصابة اضطرابا عقليا، ما ينعكس سلبيا على إمكانية إجراء دراسات ميدانية حقيقية، إذ تُحجم الأسرُ عن الإفصاح عن إصابات أفرادها.

وفي المملكة 70 طبيبا وطبيبة نفسية، ما يعني حسب دراسة أعدها المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، أن طبيبا واحدا لكل 100 ألف أردني.

وقال الطويسي إن هناك نقصا في كوادر الصحة النفسية، إذ تؤكد دراسة المجلس أن في المملكة سريرا واحدا في الصحة النفسية لكل عشرة آلاف أردني، ما يعني ضغطا مضاعفا على مقدمي خدمات الصحة النفسية.

وفي وزارة الصحة 18 طبيبا متخصصا في الأمراض النفسية و180-200 ممرضة وممرض قانوني ومشارك ومساعد ممرض.

وبعد أن لفت إلى تعريف الصحة النفسية الوارد في دستور منظمة الصحة العالمية بصفتها "اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرّد انعدام المرض أو العجز"، أوضح الطويسي أن الجهود المحلية لا تعدو كونها علاجية لا وقائية، وهو ما يتعارض مع مفهوم الصحة النفسية العالمية.

من جهته، قال رئيس الاختصاص في المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور نبهان أبو صليح إن عدد المتخصصين في التمريض النفسي لا يتجاوز ستة ممرضين، وبذا يجري سد النقص من خلال التخصصات التمريضية الأخرى، بإخضاع الممرضين لدورات مكثفة في التمريض النفسي.

وأوضح أن هناك عزوفا في أوساط الأطباء والممرضين عن تخصص الطب النفسي، ومرد ذلك عدم وضوح طبيعة العمل في مستشفيات الأمراض النفسية، وهو ما يتزامن مع ما يسمى "وصمة العيب" والصورة الذهنية السلبة حيال هذا العمل الإنساني.

وأضاف أن ما يفاقم أوضاع هذا التخصص هو تغييب بند في موازنة في وزارة الصحة للصحة النفسية.

عالميا، يبدو الوضع مغايرا بشكل جذري عما هو عليه في الاردن، اذ تعلن المملكة المتحدة مثلا عن إغلاق مزيد من المصحات النفسية وتقليص عدد الأسرّة النفسية، بفضل سياسة تقوم على اعتماد العلاج الشامل والحيوي وليس الطب النفسي فقط، بينما تذهب دول العالم الثالث ومن بينها الأردن إلى اعتماد دواء الصدمات الكهربائية.

ووفق معلومات مصادرها متطابقة، فلا وجود للعلاج التكاملي في الأردن، ما يوقع المريض النفسي في دائرة الخطر التي تقوده إلى الانتحار أو محاولة الانتحار.

وترجع مصادر منظمة الصحة العالمية عزوف الأسر عن مراجعة الطبيب النفسي إلى فهم نمطي للمريض بصفته "فاقدا للعقل أو مجنونا".

وحسب أرقام دولية فإن نحو مليون شخص يموتون سنويا بالانتحار؛ وبذا يكون عدد الوفيات 16 حالة لكل 100 ألف إنسان، أو وفاة واحدة كل 40 ثانية.

من جهته، قال وزير الصحة السابق الدكتور سعد الخرابشة، إن هناك حواجز تحول دون المعالجة الفعالة للمرض العقلي، وأهمها عدم الاعتراف بخطورة المرض وغياب التفاهم حول فوائد خدمات الصحة النفسية، بين واضعي السياسات وشركات التأمين ووزارة الصحة والجمهور.

ويعاني المرضى النفسيون في كثير من الأحيان ظلما اجتماعيا وأسريا، إذ تتعرض نسبة كبيرة منهم إلى طائفة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان، في مقدمتها "وصمة العار" والنظرة الاجتماعية العامة التي تتعامل معهم بصفتهم منبوذين، إضافة إلى فشل الكثير منهم في الحصول على الرعاية التي يحتاجونها.

وترصد دراسة المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا تدني الحد الأدنى للمستوى العام للنظافة في مركز الكرامة للتأهيل النفسي إذ تنتشر الروائح الكريهة في المكان، حيث لا يستخدم عمال النظافة المنظفات الكيماوية، بينما تنتشر أواني أطعمة قديمة تحت أسرة المرضى وهي تعوم فوق ماء آسن، إضافة إلى أن غرف الاستحمام مغلقة.

وترسم الدراسة صورة مأساوية لكفتيريا العيادة الخارجية في المركز، إذ تبدو في حالة رثّة جدا، وبلاطها مخلوع وجدرانها قذرة ومتسخة.

وحسب الدراسة فإن شركة خاصة تتولى أعمال النظافة في المركز وينص عقدها مع وزارة الصحة على توفير (62) عاملا بينما لا يتجاوز عددهم الفعلي ثلاثين عاملا، وتقوم الشركة ذاتها بأعمال الطبخ في المركز.

ولا يبدو مطبخ المركز، كما تفيد الدراسة في حال أحسن من المرافق الأخرى، فهو "لا يقدم وجبات بعدد كاف، وتنقصه تجهيزات وأدوات".

و"يحبس مرضى مركز الكرامة على أسرّة مثل الأقفاص، ويحرمون من الملبس أو الفراش اللائق أو المياه النقية أو المراحيض الملائمة، ويتعرضون لإساءة المعاملة والإهمال"، حسب دراسة المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، الذي يؤكد أمينه العام الدكتور عادل الطويسي، "أن المجتمع يحصد خيبات سلوكه تجاه مرضى الاضطرابات النفسية والعقلية عبر تكريس القناعات المسبقة عنهم، بينما يحتفي العالم المتقدم بهم بصفتهم بشرا ينزلهم منزلة تليق بالإنسان".

التعليق